آداب الطعام والشراب 12

آداب الطعام والشراب 12

الدرس في آداب الطعام والشراب 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب الطعام عند الاجتماع والأكل الجماعي

يتحدث هذا الفصل عن آداب الطعام عند الاجتماع حيث يبدأ الكبير في الأكل أولًا، ويُناقش آداب الأكل الجماعي مثل التأخر في القيام عن الطعام حتى يأكل الجميع وتحفيز الآخرين على الأكل. يُستدل بحديث أبي هريرة مع النبي صلى الله عليه وسلم على استحباب تحفيز الآخرين على الأكل.

أهمية الكلام أثناء الطعام وآدابه

يُناقش هذا الفصل أهمية الكلام أثناء تناول الطعام بشرط أن يكون كلامًا حسنًا ومعروفًا، ويستعرض آراء العلماء مثل الإمام النووي والإمام الغزالي حول هذا الموضوع، ويُوضح أن الصمت التام أو الكلام البذيء أثناء الأكل غير مرغوب فيه.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يُنهي هذا الفصل الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والبركة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في مثل هذه الأوقات نتدارس وإياكم في باب آداب الطعام، وكان الفصل الأخير المتعلق بهذا الباب حول ما يتعلق بالاجتماع على الأكل وما يترتب عليه من مسائل وأحكام. فكان من ذلك مشروعية تكثير الأيدي عند الطعام، وأيضًا عدم عيبه، بل بالعكس يحرص المرء على أن يمدح الطعام الذي أمامه كائنًا ما كان، فإن ذلك فيه التطيب للخواطر. وأيضًا مما يذكر من المسائل المتعلقة عند الاجتماع على الأكل أن يكون البدء من الكبير، البدء بالكبير إذا اجتمع الناس على الطعام، فإن الكبير هو الذي يبدأ، ثم الناس بعد ذلك يتتابعون بعده. والكبير قد يكون كبيرًا في السن كأكبرهم سنًا، أو ما يعرف عندنا بالعاقل هو الذي يبدأ والناس من بعده، أو يكون كبيرًا في رتبته كصاحب وجاهة، صاحب مقام سامي، أو كذلك أن يكون صاحب البيت هو بنفسه كان جالسًا حاضرًا، فليبدأه ثم الناس على إثره في أكلهم للطعام. والدليل على هذا الأدب، إخواني في الله، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضع يده». فإذا بدأه بدأوا من خلفه وبدأوا بعده. فهذا من الآداب المتعلقة بهذا الباب أن يبدأ الكبير، سواء كان كبير السن أو كبير الرتبة، أو أنه يأذن، أحيانًا يكون صاحب البيت مشغولًا فيقول: «تفضلوا، كلوا بسم الله»، ويعطيكم الإذن، فهذا الإذن كافي في البداءة. وهنا تأتي مسألة تقابل هذه المسألة، وإذا كنا نرى أن من آداب الطعام أن يبدأ الكبير، يذكر بعض العلماء أن من آداب الطعام أن لا يقوم الكبير قبل الناس. فالمسألة الأولى أن يبدأ الكبير قبل الناس، وفي هذه المسألة التي بين أيدينا أن لا يقوم الكبير قبل الناس، بل يتأخر. قال العلماء: الحكم من هذا الأدب أن الناس لو جلسوا على طعام، وكان الكبير -سواء كان كبير السن أو الرتبة أو الضيف أو الزائر- إذا قام من مقامه من طعامه، فإن الناس تتابع من بعده يقومون، ما لنا حاجة في البقاء، وكل ينظر فيقومون. بل إن بعض الأعراف يبالغون في هذا الأمر مبلغًا عظيمًا، حتى قيل: إن في بعض الأعراف لربما تبسط مائدة يحضر فيها الرجال الكثر، بل قيل: في بعض الروايات أن خمسين رجلًا يحضرون يأكلون، فإذا قام صبي فقط، قام الجميع، لماذا؟ قام عندهم قاعدة وعندهم عادة أن يقوم إذا قام الأول قام الجميع من بعده. هذا ليس بصحيح، لهذا يرى العلماء أنه يجعل هذا من باب الآداب، إذا عرف أن هذا عادة في القوم، أنه يمكث، إذا علم أنه إذا قام سيقوم الناس من بعده يتأخر، يجعل الناس يكتفون ويأكلون ثم يقومون. وهذا، والحمد لله، في بعض الأعراف رأينا أن بعض الناس يفعل ذلك، تجد أن صاحب البيت يتأخر عمدًا وقصدًا، قد لربما انتهى من حاجته، لكن يبقى يؤنس، ما الذي عنده؟ حتى يقوم الجميع فيقوم في آخرهم، فهذا طيب ومن محاسن الأخلاق والآداب كما يقول العلماء. وإلا الأصل، يا عبد الله، الأصل حتى لو قام صاحب البيت أو الكبير قام من طعامه وأنت لم تكتفي، لا تقوم، اجلس، فإن هذا ليس فيه شيء، وما هناك أمر يذكر في هذا الباب سوى ما يكون من محاسن العادات، وهذا أنت لست ملزمًا به. فإن قام صاحب البيت وأنت لازلت تويت أن تأكل، اجلس وأكمل طعامك. كذلك من المسائل المتعلقة بآداب الأكل الجماعي ألا يكون من العزلة على أنك تحث الآخرين على الأكل، أن تعزمهم على الأكل، ويكون ذلك إما بذكر ألطف العبارات أو أنك تكرر العبارة: «كلوا، كلوا، تفضلوا، كلوا». إذا رأيت أحدًا نأى عن الصحبة، ابتعد، تخث يقول: «أخي، يا شيء الله، أصلح، كم من أكلك؟ كمل». فهذا من شيء حسن، ومن محاسن الآداب في باب الطعام، وجعلها العلماء أن ذلك مما يستحب فعله في الأكل أنك تحث الآخرين على الأكل، وهذا وخاصة إذا وجدت أن أحدًا من الناس لم يأخذ كفايته. وهذا يكون لعدة اعتبارات، فمثلًا هؤلاء احرص، يا عبد الله، على أنك تحثهم على الاستمرار في الأكل. يقول إمام النووي رحمه الله تعالى: «حتى يستحب ذلك للرجل مع زوجته وغيرها من عياله الذين يتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجة». إذا كان هؤلاء مظنة سواء مع زوجك، مع أهلك، مع عيالك، مع أبنائك، أو من حضر، إذا رأيت أنهم لم يأخذوا كفايتهم، هذا الضابط. ومما استدل به العلماء على هذا الأدب، وأن ذلك من آداب الطعام، ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعطاه اللبن قال: «أقعد فاشرب». قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «فشربت، قال ثم قال لي فاشرب، قال فشربت، قال فما زال يقولها لي اشرب حتى قلت له: والذي بعثك بالحق لا أجد لها مسلكًا». فنبينا كان يحث أبا هريرة على أن ماذا؟ يتناول اللبن، «اشرب، اشرب»، ويكرر هذا عليه تكرارًا ومرارًا. فهذه، كما يقول العلماء، أنها من محاسن آداب الطعام. ومما يذكر كذلك من مسائل آداب الطعام في الهيئة الاجتماعية مسألة الحديث عند الطعام، الكلام في حضرة الطعام. نجد أن بعض من الناس، إخواني في الله، لربما يشدد في هذا الباب، فإذا جلس على مائدة الطعام سرعان ما يعلوهم الصمت، وكأن على رؤوسهم الطير، وإن تكلم أحد مثلا من أهل بيته في حضرة الطعام، لربما قام الأب بتوبيخه وتأنيبه، وأن هذا ليس من الأدب، «اسكت، فتتكلم»، فهل هذا صحيح؟ لا، هذا ليس بصحيح. بل أمر على خلاف ذلك، والإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «الأذكار» بوضع باب، قال رحمه الله تعالى: «باب استحباب الكلام على الطعام». فقال: «فإن هذا مما يستحب أن تتكلم عند تناولك الطعام». وازدل الإمام النووي رحمه الله تعالى بهذا الباب بما مر معنا من قوله عليه الصلاة والسلام: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل». فهذا كلامه عليه الصلاة والسلام نطق به في أثناء تناوله الطعام، تكلم: «نعم الأدم الخل». ففيه: إذا كان الكلام بهذه الصورة، فلا بأس أن يتكلم المتكلم ولو تناول الطعام. ويقول إمام الغزالي رحمه الله تعالى: «قال: من آداب الطعام أن يتحدثون في حال أكلهم بالمعروف». وهذا ضابط مهم، فالأمر ليس بين إفراط وتفريط. فمن الناس من يرى أن من التعبد لله الصمت عند أكل الطعام، وهذا ليس من التعبد في شيء. ومن الناس من يطلق عواهن الكلام، فتدخل إلى مائدة الطعام وكأنك في هيئات الأسواق، يتكلم وهذا يصيح وهذا يصرخ، وهذا ليس بهذه الصورة، لا يترك الكلام على عواهن يتكلم ما شاء وكيف شاء، لا. وإنما كما يقول العلماء: إن كان من تحدث بالمعروف، بالمعروف من ذلكم، كما مر: إن أردت أنك تمدح الطعام: «ما شاء الله، تبارك الله»، أو أنك تعزم كما مر: تعزم الآخرين «كلوا بسم الله، كلوا، تفضلوا، تفضلوا»، تتكلم في أثناء الأكل، أو يكون عن سؤال الحال: «كيف الحال؟ كيف الأولاد؟ كيف العيال؟»، وأنتم تأخذوا هذا بالمعروف، أو يكون فيه تعليم وإرشاد، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم لذاك الصبي: «يا غلام، سمي الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». لما وقع في خطأ في أثناء طعامه وتناوله لأكله، وعن ناس بأن ينبه على الخطأ الذي صدر منه. وهكذا، فإذا كان الكلام بالمعروف فيما يأتيه منفعة في دين أو دنيا، أو سؤال عن أحوال أو أخبار، لكن بالمعروف، إن هذا لا شيء فيه. وهذا، إخواني في الله، يجرنا إلى مسألة وهي أن المرأة في أثناء طعامها مع الآخرين تحرص على أنه يبتعد عما يكون فيه الأذية لهم، وهناك صور كثيرة نبه عليها العلماء على عدم فعلها في أثناء الاجتماع على الأكل، لما فيها من أذية واستخفاف للآخرين، وهكذا التنفير عن الطعام الذي يكون موجودًا. ولعل هذا يترك بإذن الله في درس غد لعدة صور التي يذكرها العلماء في هذا الباب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.