من أسباب الفلاح

المحاضرة بعنوان من أسباب الفلاح، والتي كانت بمسجد البحسني بمنطقة دفيقة المشراف بالشحر 22 صفر 1442هـ الموافق 9 أكتوبر 2020م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أسباب الفلاح والفوز بالجنة

يتناول هذا الفصل أهمية الفوز بالجنة والنجاة من النار، ويشير إلى أن الفلاح الحقيقي يكون برضوان الله وجنته. يُذكر أن الإيمان الصادق بالله وأداء الصلوات بخشوع وتحقيق الأمانات من أسباب الفلاح.

صفات المؤمنين الفائزين بالأمن والهداية وتحقيق الإيمان

يتناول هذا الفصل صفات المؤمنين الذين حققوا الإيمان ولم يلبسوه بظلم، مشيرًا إلى أهمية تحقيق التوحيد وإقامة الصلاة بخشوع. كما يبرز أهمية التعلم والدراسة لتجنب الشرك والابتعاد عن المعاصي واللغو.

أهمية حفظ اللسان وطهارة الكلام

يُنبه هذا الفصل إلى خطورة الكلام غير المسؤول وضرورة حفظ اللسان عن الخوض في الباطل، ويستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى أن إطلاق اللسان قد يؤدي إلى الهلاك، بينما يحث على طهارة اللسان وتطهيره من الذنوب والآثام.

تتمة الكلام عن صفات المؤمنين المفلحين

ذكر الله عز وجل صفات المؤمنين المفلحين، ومنها حفظ الفروج عن الزنا والفواحش، وحفظ الأمانات والوفاء بالعهود، والمحافظة على الصلوات. هذه الصفات تدل على عظم أمر الصلاة وعلى أهمية حفظ الأمانات والوفاء بالعهود.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلِح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعةٍ وكل بدعةٍ ضلالةٍ وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، بادئ ذي بدء، نشكر أهل هذا المسجد وأهل هذه القرية المباركة على تسهيلهم هذه الفرصة وهذا اللقاء المبارك الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله في ميزان حسناتهم. عباد الله، إن العبد المؤمن الحريص على نجاته وفلاحه وفوزه في الدنيا والآخرة ليسعى إلى الأخذ بالأسباب التي تنجيه من عذاب الله جل وعلا، والأخذ بالأسباب التي بها يتحقق له الفلاح في الدنيا والآخرة. وإن أعظم فلاحٍ وأعظم فوزٍ ينبغي أن يعتني به المسلم وأن يحرص عليه وأن يسعى إلى تحصيله هو الفوز بالجنة والنجاة من النار. قال الله جل وعلا: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. إذن، هذا هو الفوز الحقيقي، من زحزح عن النار أبعد عنها وكان في منأ عنها وفي بعدٍ عنها وعن أهلها. كما قال الله جل وعلا عن أهل الإيمان: ﴿لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون﴾. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، هذا هو الفوز الحقيقي والفلاح الحقيقي الذي ينبغي أن يتشرف له كل مسلم. ليس الفوز بنيل شيء من متاع الدنيا، ليس الفوز بنيل شهادة أو بنيل منصب أو بنيل رئاسة، وإنما الفوز هو الفوز برضوان الله جل وعلا، الفوز بنعيم الله وجنته والنجاة من عذاب الله وسخطه. هذا الفلاح له أسباب ينبغي أن يعتني بها المسلم في تحصيلها وتحقيقها في حياته الدنيوية حتى يفوز ويسعد سعادة لا شقاوة بعدها، وفوزًا لا خسارة بعده، وفلاحًا لا ندامة بعده. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، عطاءً غير مجذوذ. هذه السعادة الحقيقية. ونذكر في هذا المجلس بعض أسباب الفلاح التي أخبر بها ربنا جل وعلا في كتابه وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. فمنها ما ذكره الله جل وعلا في أول سورة المؤمنون، قال جل وعلا: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يريثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. فأخبر الله عز وجل في هذه الآيات بفلاح أهل الإيمان، قد أفلح المؤمنون، قد أفلح، أي قد تحقق لهم الفلاح. والفلاح هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب، الفوز فيما يرغب فيه الإنسان ويطلب ويسعى ويريد ويرغب، والنجاة من المرهوب مما يخاف ويفزع ويهرب. هؤلاء يخبر الله سبحانه وتعالى أنه تحقق لهم هذا الفلاح، من هؤلاء؟ قال: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾. إذا من أول صفات هؤلاء المفلحين هو الإيمان، هو الإيمان بالله جل وعلا، الإيمان بالله جل وعلا ربا وإلها، الإيمان بوجود الله جل وعلا، الإيمان بربوبية الله وأن الله عز وجل المتفرد بالخلق والملك والتجبر والتصرف في هذا الكون، فلا رب سواه ولا خالق غيره. والإيمان بألوهية الله وأن الله عز وجل الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون. والإيمان بأسماء الله وصفاته، وأن نُثبت لله جل وعلا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام من الأسماء والصفات، من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. هذا الإيمان الذي ينجو به المسلم من الكفر، فإن العبد لا ينجو من عذاب الله جل وعلا إلا إذا كان مؤمنًا. ولذلك كان الكافر من أهل النار ومن المخلدين فيها أبد الآباد. قال الله جل وعلا: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. هذا الإيمان الذي ينطق به اللسان ويقر به القلب وتعمل به الجوارح، الإيمان الصادق والإيمان الحقيقي، لا مجرد دعوى اللسان وتظاهر به. فإن هذا لا ينفع صاحبه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويصلون ويصومون مع الناس، لكن الإيمان لم يقر في قلوبهم، فلم يكن ذلك نافعًا لهم. قال الله جل وعلا عنهم: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾. يشهدون أن النبي عليه الصلاة والسلام رسول الله، لكن بأسنانهم فقط، أما في قلوبهم فهم يكفرون به ولا يؤمنون به، فلم ينفعهم ذلك. ولذلك يوم القيامة تنطفئ أنوار المنافقين، لأنهم كانوا في الدنيا يظهرون الإيمان في الظاهر فقط، فلم ينفعهم هذا الإيمان. قال الله جل وعلا: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم فيقال ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم فيقولون بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾. ما أبعد هذا بسبب كذبهم وعدم إيمانهم، عدم إيمانهم الصادق. إذا لابد من الصدق في الإيمان، إيمان لا يتخلله شيء من شوائب الشرك والكفر والشكوك والريب والنفاق والكذب، هذا الذي ينتفع به صاحبه، والذي به ينجو العبد يوم القيامة. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فلما كنا في بعض الطريق، قال: «فإذا راكب أقبل إلينا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كأن هذا الراكب إياكم يريد، فلما جاء سلم قال، فرددنا عليه السلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من عند أهلي وولدي وعشيرتي، قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: قد أصبته، قال: يا رسول الله، علمني الإيمان، ما الإيمان؟». انظروا يا له من حرص، وانظروا على الحرص على السؤال، السؤال عن أمور الدين، والتفقه في دين الله سبحانه وتعالى. ينبغي للمسلم أن يسأل عن أمور دينه حتى يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، لا يعبد الله على جهل، فيتخبط ويقع في الخطأ وفي البدع والمحدثات. أمر الدين أمر عظيم، لا ينبغي التساهل فيه. أنت في أمور الدنيا لربما لا تقدم على عمل من الأعمال إلا بعد أن تسأل وتفحص. إذا أردت شراء سلعة، تذهب تسأل هذا وتسأل هذا وتسأل ذاك، أيهما أفضل؟ ما هي السلعة الأفضل؟ ما هو النوع الجيد؟ ما هي صناعة الأصلية؟ وهكذا. ينبغي في أمور الدين، وهي أعظم، أن تحرص على أمور دينك، أن تسأل عما تعبده الله سبحانه وتعالى به. فسأل هذا الأعرابي النبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، ما الإيمان؟». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». ذكر له أركان الإسلام الخمسة. والإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، فيشمل أعمال الباطن، أي أعمال القلوب من التصديق والخوف والرهبة والخشية والإنابة والتوكل والرهبة إلى آخر ذلك. ويشمل كذلك أعمال الجوارح التي هي أركان الإسلام، من النطق بالشهادتين والصلاة والصيام وإيتاء الزكاة والحج. فلما ذكر له النبي عليه الصلاة والسلام أركان الإسلام وبيّن أن هذا هو الإيمان الذي ينبغي أن يؤمن به العبد، فقال الرجل: قد أقررت بهذه الأمور. فلما أراد أن يقوم وأن يذهب، برك ببعيره سقطت يد البعير في شبكة جرذان، أي حفرة للفيران. قال: فهوى البعير وهوى الرجل على هامته، أي على رأسه، فسقط فمات. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليّ بالرجل، فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، فأقعداه، وإذا به قد مات، قالوا: يا رسول الله، إن الرجل قد مات، فأعرض عنهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: أما تريان إعراضي عنكما؟ لقد رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه كان جائعًا». انظروا، لقد رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه كان جائعًا. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا والله من الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾». هذا الذي حقق الإيمان، لم يلبس إيمانه بظلم، أي بشرك في عبادة الله جل وعلا، حقق التوحيد لله سبحانه وتعالى، ومات على ذلك، فنال هذه المنزلة العظيمة، وهذا الفوز العظيم. وهكذا ينبغي للعبد أن يحقق الإيمان، حتى يكون من المفلحين، ويبتعد عن جميع صور الشرك، سواء كان من الشرك الأكبر أو كان من الشرك الأصغر. من عبادة غير الله ودعاء غير الله والذبح والنذر لغير الله والاستغاثة بغير الله واعتقاد النفع والضرر لغير الله. أو كذلك ما كان من الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله من غير تعظيم، أو كذلك كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر. وهذا لا شك أنه يحتاج إلى تعلم ودراسة. ثم قال الله جل وعلا مخبرًا عن صفات هؤلاء المؤمنين الذين تحقق لهم الفلاح، فقال: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. هذه أول صفة من صفاتهم بعد الإيمان، هو إقامتهم للصلاة بخشوع وحضور قلب وتدبر. قال الإمام الزهري رحمه الله: خاشعون، أي ساكنون في صلاتهم، أي لا يتحركون ولا يعبثون ولا يطربون. وقال قتادة رحمه الله: خاشعون، قال: الخشوع في القلب، أي حضور القلب، يصلون بقلوب حاضرة، بقلوب حية، تتدبر هذه الصلاة وتعقل هذه العبادة وتعظم هذا الموقف الذي تقف فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى. فهم يصلون بخشوع وحضور قلب وتدبر، وإقامة للصلاة كما أمر الله جل وعلا بأركانها وواجباتها، وإقامتها على ما أمر الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام. هذه الصلاة التي ينجو بها العبد ويفلح بها في الدنيا والآخرة، وهذا هو المطلوب، أنك تقيم الصلاة كما أمر الله جل وعلا. ليس المقصود أن تصلي فقط، ليس المقصود أن تؤدي الصلاة فقط، كما أن المقصود أن تقيمها كما أمر الله جل وعلا. بعض الناس قد يصلي وهو في الحقيقة لم يصل، يصلي وهو لم يصلي، حاله كحال المسيء في صلاته الذي لا يطمئن في ركوعه ولا في سجوده ولا في قيامه ولا في جلوسه. فكان هذه الصلاة وجودها كعدمها، المسيء في صلاته لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، ثم جاء يسلم عليه، قال: «ارجع فصل فإنك لم تصلي، فصلى المرة الثانية، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ارجع فصل فإنك لم تصلي، ثم جاء المرة الثالثة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع فصل فإنك لم تصلي». انظروا، هو يصلي ويظن أنه صلى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «إنك لم تصلي». كم من الناس حالهم كهذا الرجل؟ يصلون وهم في الحقيقة لم يصلوا؟ لماذا؟ لأنهم لا يؤدون الصلاة كما أمر الله جل وعلا. إذا ليس المقصود هو صورة الصلاة أو أنك صليت اسم صلاة، أنك صليت، لا، المقصود أن تؤديها بأركانها وواجباتها بخشوع وحضور قلب. هذه الصلاة التي تنتفع بها، ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. وبدأ الله عز وجل بالصلاة بعد الإيمان، لأن الصلاة من أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين هي الصلاة. ولذلك ذكرها الله عز وجل في هذا الموضع، في أول الآيات، في أول هذه الصفات، وختم بها كذلك هذه الصفات في آخرها، قال: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. ثم قال: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾. قال: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾. اللغو، أي الباطل، هؤلاء المؤمنون معرضون عن كل لغو، سواء كان هذا اللغو قولًا أو كان فعلًا. ولهذا من السلف من قال: اللغو هي المعاصي، ومنهم من قال: هي الشرك، وكل المعنيين صحيح. فالمؤمنون يعرضون عن جميع اللغو والباطل، من المعاصي والذنوب والآثام والسيئات، من الكلام الباطل، من غيبة ونميمة وكذب وقول زور، وهكذا أيضًا أعظم من ذلك وهو الشرك بالله جل وعلا. إذن هؤلاء من صفاتهم الإعراض عن الباطل بجميع صوره، الإعراض عن الباطل يحفظون ألسنتهم عما حرم الله جل وعلا. لأن إطلاق اللسان من أسباب الهلاك، من أسباب الهلاك والخسارة، ومن أسباب الفلاح إمساك اللسان وعدم إطلاقه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صمت نجا» رواه الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه في الترمذي قال: «يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». هذه من أسباب الفلاح والنجاة، أن تمسك اللسان، أمسك عليك لسانك، لا تطلق لسانك بالكلام والقيل والقال، فتتكلم بكلمة تكون سببًا في هلاكك في الدنيا والآخرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفًا» أي سبعين عامًا، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. سبعين عامًا يهوي في النار بسبب كلمة تكلم بها بلسانه، لم يبال بها، لم يبال بهذه الكلمة، أخرجها بكل سهولة وبكل ماذا يعني؟ بكل لين، ليس هناك عنده شيء يمنعه ولا يردعه من الكلام والتلفظ. فكان السبب في هلاكه، كم من الناس من ربما يسب ويلعن، ربما يسب الدين عياذًا بالله، أو يسب الرب جل وعلا عياذًا بالله، يتكلم بها ولا يبالي، ومعلوم أن هذه الكلمة عظيمة، هذه كلمة كفر تخرج صاحبها من دائرة الإسلام. يتكلم بها وكأنه لم يقل شيئًا، يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفًا. وفي حديث معاذ رضي الله عنه عند الترمذي لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟» لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر له أسبابًا من أسباب الفوز بالجنة، قال: «أو ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أمسك عليك هذا وأشار إلى لسانه، قال: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» يعني هل يدخل الرجل النار وتدخل المرأة النار وتكب على وجهها إلا بسبب ما تلفظوا به وتكلموا به بأسنانهم؟ إذا الأمر ماذا؟ خطير، ولهذا ينبغي أن يحبس هذا اللسان. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أشد ما ينبغي أن يحبسه الإنسان لسانه، اللسان يحتاج إلى حبس، لا يطلق له العنان يتكلم بما شاء، ينبغي أن يطهر يطهر من الذنوب والآثام». كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إن أعظم ما ينبغي أن يطهره المسلم لسانه، يطهر هذا اللسان». تقول عائشة رضي الله عنها، وذكر هذه الآثار الإمام البيهقي رحمه الله في كتاب الشعب، شعب الإيمان، تقول: «إنكم لتغسلون أيديكم أو تتوضؤون من الطعام الطيب تأكلونه، ولا تتوضؤون مما تتكلمون به من السوء» أو معنى كلامها رضي الله تعالى عنها. الإنسان يغسل يده، يغسلها يأكل الطعام الطيب، يأكل لحمًا أو غير ذلك، ثم يقوم يغسل يده ينظفها ويصفيها، وهو طعام طيب. ويتحدث بالكلمات العظيمة، ولا يغسل ثمه ولا يطهره من هذه الذنوب والخطايا. انظروا في حديث جندب في قصة الرجل الذي كان معه صاحب له في الصحيح، كان يلقاه على معصية الله فينصحه وينكر عليه، ولا يلتفت إليه حتى وجده يومًا من الأيام على معصية، قال: «يا هذا، اتق الله، فقال هذا العاصي: إليك عني، فإنك لم تبعث لي رسولًا أو تكون علي رقيبًا، فقال هذا الطائع: تكلم بكلمة أخطأ فيها، قال: والله لا يغفر الله لك، والله يحلف، قال: والله لا يغفر الله لك، فلما جمعهم الله عز وجل، قال ربنا جل وعلا: من ذا الذي يتألى عليه؟ من هذا الذي يحلف؟ من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ لقد غفرت له وأحبطت عملك». قال أبو هريرة رضي الله عنه: «لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، تكلم بكلمة خسر بها الدنيا والآخرة». انظروا إلى أسباب إطلاق اللسان، رغم يكون العبد على خير وعلى صلاح وعلى استقامة وعلى عبادة وطاعة، لكن يطلق لسانه فلا ينتفع بذلك. لا ينتفع بذلك المرأة التي ذكرت النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فلانة تصوم وتصلي وتتصدق، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا خير فيها، هي في النار». انظروا، ما نفعها هذه العبادات والطاعات مع إطلاق اللسان؟ إذا لابد من حفظ هذا اللسان، الإعراض عن كل باطل، لا يتكلم به المسلم. احذر من الغيبة والنميمة، الكذب، الزور، السب والشتم والطعن واللعن، إلى آخر ذلك من آفات اللسان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أصبح من آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». قال الله جل وعلا: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾. وقال: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾. قيل: المراد بالزكاة هنا زكاة النفس، أي أنهم يزكون أنفسهم بطاعة الله جل وعلا وبترك معصية الله سبحانه وتعالى. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. قد أفلح من زكا نفسه، زكاها بطاعة الله، بعبادة الله، زكاها بما يحب الله سبحانه وتعالى، زكاها باجتناب المعاصي والذنوب والمحرمات، فهذا مفلح. وقد خاب من دساها، دسا هذه النفس بالذنوب والمعاصي والآثام والمحرمات. قيل: هذا هو المراد بالزكاة في هذا الموضع. وقيل: المراد بها الزكاة المالية، أي زكاة المال، فهم يزكون أموالهم التي أوجب الله سبحانه وتعالى فيها الزكاة. وهذا قول أكثر أهل العلم، ولا مانع من حمل اللفظ على كلا المعنيين، هم يزكون أنفسهم بطاعة الله جل وعلا، ويؤدون الزكاة التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليهم، ولا يتخلفون عن ذلك، ولا يبخلون بما أوجب الله سبحانه وتعالى في أموالهم. والزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله جل وعلا، وهي من أعظم أركان الإسلام بعد الصلاة. وإذا أهملها العبد وتكاسل أو بخل عن إخراج ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه فيما أتاه الله جل وعلا من أموال، فقد عرض نفسه للعذاب والعقوبة. قال الله جل وعلا: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾. والكنز: كل مال لم يخرج العبد زكاته، فهو كنز، هذا جزاء ونتيجة من بخل عن إخراج الزكاة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى. أن يعذب بماله، يعذب بماله، ويكوى بماله الذي كان يخزنه ويحافظ عليه ويخاف من نقصانه أو من زواله أو من ذهابه، فيعذب به يوم القيامة. وجاء نحو ذلك في الصحيحين، عذاب هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم ذكر عذاب من ترك زكاة الإبل والغنم والبقر. إذن إخراج الزكاة من أسباب الفلاح. قال: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾. ذكر الله عز وجل بعد ذلك من صفات هؤلاء المفلحين المؤمنين أنهم يحفظون فروجهم عما حرم الله جل وعلا، يحفظونها عن الزنا، من الزنا واللواط وغيرها من الفواحش. ولا يستعملونها إلا فيما أباح الله سبحانه وتعالى لهم، من الزوجات وملك اليمين. ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾. أي لا لوم عليهم، فهذا مما أبيح لهم. ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾. أي المعتدون لحدود الله جل وعلا، والمرتكبون لما حرم الله سبحانه وتعالى. سواء كان ذلك بالوقوع في الزنا أو في الفاحشة، إتيان الذكور، أو كذلك بالاستمناء والعادة السرية. قد سدل الإمام الشافعي رحمه الله بهذه الآية على تحريم العادة السرية، لأنها تعتبر من ابتغاء ما وراء ذلك مما أباح الله سبحانه وتعالى. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة». ضمان من؟ من النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ضمان بدخول الجنة، من حفظ لي ما بين لحييه، أي فمه ولسانه، حفظه عن ما حرم الله سبحانه وتعالى، عن إطلاق اللسان فيما حرم الله، وعن دخول شيء إلى جوفه مما حرم الله جل وعلا. وما بين فخذيه، أي فرجه، من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فرجيه، فخذيه، أضمن له الجنة، أن يفوز بجنة الله جل وعلا. ولذلك في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه: «مر النبي عليه الصلاة والسلام لما أخذ عليه الصلاة والسلام في تلك الرؤية، قال: فأتيت على قوم في مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، قال: وإذا فيه لغط وأصوات صياح وبكاء، قال: وإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا يأتيهم لهب من أسفل ذلك التنور، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، يعني صاحوا، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء الزناة والزواني، هؤلاء الزناة والزواني يعذبون بهذا العذاب». انظروا إلى هذه العقوبة، لما مدوا أجسادهم وأبدانهم بما حرم الله جل وعلا لشهوة الزنا، كانت العقوبة أن تعذب هذه الأجساد وأن تذوق العذاب الأليم بسبب هذا الذنب، وهذه ماذا؟ المعصية. قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾. أيضًا من صفات هؤلاء المؤمنين حفظ الأمانات والوفاء بالعهود، يحفظون الأمانة، سواء كانت هذه الأمانة أمانة في الدين، فيما أوجب الله جل وعلا من الفرائض والواجبات. فإن جميع الفرائض من الأمانة التي أمن الله بها جل وعلا العبد في هذه الحياة الدنيا. ﴿إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملناها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا﴾. أو كانت الأمانات الأموال، كالوديعة والعارية ونحو ذلك، إذا أمنوا في شيء من ذلك لم يخونوا الأمانة، يؤدون لأصحابها. ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. فهؤلاء يؤدون الأمانات إلى أهلها، لا يخونون في الأمانة، كما هو حال أهل النفاق. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «آية منافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. هذه صفات المنافقين، يخونون الأمانات، بعض الناس عياذًا بالله على هذا الوصف، ما عنده حفظ الأمانة، إذا أمن في شيء فإنه سرعان ما يخون، وهذا لا شك أنه من ضعف الإيمان، من ضعف الإيمان وقلته. وهكذا أيضًا لا يغدرون في العهود، بأماناتهم وعهدهم راعون، أي محافظون. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. وقال جل وعلا: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾. فالمؤمن يفي بعهده حتى لو كان عهده مع الكافر، فإنه لا يغدر به، لا يغدر به، بل يوفي له عهده كما أمر الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿فاستقيموا لهم كما استقاموا لكم﴾. وهكذا أيضًا إذا خالف وغدر في عهده فهو فيه خصلة من خصال أهل النفاق، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، وذكر منها: إذا عاهد غدر، إذا عاهد غدر، يغدر في العهد ولا يفي به، ليس هذا من صفات المؤمن يوم القيامة، هذا الغادر يفضح». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يرفع لكل غادر يوم القيامة لواء تحت استه، أي في مؤخرته لواء وراية، مكتوب فيها: هذه غدرة فلان، فلان ابن فلان، يفضح على رؤوس الأشهاد بسبب غدره». إذا المؤمن لا يغدر في عهده، ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾، أي محافظون لأماناتهم ومحافظين لعهودهم. ثم ذكر الله جل وعلا في ضمن صفات هؤلاء المؤمنين المفلحين محافظتهم على الصلوات، قال: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾. فبدأ الله عز وجل هذه الصفات بالصلاة، وختمها كذلك بالصلاة، بالصلاة، وهذا يدلنا على عظم أمر الصلاة عند الله سبحانه وتعالى. قال هنا: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾، أي مداومون ومستمرون على أدائها، وعلى إقامتها، وعلى فعلها في بيوت الله جل وعلا، كما أمر الله عز وجل وأمر رسوله عليه