الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 133، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح الشيخ أن دعوى منافع العشق مبالغ فيها وأن مفاسده أعظم، مؤكداً أن أنفع المحبة وأوجبها محبة الله وحده لأنها فطرة الخلق وعبادتهم. ويبين أن الشرك في هذه المحبة من أعظم الظلم الذي لا يغفر إلا بالتوبة الصادقة قبل الموت.
يشترط حب النبي صلى الله عليه وسلم كمال الإيمان، ومحبة الله أعظم وأوجب مستدلاً بحديث عمر بن الخطاب. وتظهر نعم الله وابتلاءاته داعيةً العبد لمحبته وعبادته، وحلمه وستره على العاصين من أقوى الدواعي للتأله والإنابة.
يتبين تفاوت حال الله مع عباده؛ خيره نازل وشرهم صاعد، وهو يتحبب بالنعم ولا يقطع إحسانه رغم المعاصي. ويوضح أن الله يستحي من عبده فيستره ولا يفضحه، ويرحمه برحمته الواسعة بينما العبد قد لا يرحم نفسه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول النافعة من هذا الكتاب القيم، ألا وهو "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ومر معنا في هذا الفصل الكلام حول تتمة كلام المعترض على ابن القيم في إيراده لمفاسد وأضرار العشق، وأضرار العشق. وتضمن هذا الاعتراض أن العشق فيه منافع وفوائد، وذكر ابن القيم عن المعترض بعض هذه الفوائد والمنافع، وبعض الآثار الواردة في هذا الباب. ومما ينبغي أن يعلم أن باب العشق يعتبر من الأمور التي يزيد الناس في أخبارها، الناس يزيدون في أخبارها زيادة ليست لها حقيقة، وهكذا لا تمس إلى الواقع بصلة. فباب العشق من أكثر الأمور التي يزيد الناس في أخبارها ما ليس من حقيقتها وما ليس منها. فبعض هذه الأخبار قد يكون لا أصل لها، لا أصل لها أساساً، وبعض هذه الأخبار قد يدخلها الزيادة والمبالغة، وبعضها قد يكون فهمها على غير بابها، وبعضها قد يكون صحيحاً عن صاحبه لكن ليس في ذلك حجة، ليس في ذلك حجة. فلا يمنع أن يكون هناك شيء من المنافع، لكنها قليلة إذا ما قورنها بالمفاسد والأضرار المترتبة على هذا المرض وهذا الداء الخطير، الذي قل من يتعافى منه إلا من شاء الله عز وجل العافية. وابن القيم رحمه الله تعالى رد وأجاب على المعترض أولاً بجواب مجمل، ثم أتى بعد ذلك يفصل هذا الجواب، أتى يفصل هذا الجواب. غير أنه أكثر من التفصيل عن جواب هذا الاعتراض في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين"، هناك توسع رحمه الله تعالى وفصل في الجواب والرد على هذا الإيراد الذي ورد. وختم ابن القيم كلام المعترض بأثر عن عمر رضي الله عنه، مر معنا قول ابن القيم: "وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، رأيت امرأة فعشقتها، فعشقتها. فقال: أي عمر، ذاك ما لا تملك، ذاك ما لا تملك". وهذا الأثر رواه ابن الجوزي في كتابه "ذم الهوى"، وهكذا ذكره غيره. وهذا الأثر حكم عليه غير واحد من أهل العلم بالضعف الشديد، والبعض هم ذكروا عنه أنه موضوع، فهو من طريق عبد العزيز بن عمران وهو متروك، وشيخه أيضاً في الإسناد مبهم، شيخه في الإسناد مبهم. هذا الصواب في هذا الأثر. وكما سبق، ذكر ابن القيم الرد والجواب مجملاً، ثم أخذ يفصل، والتفصيل يا إخوان من قوله: "ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام". هنا بدأ يفصل في الجواب وفي الرد، فبين فساد العشق، وهكذا أيضاً ما يتعلق به من الأمور الباطلة، وأنها تعتبر مرضاً للقلوب، فيترتب عليها من المضار والمفاسد الشيء الكثير، الشيء الكثير. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الجواب المفصل: أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها وأسناها هي محبة من جبلت القلوب على محبته، وهو الله عز وجل. يا إخوان، وفطرت الخليقة على تألهه، أي على عبادته. قال: "وهو الله لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى، فبمحبته قامت الأرض والسماوات، قامت الأرض والسماوات وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله". قال: "فإن الإله هو الذي تألهته القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل له والخضوع، وتعبده، والعبادة لا تصلح إلا له وحده". والعبادة يا إخوان كما هو معلوم حق خالص محض لله تبارك وتعالى، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، كائناً من كان، كائناً من كان. