الدرس في آداب الطعام والشراب 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن آداب الطعام عند الأكل مع الناس، مثل تجنب الكلام المثير للاشمئزاز والابتعاد عن التصرفات غير اللائقة، ويشمل أيضاً آداب الأكل على الأرض أو الطاولات.
يناقش هذا الفصل آداب تناول الطعام الحار، ويحذر من تناوله وهو حار، ويشير إلى الأحاديث النبوية التي تنهى عن النفخ في الطعام.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، ولا زال حديثنا إخواني في الله عن آداب الطعام، وحاصة إذا اجتمع عليه الناس. وأشهدنا في درس أمس، إخواني في الله، من المسائل والآداب التي ينبغي أن يعتني بها الآكل إذا أكل بحضرة الجماعة، أن يبتعد عن كل ما فيه استقدار للغير، سواء كان من أقوال أو من أفعال. احرص على أنك لا تجعل غيرك يتقذر منك، إما من خلال أقوالك وعباراتك، وإما من خلال تصرفاتك وأفعالك. فمثال الأقوال، إخواني في الله، كأن يتكلم أحد من الناس عن النجاسات في أثناء الأكل، هذا لا يليق. فإن النفوس تنفر عن هذا الكلام، أو أحد من الناس يذكر أشياء مروعة، حوادث ودماء وأشلاء وتمزق في الأعضاء، هذا ما يتأتى في تناول الناس للطعام، فإن الناس يتقذرون. فاحرص يا عبد الله في أكلك أن تختار العبارات، وكما قلنا إنما الكلام يكون بالمعروف، ولا يكون فيه تنفير، ولا يكون فيه إبعاد الناس عن أكلهم، أو ما يسمى في زمن المعاصر «سد النفس»، فلا تسد أنفسهم بمواضيعك التي تتكلم فيها. هذا في الأقوال، وهكذا قس على الأفعال. فلا يكون في فعلك وتصرفاتك ما فيه استهجان للحاضرين، مثل التنخم أو إخراج البلغم عند الناس في أثناء أكلهم، وغير ذلك منها، أو التمخط. فالناس يتقذرون من هذه التصرفات أثناء أكلهم للطعام. فاحرص على أنك تبتعد عن هذه الأشياء عند أكلك. ومما يذكر في هذا الباب مسألة الجشاء، فبعض الناس، إخواني في الله، تجده قد رأينا من بعضهم أنه لربما في أثناء أكله إذا تشجأ أمام الملأ، بفتح فمه، أسمع الناس صوته المزعج. هذا فبعضهم يتقذر. بل جاء من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من تجشأ أن لا يتجشأ، أو أنه يكف عن هذه العملية. من ذلك ما جاء في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى رجلا تجشأ عند الطعام، قال: «أقصر من جشائك، أقصر من جشائك، فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا هم أكثرهم جوعا في الآخرة». والحديث يحسن الشيخ الألباني رحمه الله. وجاء كذلك بلفظ من حديث ابن عمر، جاء بلفظ قال عليه الصلاة والسلام: «كف عنا جشائك». وهذا في حق الذي تجشأ عنده عليه الصلاة والسلام. وهذا حديث رواه ابن ماجة في سننه، ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. فهذه من الأساليب ومن التصرفات غير اللائقة. فإن كنت ولابد يا عبد الله، حاول كما يقال به، أقصر، تبعد الجشاء، تكتم على نفسك. أما أنك تتعمد بهذه العملية أمام الملأ، فهذا لا يليق بآداب الطعام. ومن ذلك نفض الأيدي، بعض الناس إذا قام نفض اليد، وأثبتنا وذكرنا أن السنة في هذا الباب أن الشخص إذا انتهى من طعامه، يستحب أن يلعق أصابعه حتى لا يبقي شيئا. لكن بعض الناس لا يلعق، بل زاد على ذلك أنه ينفض يده. فهذا لا يجوز، لأن مما قد يلصق بيدك يخرج إلى جهة الآخرين. فقد يقول بعض الناس، كما بين ذلك العلماء، أن حجة بعض الناس في هذا الباب يقول: «أنا أنفض في جهتي». يقول: «ولو، ولو لأن هذا النفض أنت لا تتمالك له». فلربما تنافر من يدك إلى جهة غيرك وأنت لا تشعر. ولهذا كره العلماء نفض الأيدي في أثناء ماذا؟ في أثناء طعامك أو بعد فراغك من الطعام. وكذلك مسألة السعال والعطاس، طبعاً هذه أشياء غير مقدور عليها. من جاءه السعال، وهي الكحة، أو جاءه العطاس، فهو لا يستطيع أنه ماذا يتمالك نفسه. فهو لا بد من هذه العملية فيتغلب عليها. لكن قال علماء: أنه يغير وجهه، يبعد وجهه عن الطعام، فلا يعطس فوق الطعام عند الناس، هذا أمر مستهجن، هذا واضح. أو أنك تكح فوق الناس وفوق الطعام، هذا كذلك مستقبح. ولهذا يقول علماء في الآداب المتعلقة بهذا الباب: أنك تبعد وجهك وتصرفه عن جهة الطعام إلى يمنة أو يسرة. هذا نعم. يذكر العلماء في باب السعال، الكحة، لا إشكال أنك تبعد وجهك. لكن الإشكال في مسألة العطاس، من عطس هل يلتفت يمنة أو يسرة؟ بعض العلماء من الفقهاء، استنادا لأقوال بعض الأطباء، يرون أن الالتفات عند العطاس مؤثر خطيرا. وجه الخطورة والخطورة في هذا الباب يقول: أن العطاس يهتز به الجسم اهتزازا عظيما، فأنت عند عطاسك إذا اهتز الجسد فالتفت، فلربما أعصاب الرقبة تتأثر من هذه الهزة مع فرط ثم هز، لو ربما تشنجت. يقولون هكذا. فيقول بعض الفقهاء استنادا على كلام بعض الأطباء: على أن الالتفات عند العطاس خطير. قال بعض الفقهاء: «يغطي وجهه، لا يلتفت، إنما ولو أنت فوق الطعام، لكن تأتي بشماغ، بغطرة، بعمامة، أو بطرف الثوب، ثم تغطي وجهك». هذا جمعت بين أمرين: أنك لم تعطس فوق الأكل، ولو فوق الناس، ولا أنك التفت، وإنما تغطي وجهك. وهذا ذكره شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى في بعض الشروحات. طبعاً استنادا لأقوال بعض الأطباء. والأمر في ذلك واسع. لكن أما أنك تلقي بعطاسك بكامله بما يخرج من فمك وأنفك فوق الطعام، هذا مستقبح. فلا عطاس ولا سعال فوق الطعام، إخواني في الله. وإنما إما أن تلتفت، وإما أن تغطي وجهك. فهذه مسائل، إخواني في الله، مما ينبه عليها العلماء. وإن لم يكن هناك أدلة خاصة بها، لكن يقول العلماء: هذه متعلقة في باب الآداب. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». فهذه من المروءة. وهكذا قس حتى في طريقة الأكل. حتى في طريقة الأكل، كما قلنا القاعدة في هذا الباب: كل ما يدعو إلى الاستهجان اتركه، اتركه، احرص على هذا. هذه تربية صحيحة. بعض الناس، إخواني في الله، ربما في بيته يفعل ما يشاء. أنت إذا كنت في بيتك، لكن هل كل ما يفعل في الانفراد يفعل في باب الجمع؟ لا. وقد مرت معنا مسائل، كما تذكرون، مسألة يأكل مما يليه. قال العلماء: لو كان لوحده من أهل علم، أطلق تأكل من جهتك، من جهة المقابل، لأنك لوحدك. لكن مع الجماعة لا، ما يجوز. مسألة القران مرت معنا: أن القران من أهل علم، قال: إذا كنت مع الناس لا تقرن، لكن إذا كنت لوحدك اقرن إذا شئت. وإذا كنت مع جماعة فلا تقرن. فبعض الأحكام تكون تنفع تكون لوحدك. فبعض الإخوة وبعض الناس وبعض العامة اعتاد على هيئة معينة. لكن هذه الهيئة في حقيقتها عند الناس مستهجنة. فلا تتعود عليها. مثاله: يعمث الرجل يأكل فيه يأكل اللحم، فإذا أخذ اللحم أخذ منه نهسة بأدراسه، ثم أرجع. كيف ترجعه بعدما أخذته؟ وبعض ما أصابه شيء من لعابك، ثم ترجعه تريد الناس أن أكون من بعدك ما أحد يأكل بعدك. قال: إذا كنت لوحدك افعل. أما تفعله في حضرة الناس لا تفعل هذا. هذا أمر مستهجن. أو آخر لربما يأتي باللغمة يريد أن يجمعها مثل الرز ونحو ذلك. فبعض الناس لهم طريقة في الجمع، يأتي باللغمة ثم يعصر ويعصر ويعصر حتى تكون ماذا رطبة، ثم يبلعها. فبهذا لوحدك افعلها. لكن عند بعض الناس إذا رأىك يستهجن، يستهجن هذه الطريقة، العصر هذه بشدة. لربما بعض النفوس ما يستطيع يستمر معك في الأكل. أو كذلك تفعل طريقة معينة. وهذا قد رأيته في بعض المناسبات. بعض الناس إذا آكل يحب أن يكون الطعام رطب. فماذا يفعل؟ يأتي بكأس الماء ويطرحه فوق الرز. بل بعضهم رأيته بعين يبقى شاي فوق الرز ويأكل. ما هذا؟ أنا هكذا لا تفعل هذا عند الناس. هذا هو الناس لا يستصيغون هذا منك. لا يستصيغون هذا منك. وهكذا قص، إخواني في الله. فالإنسان كما يقول علماء العصر يكون لبق، عنده لباقة، عنده لباقة في أكله وشربه عما ماذا يؤذي الآخرين. كذلك نبه العلماء مثل النظر، النظر إلى الآكلين. فبعض الناس يأكل فيجد أن من بجواره يراقبه من أول ما يضع يده في اللقمة ويترتفع والأنظار ترنو إليه إلا أن يضعها. والناس ينظرون إليه. ما يمكن أن يستمر معك هذا. هذا ما يستمر. قد نبه العلماء على هذا. هذا مما يكره في باب الآداب بالطعام عند الاجتماع عليه. أنك تراقب أكل الآخرين. وإنما كف نظرك يا عبد الله، وانظر إلى طعامك وإلى جهتك أنت. فهذه المناسبات، إخواني في الله، وما سيذكره العلماء في هذا الباب. كذلك من باب آداب الطعام، إخواني في القرآن والسنة، مسألة الأكل على الأرض. الأكل على الأرض، الإنسان لو خير بين أن يأكل على شيء مرتفع، وبين أن يأكل على الأرض، فالأفضل أن يأكل على الأرض. هذا الأفضلية، ومما يدل على الأفضلية ذلك أن ذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا في سكرجة». فقيل: «فعلا ما كانوا يأكلون؟» قال: «على السفر، على السفر». فقول أنس رضي الله تعالى عنه: «ما أكل النبي على خوان». والخوان قيل: أنه طبق كبير من نحاس يحمل اثنان فأكثر. وقيل: أنه إناء مرتفع يوضع عليه الطعام. هذا لما أكل عليه. ما أكل على خوان، أو هذا الشيء المرتفع ما أكل عليه من هديه، من طبيعته. ولأنه أكل في سكرجة. وما هي سكرجة؟ السكرجة هي لفظة أعجمية. وقيل: أنها عبارة عن إناء صغير. هذا النبي ما كان يأكل فيه. وعلل العلماء لماذا ما أكل منه نبينا؟ قيل: لعدة أسباب. قيل: لأنه غير موجود أصلاً في زمنه. ما كان موجود في وقته، وفي بيئتهم ما كان موجود. فما كان يأكل منه. هذا وجه. ووجه آخر قيل: لصغاره. وقد مر معنا أن من عادة العرب أنهم كانوا يأكلون ماذا؟ في الآنية الكبيرة. لأنهم تعودوا على التجمع وعلى كثرة الأيدي. وكان هذا على خلاف عرفهم. وقد مرت معنا أن خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي، كما قال عليه الصلاة والسلام. فأنا تجتمع الأيدي على هذا الوعاء الصغير، سكرجة. ولهذا ما ثبت أن النبي أكل في سكرجة. هذا علّة. وتلك علّة. فقيل له كما قيل لأنس، وقيل لقَتادة راوي الحديث: «فعلى ما كانوا يأكلون؟» قال: «على السفر». والسفر والسفر جمع سفرة. وهي التي تبسط ويوضع عليها الطعام. قال العلماء: تكون من الجلد، ومن نحوه. وأصل السفر، أصلها هي طعام المسافر. كان المسافر إذا سافر يأتي بشيء يضع عليه طعامه، ثم يأخذه. هذه السفرة. وهذه السفرة هي أصلها توضع ما يوضع عليه الطعام. ثم أصبح العرب يطلقون على ما يبسط ويوضع عليه الطعام. وهذا ما عرف في زماننا، نقول: «هاتوا السفرة». أحيانا تكون من قماش، أحيانا تكون من نايلون، أحيانا تكون من جلد، أنواع وأشكال، وكلها ضابطها ما يفرش ويوضع عليه الطعام. هكذا كانوا يأكلون. فالشاهد أن النبي كان إذا أكل جلس على الأرض. وجلس على الأرض، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام قال: «أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». أي في الأرض عليه الصلاة والسلام. طيب هل معنى ذلك عدم الجلوس على الطاولات؟ الجواب لا. الجواب لا. فإن احتاج أحد أن يجلس على طاولة، مثال ذلك بحيث ما يجد في المطاعم الآن إلا الطاولات، يجلس لا بأس. أو أحد عنده ضرر إن جلس على الأرض وأذية فيجلس على الطاولة. أو كانت الأرض متسخة، يجلس على الطاولة. وقد سئلت اللجنة الدائمة حول تناول الطعام على الطاولات، فقالوا: هذا لا بأس فيه، ولا يعد تشبها بالكفار. فلا بأس في ذلك. لكن لو خيرت، خيرت بين أمرين، فاختار يا عبد الله ما كان عليه نبيك، أن تجلس على الأرض. وإن جلست على الطاولة فلا شيء في ذلك. من المسائل المتعلقة بآداب الطعام، إخواني في الله، ما يتعلق بعدم أكل الطعام وهو حار، وذلك عند شدة فورانة. لا تأكل الطعام وهو قد بلغ من الحرارة مبلغا. وهذا الأدب قد جاءت به السنة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «هذا من قوله، قال: لا يؤكل الطعام حتى يذهب بخاره». رواه البخاري، وصححه الشيخ الألباني. لا يأكل الطعام، لا يؤكل الطعام حتى يذهب بخاره. إذا ذهب بخاره ودخانه، دلالة على أنه برد وفتر، حينها كل منه. وجاء كذلك عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أنها كانت إذا ثردت، أي صنعت الثريد، إذا ثردت غطته شيئا، أي تغطي الطعام بعد انتهائه، لكن حتى انتهاء طبخه. قالت: «إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره». ثم تقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه أعظم للبركة». يعني الطعام الذي ذهب فوره. وهذا الحديث رواه الحاكم، وأورده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. ولهذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في الزاد: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما في وقت شدة حرارته». ما كان هذا من هديه. ما يأكل الطعام في شدة حرارته. وذكر العلماء ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه أعظم للبركة في الطعام إذا ذهبت حرارته». علق على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى، قال: «وأقرب المعاني للبركة ها هنا ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويقوى على طاعة الله». هذه من البركة في الطعام إذا ذهبت حرارته وذهب فوره. ومما يذكر في هذا الباب، إخواني في الله، قصة ذكرها ابن كثير رحمه الله تعالى في ترجمته لابن قتيبة، قال: أن سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسة، فإذا هي حارة كأنه لم يشعر بها. هريسة حارة، فأخذ منها اللقمة فبلعها. قال: «فإذا هي حارة، فصاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت الظهر، فأفاق، ثم لم يزل يتشهد إلى أن مات وقت السحر». رحمه الله، رحمه الله. كان سبب وفاته ماذا؟ هو أكله من الأكل الحار. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «أنه ازدرد الهريسة ساخنة قبل أن يذهب حرارتها، فأهلكته». وهذا خوف من السنة. فالسنة أبعدتك عن أكل الطعام الحار، وعند فورانة، وذلك لأنه يؤذي إلى إتلاف وإهلاك الجسد. فاحرص يا عبد الله لئلا بعض الناس، بل رأينا أن الآن بعض المطاعم تفتخر بأن الطعام يؤكل حارا. بل حتى في بعض المقاطع من يأكل الطعام الحارا ويخرج الدخان لا زال من فمه ومن أنفه من شدة الحرارة. هذا إهلاك وإضرار بالأنفس. وهذا أبعد ما يكون عن البركة. تأتي مسألة أخيرة، ولابد أن تذكر في هذا الباب، لأنه مما لها تعلق بهذه المسألة، وهو مسألة النفخ في الطعام. وهذه مسألة تتعلق بهذه المسألة، وهو مسألة النفخ على الطعام. الجواب لا، هذا ليس بحل. ليس بحل أنك تقوم بالنفخ، يعني بعض الناس الآن سمع على أن الطعام لا يؤكل عند شدة حرارته، إذن الحل بسيط، وهو أن يأتي إلى الطعام وأنفخ فيه، أنفخ فيه حتى يبرد. هل هذه الطريقة صحيحة؟ الجواب لا. لماذا لا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الطعام والشراب. جاء ذلك في السنن من حديث ابن عباس، كما روى الإمام أحمد في مسنده، ويحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الطعام والشراب. ووجه النهي كما يقول العلماء: العلة واضحة. لأن الذي ينفخ لربما خرج من ريقه شيء فوقع في الطعام. الناس تخيل رجل عنده شربة، أو عنده حساء، أو نحو ذلك من أطعمة، ينفخ والناس بحضرته. فلربما خرج شيء من لعاب ومن بصاق فتعلق بالأكل. فهذا استهجان. وقد ذكرنا أن الإنسان يبتعد عما يستقذر. فيبتعد. قيل: هذا وجه في النهي عن النفخ، لأنه قد يخرج شيء مستقذر. والأمر الثاني، قال: فيه دلالة على أن هذا الآكل عنده شره، وقلة صبر عن الطعام، مستعجل. إيش مستعجل؟ أخي خلوه يبرد ماذا؟ طيب صبرت ساعة كما هو يطبخه، ما بقي إلا دقائق حتى ينتظر يبرد. فعلى ما العجلة؟ فنفخك دلالة على أنك عندك شره، وعندك حب للطعام، وقلة صبر. فما ينبغي، ما ينبغي هذا. ما يتعلق بالنفخ، تأتي مسألة مقاربة. فلو قال قائل: «أنا لوحدي، أنا لوحدي، هل لي أن أنفخ على الطعام؟» هل لي أن أنفخ على الطعام؟ كما ذكرنا هناك مسائل، إخواني في الله، إذا كنت لوحدك قد يفتح لك المجال، وإذا كنت مع غيرك فلا. وهذه مسألة، نعم. نفس المسألة التي سبقت من أهل العلم، من قال: من كان لوحده له أن ينفخ، لأن علة الاستقدار منتفية. لأنك لن تستقذر من ريق نفسك. فبعض علماء أجاز هذا. لكن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، عندما ذكر هذه المسألة، وذكر هذا القول. قال: «والأولى التعميم بالمنع». الأولى التعميم أنك لا تفعل هذا، لا لوحدك، ولا بحضور الناس. فلا تنفخ في الطعام. فلا تنفخ في الطعام. وإنما تكف حتى يبرد. وبقي مسألة أخيرة أختم بها المقام. لو أن إنسانا مستعجل، عنده ظرف، جاء في مكان يريد أن يسافر مثلا، أو منتظر السيارة، فجاءه المركوب والناس ينادونه: «أخرج». وقت والطعام أمامه وحار. يعني كون ينتظر ويبتعد، سيذهب عليه الطعام. هل له أن ينفخ؟ هل له أن ينفخ؟ نعم. من أهل العلم من أجاز هذا. من أهل العلم من أجاز هذا، إذا كان هناك ظرف كاستعجال لأمر ما، سيفوتك، ولابد من أن تنفخ فيه حتى يبرد. فقالوا: أن النفخ جائز للحاجة. أجاز هذا جماعة من أهل العلم. وإن كان بعض علماء يرى أن الكراهة تبقى، وأنك تنتظر تنتظر حتى يبرد الطعام، وذلك حتى يتسنى لك أن تأكله، ولا يضرك هذا. إخواني في الله، مسائل في هذا الباب متعلقة بأداب الطعام. وبقيت مسائل أخرى تترك إن شاء الله في درس غد. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.