الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستدل المؤلف بالقرآن على وجوب الاكتفاء به، ويبين تأثيره في تغيير حياة العرب. يُظهر كيف غير القرآن حياة الناس وجعلهم قادة للأمم.
يتناول المقطع تفسير آية 'تبيانًا لكل شيء' ويوضح أنها جاءت بيانًا لأمور الدين وليس للعلوم الدنيوية. يُفسر ذلك من خلال أقوال المفسرين.
يُناقش معنى الآية ويحذر من سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى رفض السنة، ويؤكد على أهمية الأخذ بالسنة جنبًا إلى جنب مع القرآن.
يختتم بالتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل، والصلاة على النبي محمد، مشيرًا إلى أهمية الآية في بيان كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله رحمه الله تعالى تحت هذا الباب، والذي سأسميه "وجوب الاستغناء لمتابعة الكتاب عما سواه". وقد مضى معنا في درس أمس ما يتعلق بهذا العنوان، وما المراد منه، وأشرنا إلى بعض النماذج من حال بعض الناس، وهكذا الفرق والجماعات في أنها إن لم تصرح بلسان مقالها، فإن ذلك واقع منها بلسان حالها، أنها لم تكتفي بالقرآن وبالشرع المنزل حتى أنها أتت بمصادر غيره، بمصادر غير القرآن. ثم سدل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب بهذه الآية التي سمعتموها: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وهذه الآية هي بمعنى آية أخرى، وهي قول سبحانه وتعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، إلا أن ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أصرح وأوضح؛ لأن هذه الآية ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقع فيها خلاف بين السلف رحمه الله تعالى في المقصود بالكتاب هنا. قيل: إنه القرآن، وقيل: إنه اللوح المحفوظ، فوقع الخلاف في تفسير هذه الآية. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه الآية، والتي عليها كلام المفسرين قاطبة بأن المقصود بقوله سبحانه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي أنه القرآن، والإشارة في هذا واضحة. والكلام، إخواني في الله، على هذه الآية يكون من عدة أوجه، أو قل: الخطاب في هذه الآية سيكون من ثلاثة أوجه. الوجه الأول، إخواني في الله، وهو الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراد هذه الآية، أن يبين أن القرآن هو الكفاية، وهو الغنية، وأن البشرية جمعًا إن تمسكت بكتاب الله جل وعلا، فإنها ستحصل من ورائه على السعادة التي لا يجدها أحد إلا في ظل القرآن. ولنا عبر، إخواني في الله، بأحوال الأمم، أو قل: بأحوال العرب في الجاهلية، كيف كانوا قبل نزول القرآن عليهم؟ كانوا لا يخفى على أحد منهم تلكم الحياة، عاشوا في ظلال، في انحراف، في انحلال، كان يحكمهم قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف، والغني يستولي على الفقير، الكلمة العليا لأهل النفوذ. وكانوا يأكلون كل شيء، ما هناك دين يردعهم، ولا شريعة تحكمهم، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الشريعة، بشريعة القرآن، فهذَّبهم وصفَّاهم ونقَّاهم ورقَّى بهم. كانوا بالأمس رعاة غنم، فإذا بهم خلال سنوات قلال أصبحوا قادة أمم، كل ذلك بفضل ما أنزله الله جل وعلا من شريعته في هذا القرآن والكتاب المنزَّل. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. فكل من تمسَّك بهذا القرآن، فله البشارة. جاء الإسلام وهذَّب الناس، وهكذا يهذِّب القرآن كل من تمسَّك به، سواء ما يكون في علاقتك مع ربك، في تعبُدك، في تبتُّلك، في تضرُّعك، وهكذا ما يكون في تعامُلك مع الناس. نظَّم القرآن حياة العبد فيما يتعبَّد، مع الوالدين، مع الأقارب، مع الأرحام، مع الأزواج، مع الأهل، مع الجيران، وهكذا، بل حتى مع الحيوان، كيف تكون مع الحيوان في الرفق واللين معه. وهكذا نظَّم سائر أنماط الحياة، في نومك، ومأكلك، ومشربك، ومدخلك، ومخرجك، بل حتى عند مماتك. بل حتى كما قال ذاك اليهودي: "أعلم نبيكم كل شيء حتى الخراءة"، حتى آداب دورات المياه، قد جاءت الشريعة السمحاء بتعليمها، وهذا قد وجد في القرآن الكريم. ولهذا، إخواني في الله، فكان هذا القرآن كما قال ربنا جل وعلا: "تبيانًا لكل شيء"، ما يحتاج إلى أن يُضاف معه مصادر أخرى تزاحمه، كما يفعل بعض الناس. مثاله في الحدود الشرعية، وما أنزله الله جل وعلا من أنظمة وأحكام تُطبَّق على من خرج عن الحدود الشرعية، من الرجم والجلد والقتل. فجاء من جاء، سواء كان من الغرب أو من كان قد أعجب وهو من ينعق ببوق الغرب، فرأى أن ما عند الغرب من هذه الأنظمة والقوانين أفضل، فماذا كان؟ انظر، يا عبد الله، لمن خرج عن هدي القرآن في هذا الباب خاصة. انظر للغرب الذين هم يتبجحون بين الفينة والأخرى بأن ما عندهم من القوانين ومحاربة الجريمة أفضل مما في القرآن، فماذا رأينا؟ رأينا معدلات الجريمة في كتبهم، في مجلاتهم، على أن في كل خمس دقائق تقع جريمة، إما جريمة قتل أو جريمة سرقة أو جريمة اعتداء. هذا مآل ما يدعيه أهل البشرية وأهل العقول الكاملة، كما يدعون أن هديهم أفضل من هدي القرآن. ما هناك هدي لعبد الله إلا ما أنزله ربنا جل وعلا. فهذه الآية، إخواني في الله، تبيانًا لكل شيء، فيه أن القرآن قد هو المصدر للبشرية جمعًا. الوجه الثاني في خطابنا، والفائدة التي تستفاد من هذه الآية، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، تبيان مأخوذ من البيان، وهو الإظهار والإيضاح. فكل ما في القرآن واضح جليل. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، كل من ألفاظ العموم. فالقرآن وضح كل شيء، لكن بقيت هذه الجملة تحتاجها، يا عبد الله، إلى فهم؛ لأن من الناس من لم يفهم هذه الآية حق فهمها. فما معنى أن القرآن جاء تبيانًا وإيضاحًا لكل شيء؟ من رجع إلى أقوال المفسرين يعرف المراد. فمن أهل العلم من السلف من ذهب إلى أن الآية إنما يقصد بها في باب الحلال والحرام، كما أثر هذا عن مجاهد وعن غيره. أي أن ما من حلال أحله الله للناس إلا وقد جاء موضحًا مبينًا في كتاب الله، وأن ما من حرام حرم على الخلق وعلى المسلمين خاصة إلا جاءت الدلائل موضحة ومبينة لحرمة هذا المحرم، بيانًا واضحًا، بيانًا لا لبس فيه ولا غموض. هذا قول، وذهب جماعة من أهل العلم، كما رجح ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي أن القرآن جاء بيانًا وتوضيحًا لكل ما ينفع العباد في أمور دينهم. وهذا القول أولى؛ لأنه أعم. فكل ما ينتفع منه العباد في أمور دينهم إلا وجاء القرآن موضحًا لهم، تعرف ما يتعلق بالعقائد والمعاملات والعبادات، وفي الأخلاق، وفي الآداب، إلى سائر أمور الدين، كل شيء قد وضحه ربنا جل وعلا في كتابه. إذن، هذا المراد، إخواني في الله، هو أن القرآن جاء بيانًا واضحًا لكل ما ينفع العباد في أمور دينهم. ما يتعلق في أمور دنياهم، هل القرآن يتعلق به؟ هل القرآن، إخواني في الله، جاء لكي يبين للناس ما يتعلق بباقي العلوم الدنيوية، كعلم الجبر والحساب والهندسة والفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا؟ هل جاء القرآن لهذا الصدد؟ هذا الجواب: لا، القرآن ما جاء لهذا الصدد. ولهذا يقول ربنا جل وعلا، مبينًا حقيقة القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، فهو كتاب هداية، ليس كتاب علوم، ليس كتاب مطالعة، كتاب هداية. أم أنزل ربنا جل وعلا في هذا القرآن من الهدايات التي به يهتد البشر إلى معرفة حق ربهم، وكيف الوصول إلى الله، إلى الدار الآخرة، في أنك تمتنع عن الضلال، عن الشقاوة، تمتنع عن الابتداع، عن الإحداث، تمتنع عن الشرك والكفر، أو عما يغضب الرب جل وعلا، وأن يهديك إلى صراط مستقيم؟ هذا القرآن جاء لأجل هذا الغرض، جاء لهذا الغرض. وهذا من المشكلة، إخواني في الله، أن تجد بعض الناس من يرفع بهذه الآية في غير محلها. فلربما يأتي يقول: إن القرآن جاء لبيان علم النفس أو علم الجبر أو علم الهندسة ونحو ذلك من العلوم. بل حتى بعضهم أدخل العلوم المخترمة، علم المنطق، مأخذًا من القرآن. كيف هذا؟ القرآن يدعي لعلم المنطق، بل يحاربه. كيف يدعو من حيث القوانين وقواعد الجدل والمجادلة والمناظرة؟ هذا لا يمكن، إخواني في الله، التوسع في هذا الباب تحت هذه الراية لا. ولهذا كان ينبغي أولًا لمن يدعي مثل هذه الدعوى أن ينظر لقوال العلماء حتى لا يخرج عن تفسير السلف وعن هديهم في فهم كتاب الله جل وعلا. ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي فيما ينفع به العباد في أمور دينهم. أما في أمور دنياهم، نعم، القرآن قد أشار إشارات، لكن ترجع هذه مرجعًا وعلمًا. وهذا يجرنا، إخواني في الله، إلى مسألة مهمة جدًا تحتك بهذا المحك، ألا وهو ما يسمى بالإعجاز العلمي تحت راية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. فأصبح منك تحت راية "كل شيء" أن هذه الاختراعات العلمية المعاصرة، يا أيها الغرب، يا من تفتخرون بها علينا، هذا قد وجد في كتاب الله. ما هذا التهوك؟ تجعل كتاب الله عرضة للشك والريب. تأتي بنظريات موجودة، لا زال أصحابها يناقشون فيها، هل هي ثبتت تجارب علمية من التجارب البشرية؟ ثم تقوم وتقحم كتاب الله في هذه العلوم، تقول: إن هذا قد أثبته الآية الفلانية. إن جئنا إلى ذكر الجاذبية الأرضية، قالوا: موجودة في القرآن. وقد سمعت بهذا. الجاذبية الأرضية موجودة في القرآن. موجود أن هناك مخلوقات في كواكب أخرى، في كوكب المريخ. والله سمعت بأذني يقول بعض العلماء من يدعي للإعجاز العلمي: ما نستبعد، وأن هذا قد وجد في القرآن. ويأتي بآية بعيدة كل البعد على أن القرآن قد دل وأثبت أن هناك حياة لبعض المخلوقات في الكواكب الأخرى. عش التهوك هذا. وآخر مغربي يؤلف كتابًا: "الاختراعات العلمية"، وأثبت أن السيارة، وأن الطائرة، وأن المكيفات، وأن الباب الإلكتروني، وأن الأسانسير، هذا كله في القرآن. وأن طائرة الهليوكوبتر وطائرة النفاثة موجودة في القرآن. وطائرة النفاثة موجودة، قل: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، ومن شر النفاثات في العقد. مراد من هذا، إخواني في الله؟ هذا كله تحت "تبيانًا لكل شيء". ما يصح هذا التوسع في هذا الباب. فنفهم هذا الوجه الثاني الذي ينبغي أن تفهم به هذه الآية: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي فيما جاء نفعه للناس في أمور دينهم. فالقرآن إنما نزل لهداية البشرية، لأن يتعرفوا على ربهم سبحانه وتعالى. إذن، هذا محل إنزال الآية في هذا المحل. الأمر الثالث، إخواني في الله، والوجه الثالث في حديثنا عن هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. الكتاب هو القرآن، هل معنى أن القرآن فقط هو الذي يستدل به؟ لا نأخذ من شرع آخر أو مصدر آخر أو أمر آخر؟ لا. وهذا الذي يتبجح به جماعة من الضلال قديمًا ظهروا من الزنادقة، وحديثًا ظهروا باسم "القرآنيين". القرآنيون فرقة بين الفرق، خرجت علينا في هذا الزمن المعاصر، ولها جذور، وقد تكلم عليها العلماء، كالسيوطي رحمه الله تعالى في زمنه، وفي زمن الشافعي أيضًا. فرقة دعواها أنهم يقولون: "لا نأخذ إلا من القرآن فقط". ومما استدل به هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: "فالقرآن هو المبين لكل شيء، ما هناك شيء آخر". السنة ما نعترف بها. يقولون بهذا. السنة ما نعترف بها. وهذا عين الضلال. لأنِ يا عبد الله، يا من تقول: "بأنك قرآني"، ما هي دعوك؟ دعوك أن تأخذ بما في كتاب الله. إذن، خذ بما في كتاب الله. وما في كتاب الله، في كتاب الله الأمر بأخذ السنة. كيف تعارض الكتاب بعد هذا؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾؟ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. توعدك ربك جل وعلا بوجوب الأخذ بالسنة، والتحذير من ترك السنة. كيف بعد هذا تقول: "القرآن نأخذه وحده"؟ هذا ليس من الفهم الصحيح. ولهذا، في البخاري، أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذكر عنده مسألة النامصة والمتنمصة، وما يفعل في زمنه، قال: "ألا ألعن من لعن الله؟ فإن الله لعن النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات المغيرات لخلق الله". قال ابن الحسن إلى آخر الحديث في البخاري. فإذا بأمرأة سمعت أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ينسب هذه الأقوال لله: "ألا ألعن من لعن الله". فقالت: "ابن مسعود، أنا قد قرأت القرآن بين دفتيه كله، من الدفة إلى دفته، من وإلى، ما وجدت هذا اللعن". قالوا: "أنك قرأت كتاب الله؟ لوجدته". أما قرأت قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ انظر هذا الفهم الصحيح لكتاب الله جل وعلا. أنك، يا عبد الله، تأخذ مما أمرك القرآن أن تأخذ به. هذا هو التمسك الصحيح. لأنك تقول: "تبيانًا لكل شيء"، فتمسك القرآن، وترمي السنة عرض الحائط. ثم بعد هذا، هؤلاء يخرجون علينا بدين محدث. وما أدري كيف يتعبد أهل القرآن الذين يستمسكون بالقرآن دون السنة؟ ما ندري كيف يتعبدون الله جل وعلا؟ ما يستطيعون. إذا قيل لأحدهم: "الفجر كم ركعة؟" ركعتين. والظهر والعصر والعشاء أربع. والمغرب ثلاث. أين هذا في القرآن؟ كيف تصلي؟ "قم فصل". يا قرآني، سيكبر. أين التكبير في القرآن؟ الفاتحة. أين الفاتحة في القرآن؟ الركوع. "سمع الله لمن حمد". أين هذا في القرآن؟ ما يستطيع. الزكاة، يعني عموم أصل الزكاة، لكن ما يدري بالأنصبة، الزروع والمواشي والذهب والفضة والأنصبة. أين هذا في القرآن؟ القرآن إنما أعطاك الأصول، ثم أمرك بأن تأخذ مما أتى به نبيك عليه الصلاة والسلام. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ولهذا، إخواني في الله، ينبغي أن تفهم هذه الآية حق فهمها: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. القرآن قد بين كل شيء. إذن، أدخل في القرآن، واعلم ما هو البيان الذي أراده منك القرآن. أراد منك القرآن أن تستمسك بماذا؟ بما جاء به نبيك عليه الصلاة والسلام. فهذه الأوجه الثلاثة، إخواني في الله، مما يناسب ذكرها في هذا المقام، تحت هذه الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.