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة. قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالعبادة حق خالص محض لله تبارك وتعالى. وهنا ذكر قال: "والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل"، هذه العبادة. قال: "والشرك في هذه المحبة والعبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله". لماذا لا يغفره الله؟ لأنه شرك. فمن مات على ذلك فإن الله عز وجل كما أخبر عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. طيب يا إخوان، من وقع في الشرك، من وقع في الشرك لكنه تاب منه قبل أن يموت، فهل يغفره الله له أم لا يغفره الله؟ نعم، عندك: لا يغفره الله له. أحسن. طيب، ما الدليل يا إخوان على أن الله يغفره، يغفره له؟ ما الدليل على ذلك؟ ما الدليل يا أبا أسامة على أن الله يغفر الشرك إذا تاب منه الإنسان، أو أنت تخالف في الإجابة فتعفى من الدليل؟ فيدخلها. أحسنت. لكن عمل أهل النار كثير، قد يكون زنا، سرقة، وغيرها. آت يا أبا أسامة. أحسنت. أتذكر دليلاً؟ طيب. أحسنت. فعند صاحبك؟ نعم، دليلاً من الكتاب أو من السنة؟ نعم، ارفع صوتك، سمعت الإجابة، بلغ يا أبا الفاروق حتى ناسم. طيب، هل ممكن: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؟ طيب، أحسنت. فهل هناك ما هو أصرح من هذا؟ أين العرباب؟ سافر صلى الله عليه. نعم، نعم يا أبا طاهر. نعم، نعم نحن معك. طيب، أحسنت. أتذكر دليلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، يعني هذا الدليل على الجواب الذي أتى به الأخ، أو على عدم ذلك الجواب؟ أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب قبل أن يموت، هذا الجواب. فإن كنت موافقاً له فـ... نعم، أحسنت. هذا دليل عام في التوبة، لكن في الشرك يا أبا محمد... التوبة، التوبة تجب ما قبلها. أحسنت. وأيضاً مصعب... يعني ماذا أيها هذا بالمفهوم؟ أحسنت يا أبا العباس، عندك شيء؟ طيب، أحسنتم. أدل كثيراً يا إخوان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآيات. وهكذا قوله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وآيات كثيرة جداً. قال رحمه الله تعالى: "قال والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعاً لمحبته". وهذا سبق معنا يا إخوان، أنه لا يحب شيء لذاته إلا الله عز وجل، وغير الله فمحبته من محبة الله تبارك وتعالى. قال: "وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، التي فطر عباده عليها". في بعض النسخ: "التي فطر الناس عليها"، وهي بمعنى واحد. قال: "وما ركب فيهم من العقول، العقول". يا إخوان، المقصود بها العقول الصحيحة التي لم تفسد، وأما العقول الفاسدة فلربما استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، لربما تركت عبادة الخالق وتعلقت بعبادة المخلوقين، بعبادة المخلوقين. قال: "وما أسبغ عليهم من النعم، من النعم". والنعم هذه جمع أو مثنى أو مفرد يا أبا مريم؟ قال: "وما أسبغ عليهم من النعم، النعم هذا مفرد أو مثنى أو جمع؟" جمع. أحسنت. ما مفرده؟ ما مفرده؟ أين أبو صفية؟ سافر صلى الله عليه. أحسنت. نعم يا خان عبيد: النعم جمع، ما مفرده نعمة. فما هو المقصود بالنعمة؟ ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، فما هو المقصود بالنعمة؟ يقول: "أنعم الله علي بنعمة"، فما هو المقصود بالنعمة؟ ما هو المقصود بالنعمة؟ نعم، اقترب شوية. مرحبا. ما هو المقصود بالنعمة يا أبا الفاروق؟ النعمة تقول: "أنعم الله علي بنعمة"، أصبحت معافى مشيطاً، أنا اليوم في نعمة، بينما غيرك قد يصبح به حمى، زكام، يشتكي صداعاً، ألماً في ظهره. أي الحالتين أحسن؟ حالة العافية أو حالة المرض؟ العافية أحسن. إذن النعمة هي الحالة أو الهيئة الحسنة التي يكون عليها الإنسان، هذه تسمى نعمة. قال: "فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها". القلوب يا إخوان مفطورة على هذا، على محبة من أحسن إليها. شخص أحسن إليك فبفطرتك تحبه، بفطرتك تحبه. بل حتى الحيوانات يا إخوان، حيوانات مفطورة على محبة من أحسن إليها. جرب أطعم حيواناً أو اسقه كل يوم، انظر ماذا يتعامل معك هذا الحيوان. تبعض السباع والوحوش إذا صنع معها معروفاً فبعضها لا ينسى هذا المعروف لصاحبه، فما بالك بالإنسان؟ أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فلطالما استعبد القلب إحسان، أكذا قيل. قال: "فكيف بمن كل الإحسان منه؟ كيف بمن كل الإحسان منه؟" ويعني بذلك الله تبارك وتعالى، الله تبارك وتعالى. قال: "وما بخلقه جميعاً، وما بخلقه جميعاً، وما بخلقه جميعاً من نعمة في الدنيا والآخرة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾". قال: "وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته، أي مخلوقاته، من كماله وبهائه وجلاله وعظمته، فهذه كلها داعية إلى محبته سبحانه وتعالى". النعم التي تفضل بها على خلقه وعبيده، أيضاً كونه تعرف عباده... عباده تعرف عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وهكذا آثاره أو آثار مخلوقاته التي تدل على كماله وجلاله وعظمته. قال: "والمحبة لها داعيان: الجمال والإجمال". الجمال والإجمال، وفي بعض النسخ: وفي بعضها الجمال والإجلال. قال: "وقال والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، أي من الجمال، فإن الله تعالى جميل يحب الجمال، ومن أسمائه سبحانه الجميل ويحب الجمال". وهكذا أيضاً ربنا تبارك وتعالى له الجلال والإجلال. قال: "والرب تعالى له الكمال المطلق، فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجمال كله منه، فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه". قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. قال: "والولاية أصلها الحب، والولاية أصلها الحب، فلا موالات إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض". والله ولي الذين آمنوا، وهم أولياؤه، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له. لاحظ المؤمنون يتولون الله عز وجل، أن يحبونه ويتقربون إلى الله عز وجل بما هو سبب لمحبته ومرضاته. قال: "وهو يواليهم بمحبتهم أو بمحبته لهم، بمحبته لهم". وإذا أحب الله العبد يا إخوان، نال الخير من الله عز وجل. قال: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". قال أهل العلم: أي أن الله يوفقه، يوفقه في أن يستخدم هذه الجوارح فيما يحبه ربنا عز وجل. فربنا تبارك وتعالى يوفق العبد ويحفظه. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال: "قال، قال، قال، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده بحسب محبته له". قال: "ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، بخلاف من والى أولياءه، فإنه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته لربه". كما جاء في حديث أنس: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان". الأولى ما هي؟ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. هذه الأولى. الثانية يا أبا ناظم؟ الثانية أن يحب... أحسنت، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. الثالثة يا أبا عبد الرحمن؟ الثالثة... الثانية: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. نعم، أن يكره... أحسنت. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. ففرق بين من اتخذ من دون الله أولياء، حال المشركين مع أصنامهم ومعبوداتهم، وبين من والى شيئاً لأجل الله. نحن يا إخوان نحب الأنبياء ونحب الصالحين وإلى غيرها من أجل الله عز وجل. قال: "وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أنداداً يحبهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله". وهذا كما مر معنا في قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. أي أشد حباً لله من محبة المشركين لله، وقيل: أشد حباً لله من محبة المشركين لأندادهم. قال: "وأخبر، أي ربنا عز وجل، عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب، أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: تالله، ماذا يسمى هذا؟ تالله، ماذا يسمى عندك يا أخي؟ تالله، ماذا يسمى؟ سلوب عربي... أحسن، حلف أو قسم. أحسنت. تالله ويجوز أن يكون القسم بغير التاء، مثل ماذا يا بلعباس؟ من أدوات القسم: تالله، تالله، ممكن ماذا؟ الباء، بالله، والله. أحسنت. ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ظلم عظيم يا إخوان، حين أن يساوى الخالق بالمخلوق، والقوي بالضعيف، والغني بالفقير. ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾. قال: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولقائل أن يقول: أين عقولهم وأين فطرهم، ولماذا لم يستجيبوا لأنبيائهم ورسلهم؟ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. هم الذين زينوا لنا ذلك، زينوا لنا عبادة الأصنام، عبادة الأضرحة والقبور، وجعلونا نغفل عن عبادة الله عز وجل. ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُم مِّن شَافِعِينَ﴾، فـ... آ... فهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات ولم يتب منه. قال رحمه الله تعالى: "قال وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت على ذلك دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم". ومعنى أطبقت: أي أجمعت واتفقت على ذلك، دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم. من هو أول الرسل؟ من هو أول الرسل؟ نوح عليه الصلاة والسلام. أهل الموقف يأتون إلى نوح فيقولون: يا نوح، أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض، إلى أهل الأرض. بينما أول الأنبياء... بينما أول الأنبياء... بينما أول الأنبياء من هو؟ آه، عندك يا أخي، من هو أول الأنبياء؟ آه، معنا. نعم، السؤال عندك: من هو أول الأنبياء؟ من هو أول نبي؟ أول رسول نوح، وأول نبي... أحسنت، آدم. وأول نبي آدم، كما جاء في حديث أبي أمامة ونحوه عن أبي ذر، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن آدم النبي، هو قال: "نبي مكلم، نبي مكلم". وآخر الأنبياء والرسل هو خاتمهم، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "ولأجل ذلك خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به فيه". قال: "وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن عبد، أنه لا يؤمن عبد حتى يكون... حتى يكون هو أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". وهذا جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، جاء في حديث أنس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وفي حديث أبي هريرة: قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده، ووالده وولده». قال: "فكيف بمحبة الرب جل جلاله إذا كان هذا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكيف بمحبة الرب تبارك وتعالى؟ فهي أعظم يا إخوان، هي أعظم وأكبر". قال: "وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك، حتى أكون أحب إليك من نفسك". وهذا الحديث، حديث عمر رضي الله تعالى عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره، في البخاري وغيره. قال عمر: يا رسول الله، إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، إلا من نفسي. قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال عمر: يا رسول الله، إنك الآن أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر». ما هو الآن؟ ما هو الآن؟ ما هو الآن؟ الآن يا عمر، عندك أبا زرع؟ قال: «الآن يا عمر». معناه الآن إيش الذي حصل الآن؟ كيف الإيمان كمل أو نقص؟ أحسن، الآن كمل إيمانك، الآن كمل إيمانك، حين أن أصبح النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليك من كل شيء حتى من نفسك، حتى من نفسك. قال: «أي، لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية». قال: "وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره أولى بمحبيه وعباده من أنفسهم؟" الجواب ماذا؟ الجواب: بلى. الجواب: بلى، هو أولى سبحانه وتعالى بمحبيه وعباده من أنفسهم. قال: "وكل ما منه إلى عبده، إلى عبده المؤمن، يدعوه إلى عبادته ومحبته، مما يحب أو مما يحب العبد أو يكره، فعطاؤه ومنعه، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثته، وإغاثته لهفته، وتفريج كربته، من غير حاجة منه إليه، بل مع غناه التام عن جميع خلقه من جميع الوجوه، كل ذلك داعياً للقلوب إلى تألهه ومحبته ومحبته". فكل ما يأتي من الله عز وجل يدعون يا إخوان إلى أن نحبه، وإلى أن نكثر من عبادته، ونخلص له في العبادة. قال: "بل تمكينه عبده من معصيته، إذا مكن ربنا عز وجل العبد من المعصية، قال: وإعانته عليها، وستره حتى يقضي وطره منها، أي حتى يقضي حاجته منها، وكلاءته له، والكلاءة هي الحفظ، قال: وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته بعينه، ويستعين عليها بنعمه، من أقوى الدواعي إلى محبته". ويا لله يا إخوان، ما أحلم الله على عبيده! يحلم يا إخوان، الذي يفعل المعصية يفعلها بما أودع الله فيه من قوة، ومن صحة، ومن صحة. الله يعطيه القوة وصحة وغيرها وهو يعصي الله بها، والله سبحانه وتعالى يستره، لا يجعل أحداً يراه أو يطلع عليه أو يكشف أمره. انظر هذا كله، لو فكر العبد وتأمل وتدبر، لدعاه إلى أن يرجع إلى الله عز وجل. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾. إذن يا إخوان، ماذا؟ إذن الله عز وجل حليم، الله سبحانه وتعالى يصبر على العاصين. تخيل وتأمل في من يسب الرب والدين، يسب الرب والدين، والله يعطيه عافية في بدنه، تجده مفتول العضلات، من أين هذه العضلات؟ ومن أين هذه الصحة؟ تجده كثير المال، يحسب أن ماله أخلده، كثير المال، من أين هذا المال؟ تجده لربما وجيهاً، من أين هذه الوجاهة؟ فماذا؟ فربنا تبارك وتعالى يصبر على أذى عبده ومعصية عبده. قال رحمه الله تعالى: "قال: فلو أن مخلوقاً فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته. لو أن مخلوقاً أحسن إلى مخلوق مثله، تخيل شخص أعطاك دراجة نارية، قال: هذه هدية مني لك، وأسلمك مفاتيحها، أعطاك مبلغاً من المال، أعطاك، أعطاك كتاباً نفيساً، أعطاك قلماً ثميناً، أعطاك طعاماً لذيذاً، إلى غيرها. كما مر، بطبيعة الإنسان يحب من أحسن إليه". قال: "فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام، بعدد الأنفاس، بعدد الأنفاس، مع إساءته وتمرده عليه؟ تخيلوا يا إخوان، لو حبس الله النفس عنا، منع الهواء، منع الهواء، كم مستعد أن يدفع الإنسان لكي يتحصل على نسمات، على نسمات؟ مستعد أن يدفع ما يملك، أن يدفع ما يملك. فربنا تبارك وتعالى يحسن إلينا بعدد الأنفاس، مع إساءتنا وتمرد بعضنا عليه، سبحانه وتعالى". قال: "فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد". الخير من الله نازل، والشر منا صاعد إلى الله عز وجل. قال: "وهو يحلم عنه ويعافيه ويرزقه، يتحبب إليه بالنعم وهو غني عنه". الله عز وجل يا إخوان يتحبب إلينا بالنعم لكي نحبه، مع أنه غني عنا. قال: "والعبد يتبغض إليه بالمعاصي، يتبغض إليه بالمعاصي، وهو فقير إليه". فلا إحسانه وبره وإنعامه على العبد يمنعه ويصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه. أرأيتم يا إخوان؟ معصية العبد لربه لا تمنع نزول النعم من الله، والخير من الله، والرزق من الله، والرزق من الله. بينما العبد... بينما العبد لا يمنعه، لا يمنعه هذا الفضل من الله عز وجل، لا يمنعه عن المعصية. قال: "قال: فألأم اللؤم تخلف القلوب عن... عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه من الخلق، إما بآدمي أو دابة أو دينار أو درهم، أو غير ذلك مما تحبه القلوب وتهواه، وتهواه". وألاحظوا يا إخوان، هذا لئيم، هذا لئيم، من هذا حاله ووصفه، من هذا حاله ووصفه. بل هو يعتبر من أعظم اللؤم، من أعظم اللؤم، أن يقابل العبد إحسان الله إليه بالإساءة إلى الله تبارك وتعالى. قال: "وأيضاً فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك ويحبك لنفسه وغرضه منك، فلو قد نال غرضه... وَلَّا عَنْكَ وَمَلَّكَ، وَلَّا عَنْكَ وَمَلَّكَ، مَلَّكَ، أي من الملل، أصابه الملل منك". وهذه حقيقة يا إخوان، وهذه حقيقة، أن المحبة بين الناس إذا لم تكن لله عز وجل فإنما هي لأغراض ومصالح، فمتى ما قضى مصلحته وتحصل على غرضه، ماذا؟ فإنه يولي عنك، وهكذا يصيبه الملل منك. قال: "كما قيل: من ودك لأمر، ملك عند انقضائه، من ودك لأمر، من المودة والمحبة، أحبك لأمر، فإنه ماذا؟ فإنه يملك عند انقضاء هذا الأمر". قال: "فالزوجة إنما تحبك لما تنال منك من غرضها، وكذلك الولد، وجند السلطان إنما يقومون في خدمته لما ينالون به من غرضهم، وهو أيضاً إنما يقربهم ويدنيهم، أي السلطان منهم، لما ينال بهم من غرضه". قال: "فهو سيد مطاع عندهم، وهو في حقيقته عبد مطيع لهم". وكذلك أبناء الدنيا وغيرهم إنما يحبون دنياهم لأجل أغراضهم. قال: "والله سبحانه وتعالى يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: «عبدي، كل يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك، وأنا أريدك لك»". وهذا الأثر ذكره أيضاً المصنف في غير ما كتاب من كتبه، ومن ذلك "مدارج السالكين" وغيرها، والذي يظهر أنه ماذا؟ من الإسرائيليات، أخبار بني إسرائيل. قال: "فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة وهو معرض عنه؟ أي العبد معرض عن الله، مشغول بحب غيره، قد استغرق قلبه محبة سواه، ملأ قلبه محبته لغير الله عز وجل". قال: "وأيضاً فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك، إن لم يربح عليك لم يعاملك، ولا بد له من نوع من أنواع الربح". قال: "والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه، وأعلاه". قال: "فالدرهم بعشرة أمثاله، أي عند الله عز وجل". لاحظوا الأرباح يا إخوان، الحسن بكم؟ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. قال: "فالدرهم، أي عند الله، بعشرة أمثاله، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة". قال: "والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محواً، حتى أن الذي يكتب السيئة من الملائكة لا يكتبها حتى يمر شيء من الوقت، علّك أن تستغفر، علنا أن نتوب ونرجع، فإن تبنا ورجعنا كتبها حسنة، وإلا فإنه يكتبها سيئة واحدة. لكن الحسنة مباشرة يكتبها الملك وتكتب يا إخوان بأضعاف مضاعفة، مضاعفة". ولهذا يا إخوان، من أسماء الله الشكور، الشكور يا إخوان، اسم من أسماء الله، ومن معاني اسم الله الشكور: قالوا: الذي يعطي على العمل اليسير الأجر العظيم. عمل يسير، كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». انظر: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، كنز من كنوز الجنة. وهكذا: حدث ولا حرج، عمل يسير يترتب عليه أجر عظيم وكثير. ويعطي على العمل المحدود أجراً غير ممنون، غير مقطوع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي غير مقطوع، غير مقطوع. فربنا عز وجل هو الشكور. قال: "وأيضاً فهو سبحانه إنما خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة، في الدنيا والآخرة، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه". الله عز وجل أجرى لنا الأنهار، وأنزل علينا الأمطار، وسخر لنا البحار، وأنبت لنا، وأنبت لنا الأشجار، وأخرج لنا الثمار، إلى غيرها: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. الآن يا إخوان، ابن القيم يذكر أشياء تحببنا في الله عز وجل، اشعلنا يا إخوان نحب الله عز وجل، تعظم محبتنا لربنا جل في علاه. قال: "وأيضاً فهو سبحانه إنما خلقك لنفسه: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة، فمن أولى منك باستفراغ الوسع في محبته، وبذل الجهد في مرضاته؟ من يا إخوان أولى؟ أولى منا أن نعظم المحبة لله، ونجعل قلوبنا ماذا؟ عامرة ومستغرقة بمحبته سبحانه، ونبذل جهدنا فيما يرضيه سبحانه وتعالى". قال: "وأيضاً فمطالبك، بل مطالب الخلق كلهم، قال: وأيضاً فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعاً لديه، وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين". يعني كل من أراد شيئاً رفع يديه وقال: يا الله، وربنا عز وجل جواد كريم، بل أجود الأجودين وأكرم الأكرمين. وأعطى عبده قبل أن يسأله، فوق ما يؤمله، أي فوق ما ينتظر ويرجو العبد. قال: "وهو يشكر القليل من العمل وينميه". الصدق يا إخوان، يتصدق العبد بدنار، بدرهم، فتقبلها ربنا عز وجل بيمينه، فينميها لعبده كما ينمي أحدكم فلوه، حتى تصير كالجبل. قال: "وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، وهو يشكر القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه". يسأله من في السماوات والأرض، كل يوم هو في شأن، كل يوم هو في شأن. قال: "لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا تغلطه في بعضها، يغلطه، وهما بمعنى: كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين". لا يتبرم، أي لا يغضب ولا ينزعج إذا ألح عليه العبد في المسألة، بل ماذا؟ بل يحب الإلحاح في المسألة. قال: "بل يحب الملحين في الدعاء، ويحب أن يسأل، ويغضب إذا لم يسأل، ويغضب إذا لم يسأل". الله يغضب إن تركت سؤاله، وبني آدم حين يسأل يغضب، حين يسأل يغضب. قال: "ويغضب إذا لم يسأل، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه". ومن ذلك أن الله عز وجل حيي ستير، أو ستير، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردها صفراً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه، فلربما يتجرأ العبد على ربه بالمعاصي والجرائم". قال: "ويستره حيث لا يستر نفسه، الله يستر العبد بينما العبد قد يكشف ستر الله عنه، يقول: والله البارح فعلنا، وقبلها عملنا، بينما ربنا عز وجل ستره". قال: "ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ ر