شرح رسالة فضل الإسلام 30

شرح رسالة فضل الإسلام 30

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب الاكتفاء بالكتاب والسنة

يشرح المؤلف أهمية الاكتفاء بالقرآن والسنة في الدين ويحذر من اتباع أقوال الآخرين على حساب الشريعة. يجب على كل مسلم الالتزام بشرع الله.

نماذج من الضلال بسبب عدم الاكتفاء بالشرع

يتناول المقطع نماذج من الناس الذين لم يكتفوا بشرع الله مثل تقديس العقول والاجتهادات الكاذبة. هذه الأمور مزاحمة لشرع الله وتقديم لأهواء الناس عليه.

تحذير من الابتداع في الدين

يحذر المقطع من ابتداع العبادات والتحريمات دون دليل شرعي ويبين خطورة ذلك. يجب الاكتفاء بشرع الله وسنة رسوله لتجنب النار.

ختام الدرس والدعاء

ينتهي المقطع بدعاء الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه ويصلي على النبي محمد. يُظهر تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه. هذا تضييق للمؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب مما له تعلق بفضل الإسلام، فقال رحمه الله تعالى: باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب. والمقصود بالكتاب هنا القرآن، القرآن الكريم. يوجد في بعض النسخ أن المؤلف ذكر فيها باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب ومتابعة رسوله عن كل ما سواه، لكن هذا الذي بين أيدينا هو المشهور عن المؤلف رحمه الله تعالى أنه اقتصر في تضييبه على متابعة الكتاب، أي متابعة القرآن. وسيدلل من أدلته أن السنة كذلك مما تدخل في حكم الكتاب. وقول رحمه الله تعالى: باب وجوب، هنا ذكر لنا حكم المسألة، وأن هذه المسألة التي بين أيدينا حكمها الوجوب، ينبغي أن نلتزم بها، فلا يملك أحد منا الخيار أو أن يملك أحد منا الاجتهاد في هذه المسألة، يخرج أو لا يخرج، لا، ليس أحد منا بالخيار، بل الكل منا يلتزم بهذا الحكم لأن الحكم صدر بالوجوب. قال: باب وجوب الاستغناء، الاستغناء بمعنى الاكتفاء، بمعنى ينبغي ويجب على كل واحد منا أن يكتفي بما جاء في كتاب الله، إذ أن في كتاب الله الكفاية وفيه الغنية، وأيضًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفاية وفيها أيضًا الغنية، فلا مزيد عليهما. إخواني في الله، مع وضوح هذه الدلالة التي مفادها على ما سمعتم أن المسلم والمسلمة لا يجوز لهم بحال أن يخرجوا عن شرع الله الذي أنزله علينا، وهو ما كان في كتابه وما كان في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأنه ينبغي على كل واحد منا أن يكتفي بهما، فيهما الغنية وفيهما الكفاية. لكن نجد أن حال الناس -وأنا أتحدث عن كل البشر من أمم وفرق وجماعات وأديان وملل ونحل- أنها عندما ضلت عن سواء السبيل كان من أعظم ما أدى إلى خروجها ومروقها عن الجادة هو هذه المسألة، أنهم وجدوا أنه لا يمكنهم الاكتفاء بالشرع المنزل، لا، ما نكتفي، بل لا بد أن نجعل مصدرًا آخر، مصدرًا آخر يكون في مستوى الشرع المنزل. وإليك يا عبد الله بعض النماذج، طائفة من الناس مثلًا يرون أنه لا بد من الأخذ بأقوال الأكابر من الرؤساء والعظماء، لا بد أن نأخذ بأقوالهم، وأنهم هم ولو كان عندهم شرع منزل، لكن ليس فيه الغنية وليس فيه الكفاية إلا إذا أن نأخذ بأقوال الكبراء من علماء وأحبار ورهباء. وكانت هذه الدسيسة التي أوقعت أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الذي أوقعهم فيه من الشرك والكفر، قال سبحانه: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾. كيف كان هذا الاتخاذ؟ بأنهم جعلوهم هم الأمر أمرهم والقول قولهم والنهي نهيهم، بغض النظر عما جاء في شريعتهم. هذه الدسيسة هل اكتفى الأمر عند الكفر أولئك؟ لا، حتى دخل على أمتنا، مثال الرافضة جعلوا من أئمتهم الاثني عشر منزلة عظيمة عظيمة، حتى قال قائلهم: إن لأئمتنا منزلة لا يصلها ملك مقرب ولا نبي مرسل. ولهذا تجد أنهم يأخذون من أقوال أئمتهم كأنهم يأخذون من الوحي المنزل، ما يذكر في «الكافي» وغيرهم، ولا يزالون يدندنون: قال الإمام، قال الإمام، فالقول قوله. ما أخذوا بالشريعة، يرون أن الشريعة ناقصة، الكمال والتمام في أقوال أئمتهم. وهكذا جماعات من المتصوفة كانوا ولا زالوا يعلمون الطلاب أو ما يسمونهم بالمريدين، يعلمون الصغار -وهم الأتباع- على تقديس الكبار والمشايخ، حتى يقولون من بنود تعليمهم للصغار: قال: كن عند معلمك كالميت عند مغسله، الميت عند المغسل كيف يكون؟ هل يحرك ساكنًا؟ لا، لا يحرك شيئًا، ميت. وهكذا كن عند شيخك، لا تتكلم، لا تناقش، خذ منه كما تأخذ من الوحي، حتى من عباراتهم الشهيرة في هذا المقام: أن من قال لشيخه: لم؟ لم يفلح، نزع الفلاح، لم؟ لأنه اعترض على الشرع؟ لا، اعترض على شيخه. من قال لشيخه: لم؟ يعني يستفسر، لا تقول: خذ منه كما تأخذ من القرآن والسنة، هذا عين الضلال. وهكذا جرت هذه المسألة المقيتة حتى دبت عند بعض الفقهاء، وأقول: عند متعصبة الفقهاء، حتى أن الواحد منهم لو ربما تأتيه النصوص من الشريعة من الكتاب والسنة فلا يعبأ بها حتى يسمع كلام إمامه صاحب المذهب، يستميت عليه، يقاتل من أجله، حتى قال بعض هؤلاء: كل آية أو حديث تخالف مذهبنا فهي إما مؤولة أو منسوخة، يزاح، يطاح بأدلة الشريعة، كل آية أو حديث يخالف مذهبنا -ما هم عليه يخالف من عليه صاحب المذهب- فهي إما مؤولة أو منسوخة، لا يبقى شيء أمام صاحب المذهب، فهذا من التعصب، وهذا من التقديس الذي هؤلاء ما اكتفوا بما جاء في شرعنا حتى أتوا بمصادر أخرى. وهكذا قل يا عبد الله: فيما اكتفيت به بعض الجماعات المعاصرة من الجماعات والفرق، من أعظم ضلالاتهم هذه المسألة، أنهم من قادة للشرع، نعم، الشرع نسمع فيما يلوكون به الألسن: الشرع، الشرع، الشرع، القرآن دستورنا، لكن في الواقع لا، إذا جاءت الشريعة في واد وجاء كلام أميرهم كبيرهم في واد، فالقول قول الأمير، وهم يسطرون هذا عندهم، ويعلمون أتباعهم بأن السمع والطاعة لولاة الأمور، لا بل لأمرائهم أمير الجماعة، فإن قال الأمير مثلًا: أرسل رسالة نصية أو قال: يا فلان أقتل فلانًا، لا تتردد، أقتل، سمعًا وطاعة. الشرع له حد، لكن هذا فوق الشرع، فوق الشرع، لا تجادل. ومما يذكر في هذا الباب ما جاء في الصحيح في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سرية وجعل عليهم أميرًا، وانتبه أيها الأمير: اتخذ أميرًا وأمر من كان معه بالسمع والطاعة له، فلما خرجوا معه أغضبوه، أغضبوه، فعلوا فعلًا أغضب الأمير، فماذا أمر؟ أمر بأن يحتطب الحطب، فجمع الحطب وأن تشعل به النيران، ثم أمرهم بأن يدخلوا فيه، متعذرًا بهذا الحجة، قال: ألم يقل: يأمركم رسول الله بالسمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قالوا: فادخلوا النار. وكان في شدة غضبه، فنظر بعضهم إلى بعض: ندخل النار ونحن ما دخلنا للإسلام إلا فرارًا من النار، فلا زالوا به حتى هدأ غضبه، فأمر بإطفاء النيران، فلما راجعوا إلى رسول الله وأخبروا الخبر، قال: «أما والله إن دخلوا فيها ما خرجوا منها، إن دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف». وأين المعروف؟ ما جاء في شرعنا، فالطاعة إنما تعاد إلى هذا الأصل، ترجع إلى الشريعة إلى الكتاب والسنة، إنما الطاعة في المعروف. هذا إخواني في الله نماذج عن أناس ما استغنوا عما في كتاب الله وفي سنة رسول الله حتى استأنسوا بتقديس المشايخ والكبراء والعظماء. طائفة أخرى من الناس وهم من لم يكتفي بشرع المنزل حتى أتى بمصدر آخر، ألا وهو العقل، تقديس العقول، هذه ظاهرة كانت عند الفلاسفة الأوائل، تقديس العقول، وأن العقل الصحيح هو الذي ينبغي أن تحال إليه الأمور، واخترع ما يسمى بالمنطق، وهو الفكر السليم الذي كل الأمور توزن على المنطق، فإن استقر فهو المقبول عندهم، حتى ظهرت هذه الدسيسة بين يدي المسلمين، فكان منهم من يعظم العقول كالمعتزلة، وما كان من أتباعهم وأفراخهم في هذا الزمن المعاصر من العقلانيين، أن عظموا العقل حتى جعلوا أن العقل مقدم على الشرع، وأن الدلالات العقلية مقدمة على الدلالات الشرعية، وأن الأمر إنما يوزن بالعقل، لا يوزن بالشرع، ضع الأمر أولًا في العقل، فإن أقر به العقل فاقبله، وإن العقل إن رده فاردده، ولو أن الشرع خالفه، يقولون: لا، الشرع منزله دون ذلك. هذا موجود، ولا زالت هذه الظاهرة تنتشر بين كثير من الناس، يقول: يا أخي العقل ما يستوعب هذا، العقل يا أخي ما يقبل هذا، ما هو عقل؟ عقل من؟ أين الشرع؟ أين الكتاب؟ أين السنة؟ وأصبحت هذه الظاهرة تغير في بعض الأوقات تسلب اسم العقل، ويؤتى مثلًا باسم الواقع: الواقع يا أخي، ليش ما تبقي الواقع؟ ما يتأتى هذا؟ يا إخوانا الشرع، الحدود الشرعية: قص يد السارق، والجلد، والرجم، يا إخوانا الواقع ما في هذا الأشياء، جلد هذا قديم، الواقع الآن الثاني الآن عندنا سجون، عندنا زنزانات، عندنا حابس، عندنا غرامة، هذا الذي ينفع، هذا زمننا، ما هو الواقع؟ هذا هو هو هو كل إزاحة لشرع الله عز وجل. وأيضًا كذلك أعظم من هذا أنه ظهر لنا مثل هذا لكن بوجه آخر، ما يسمى بالاجتهادات، اجتهادات، تجد بعض الناس يجتهد في دين الله وهو ليس أهل الاجتهاد، وليس لأهل العلم، لكنه يدور على هذا المحك على تقديس العقل، على تقديس العصر والواقع، لكن يخرج باسم الاجتهاد، يجتهد، فإذا بهذه الاجتهادات الفاذة الشاذة أن وجدنا من الناس من جوز لنا الردة، ومنهم من جوز لنا الزنا، ومنهم من جوز لنا أكل الربا، ولا زالت الاجتهادات تطلع علينا بين الفينة والأخرى تحت هذه المظلة، وكل ذلك مزاحمة لشرع الله، شرع الله واضح، الكتاب والسنة لا زالت بين أيدينا، وهم المعصم وهم الهداية، لكن هؤلاء أبوا أخذ ما فيه واستغنوا عما في غيرها بالعقل والواقع وما يسمى بالاجتهادات الكاذبة والتي هي لا تمت لديننا بصلة. ثالثًا كذلك من النماذج مما نرى من بعض الناس مما لم يكتفوا بشرع المنزل، كما قلنا الأصل وجوبًا أن المسلم يكتفي بما في الكتاب والسنة، نجد طائفة ثالثة خرجت عن هذا الباب تحت ما يسمى بالاستحسانات، وهي بين قوسين بالبدع والمحدثات، وجدوا أن الشرع موجود نعم، لكن في أنفسهم وفي قلوبهم وأهوائهم شيء زائد يريدون أن يقدموا على شرع الله، فكان منهم الابتداع. وهذا قد وجد في الأمم السابقة كما قال سبحانه: ﴿ورَهبانِيَةً ابْتَدَعُوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ كما فعل أصحاب الصوامع والعباد والقسيسين حينما ألزموا أنفسهم بعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم قاربوها فما رعوها حق رعايتها. الآن القسيسين معروف عند النصارى ومن كان في الكنائس لا يتزوج أبدًا، ما تسمعون: البابا فلان، والبابا فلان، هذا ما يتزوج، يحرم عليه الزواج، من أين جاء هذا؟ رهبانية ابتدعوها، هل قاموا بها؟ لا. يحدث يا عبد الله عن حالات الزنا وما كان خلف الكواليس من الفضائح التي خرجت وتسربت من الكنائس العالمية، رهبانية ابتدعوها ومع ذلك ما قاموا بها وما رعوها حق رعايتها. ولهذا يقول ربنا جل وعلا في شأن هؤلاء: ﴿وُجِهاتُ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عَامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلَى نارًا حامِيَةً﴾ هي عاملة؟ هذا في حق من؟ هؤلاء في حق من؟ أمثال هؤلاء العباد من أهل الكتاب، من يلتزم بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، يعمل وينشط على حساب دينه، على حساب شريعته، موسى أتى بشريعة في التوراة، عيسى أتى بشريعة في الإنجيل، فيها العبادة، فيها الطاعة، تركوها، ما وجدوها كافية، فأتوا بهذه الاستحسانات من البدع والرهبانية، فكان أمرهم كما قال سبحانه: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تعمل، تنشط بهذا الأمر، لكن مآلها إلى النار، ﴿تَصْلَى نارًا حامِيَةً﴾. وهكذا قس ما وقع في أمتنا، في أمتنا، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من هذا التبويب أن يبين أن المسلم يكتفي بشرع الذي أنزله الله، فما زاد عن ذلك فأنت في غنى. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن حال المبتدعة كيف يكون أمرهم عند تمسكهم بالبدع، كما روى ذلك أبو داود رحمه الله تعالى في سننه من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «سيخرج أقوام من أمتي تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه». أخبر نبي عن حال أمته، جماعة من أمته يخرجون تتجارى بهم الأهواء، هوى والابتداع والاستحسانات، كيف حالهم؟ تتجارى، أي: يجري فيهم، يجري، تسابق عظيم، تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب، الكلب: هو مرض يصاب به الإنسان عن طريق عضة الكلب، لا يترك فيه مفصلًا إلا ودخله، كما في تمام الحديث. فالمبتدع إخواني في الله إذا ابتلي بالبدعة يجد أن البدعة هي الأصل، هذا كالذي نرى، وذكرنا في درس أمس: نبدأ عن ذلك، تجد أن بعض البدع لو ربما تزاحم شرع الله، بل قال بعض السلف الصالح: «ما أقيمت بدعة إلا على أنقاض سنة»، على أنقاض سنة تظهر بدعة، اعلم أن سنة قد ذهبت وضمحلت، يظهر دين البدعة على حساب أن الإسلام ما يكتفى به. فإخواني في الله فالحذر من هذه المداخل، والإنسان يكتفي بشرع الله الذي أنزله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي»، كتاب الله وسنتي. قال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ماذا الفوز؟ تريد الفوز؟ تريد الفلاح؟ تريد النجاح؟ تمسك يا عبد الله بما جاء في كتاب الله وفي السنة، فيهما الكفاية وفيهما الغنية. وإلا من كان مبتدعًا فليخشى على نفسه أنه يصل به الحال إلى أنه لربما تستميله البدع أكثر، ويعطيها من وقته وعمره وجهده وعمله أكثر مما يعطيه لكتاب الله ولسنة رسوله، والواقع خير شاهد. ذكر علماء التاريخ كالذهبي وغيره عن رجل مبتدع قدري، عمر بن عبيد، روي له حديث، وهذا الحديث يخالف بدعته، الذي جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا»، ثم ذكر في تمام الحديث: «فيأتي الملك ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». هذا الحديث يخالف عقيدة القدرية، ينسفها نسفًا، يمحقها محقًا، هذا نص شرعي كان ينبغي لهذا المبتدع أن ينحني تعظيمًا لشرع الله جل وعلا، ويمسك بما جاء ويكتفي بهذا. لكن انظر إلى البدعة إذا تملكت صاحبها، كما قال: ﴿تَتَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ﴾، تأخذه من كله، فقال هذا المبتدع عمرو بن عبيد: هذا الحديث لو سمعته أنا بنفسي عن الأعمش -وهو الراوي لهذا الحديث- لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب -هو الراوي لهذا الحديث- لما صدقته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود -وهو راوي الحديث- لما رددته، ولو سمعته من رسول الله لما قابلته، ولو سمعته من الله -يقول هذا- لقلت: يا رب ما على هذا أخذت الميثاق علينا. قال العلماء: وهذا كفر صراح، لكن كيف بلغ الجرأة بهذا؟ فمالكته البدعة، يراها هي الدين، هي الأصل، وأن شرع الله خرق. ولهذا إخواني في الله كان ينبغي العناية بهذا الباب، وما سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة الدالة على أن المسلم والمسلمة ينبغي جميعًا أن نكتفي ونستغني بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أسأل مولاي جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.