الدرس في تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن النظر والاعتبار في خلق الله وتفسير الآيات المتعلقة بنعيم أهل الجنة، وعلاقة ذلك بالإيمان. يبين أهمية التأمل في خلق الله للوصول إلى الإيمان.
يتحدث عن الإبل والجبال والأرض كآيات من آيات الله التي تدل على قدرته ووحدانيته، ويبين منافع الإبل وخصائصها الفريدة.
يناقش تفسير الآية الكريمة ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ويبين أن الأرض كروية الشكل مستدلًا بالقرآن والسنة، وأن ظاهر الآية لا يعني أنها مسطحة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا ولازلنا، إخواني، في سورة الغاشية، ومضى معنا ما يتعلق بوصف أهل الجنة، كما جاء في هذه الآيات الكريمات، فيها عين جارية، فيها سرور المرفوعة، وأكواب الموضوعة. وأشرنا إلى ما تتعلق به من كلمات ومعان. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، قال: ونمارق وسائد مصفوفة، بعضها بجنب بعض، يستند إليها، وهذا توصيف جميل جليل لأهل الجنة، وأنهم في الجنة، وهم في أماكن اجتماعهم على الأسرة، سيجدون أن الوسائد -وليست وسائد الدنيا- نتحدث عن وسائد ليس لها نظير ولا مثيل، الله أعلم بعظمتها وكنهها، لكنها وسائد أعدها الله عز وجل لأهل الجنة، وأنها مصفوفة، أي أن بعضها بجنب بعض، بمعنى أنه لا يحتاج إلى أنك تهيئها، هي مهيئة، فقط تأتي أنت وتجلس في المكان الذي تريده، وإلا قد هيئت. وهذا كله لنعيم وتنعيم أهل الجنة. قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، قال: وزرابي بسط تنافس لها خمل مبثوثة، مبسوطة. والزرابي -قال هنا- بسط، بمعنى فرش، بمعنى في لغتنا سجاجد، سجادات قد فرشت هنا وهنا، مبثوثة. قال رحمه الله: مبسوطة، وهي كذلك من أعظم -كما قال علماء- هنا والزرابي، كما قال جماعة من الشراح، أعظم وأغلى وأعلى صور الفرش التي يفترش بها. طبعًا هذا وصف في الدنيا، أما في الآخرة الله أعلم بصفة هذه البسط والسجاجيد. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، قال: أي كفار مكة، نظر اعتبار إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت. قال: أي بسطت. هنا هذه الآيات أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في نسق واحد في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾، أي كفار مكة، نظر اعتبار. هنا مسألة كنا معكم في الآيات السابقة في درس أمس وقبل أمس مع هذه الآيات في وصف أهل النار، ثم ما كان من وصف أهل الجنة. الآن انتقل سياق القرآن إلى مسألة النظر والاعتبار. هل لهذا علاقة؟ هل لهذا علاقة بالنقلة من وصف الجنة والنار إلى مسألة النظر والاعتبار؟ نعم، هناك نقلة ولها علاقة عظيمة. ما هي العلاقة؟ أراد الله عز وجل أن يعطي فرصة للكفرة الذين توعدهم الله عز وجل بنار تلظى، جهنم، تصلى، يسقون فيها من عين آنية، لا وفيها طعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. هذه المهالك، هذه المهالك التي ستأتيكم، وهي آتية يا كفار، النجاة منها بماذا؟ بالإيمان. النجاة منها بالإيمان. ومن أعظم ما يدعو إلى الإيمان بالله النظر والاعتبار والتفكر. هنا المدخل. فهذه -كما يقال- فرصة للكافر الذي بلغ من عتوه ما بلغ، يقال له: يا عبد الله، تأمل، لا زلت في الدنيا على فسحة، تأمل في خلق الله، تأمل في ملكوت الله، تأمل في كون الله، تأمل في كل ما أوجده الله، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، حتى في نفسك، لا تذهب بعيدًا، تأمل في أعضائك، في حواسك، في حركاتك سكناتك، في روحك التي بين جنبيك، من الذي أودعها؟ من الذي خلقها فطرها سواها؟ هو الله. فالإنسان لو تبصر بهذه المسألة لكان ذلك كافيًا في إيمانه. إذن هنا المشهد، أو هنا المسألة الذي كان فيها ذكر النظر: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾، أي كفار مكة، نظر اعتبار إلى الإبل كيف خلقت. ذكر ربنا عز وجل هذا الكائن كأنموذج، كأنموذج عن باقي الكائنات والدواب. طبعًا هذا الاختيار لحكمة، لحكمة، فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الإبل والجمل والناقة كلها مسمى لشيء واحد، أن هذا الحيوان فيه من المنافع ما ليس لغيره، فيه من المنافع ما ليس لغيره. فمن أكثر الحيوانات منفعة للإنسان، زد على ذلك أنها من أكثر الدواب التصاقًا بالناس، مع ما كان من كثرة منافعها، ومن كثرة ومن عظيم ما تميزت به، إذ أنها من المخلوقات العظيمة، حجمه كبير جدًا، ليس كالذي مثل البغل أو مثل الحمار أو مثل الشاب، البعير أضعاف أضعاف أضعاف حجمه عظيم جدًا، ومع عظمته إلا أن صبيًا صغيرًا يمكن أن يقوده يمينًا ويسارًا كما يفعل الرعاة، صغير الجسم يقود كبير الحجم. وهذا الحيوان أودع الله عز وجل فيه من الأسرار ما الله به عليم، فهو قادر على أنه يحمل الحمولات العظيمة وأين؟ في مسافات طويلة، يذهب به إلى الأسفار يمنة ويسرة. ومن عظيمي ومن غريبي في أمر الإبل أنه يمكن أنك تحمل عليه وهو بارك، وقد لا يتأتى هذا مع أي حيوان، الخيل مثلًا ما تبرك، وإنما تطرح عليها الدواب تطرح عليها الأغراض وهي قائمة على سوقها، إلا الإبل فإنها تبرك في الأرض ثم تطرح ما شئت، اطرح ما شئت، ثم في لحظة تقوم تنهض بهذه الحمولة الضخمة على ظهرها ولا تتعثر، سبحان الله، هيئة الله عز وجل، نهيك عن قدرته على الصوم، فهي تصوم أو تكف عن الطعام ما بين أسبوعين إلى شهر، وأما الصبر على الماء تصبر ما بين عشرة أيام إلى أسبوعين بلا ماء، بلا ماء، وبالك بما أوضعه الله في سنامها من هذه الخزانات الضخمة، ولهذا تسمى بسفينة الصحراء، سفينة الصحراء، ارمها في الصحراء واتركها، فما تضيع معها، تأكل أشواكًا، حتى أن فمها ميزه الله عز وجل أنه يستطيع أن يأكل الشوك ولا يضره الشوك اليابس. وأما الماء فعنده الخزانات الذي إذا امتلأت ماء استطاع أن يعيش بها فترة من الزمن، حتى أن اللقطة لما جاء السائل يسأل نبينا عليه الصلاة والسلام عن لقطة الإبل، قال: «دعها، اتركها، ما أحد يأخذ الإبل، فإن معها سقاءها وحذاءها، معها الذي يكفيها، ما هي تحتاج لأحد يرعاها، هي ترعى نفسها بنفسها». فالإبل -إخواني- لها شأن عظيم جدًا، ناهيك عما كان من فوائد ألبانها، بل حتى أبوالها، فيها من فوائد، وإلى حيوان مبارك ولهذا جعله الله عز وجل أنموذجًا للحيوان الذي ينبغي أن يضرب به المثل في عظيم قدرة الله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، تأمل -يا عبد الله- فيها. ولا زالت البحوث العلمية إلى هذه الساعة وهي تطل علينا بعظيم الفوائد الذي تكتشف من هذا الحيوان. ثم قال ربنا: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، كذلك الجبال آية من آيات الله، جعلها الله مستودعًا للأحجار والمعادن، وكذلك الرواسي ترسي هذه الأرض فتمنعها من الاضطراب مع كثرة المياه الموجودة على وجه الأرض، لكن الأرض ماذا؟ لا تضطرب على أهلها بفضل ما جعل الله في هذه الرواسي. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، أي أنها محلا للنظر والتأمل، وكذلك حامية لكثير من المدن والأقاليم والقرى من الأعاصير، يأتي إعصار شديد، وكم هدمت الأعاصير على جزر وعلى مدن، لكن بفضل الله وبفضل هذه الجبال كان ذلك رادعًا من دخولها ومن استحكام سيطرتها على تلكم البلدة. ثم قال سبحانه: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، قال هنا: أي بسطت. قال: فيستدل بها على قدرة الله ووحدانيته، وبدأ بالإبل لأنهم أشد ملابسة لها من غيرها. قال: وقوله «سطحت» ظاهر في أن الأرض سطح، وعليه علماء الشرع، لا كرة كما قاله أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركنًا من أركان الشرع. هذه الآية أن أقف عندها، أختم بها المقام في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، سطحت الأرض مسطحة بنص هذه الآية. لكن ما معناها؟ المؤلف جلال الدين رحمه الله يرى أن الأرض مسطحة، أي مستوية، وليست كروية، ليست كروية. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. الأرض كروية، الأرض كروية، ودلت عليها الأدلة الكثيرة جدًا في القرآن وفي السنة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾، هذا فعل الرب عز وجل في الليل والنهار، التكوير والتكوير بمعنى التدوير، هذا في اللغة، تكوير يكور الله الليل على النهار والنهار على الليل، إذن هي حركة دائرية، فلا يقال بأن الأرض مسطحة. نعم، هي دعوة قيلت قديمًا، وفي الآونة الأخيرة أصبحت تظهر على السطح أن الأرض مسطحة، وأن دعوة من دعا أن الأرض كروية هذا افتراء. لا تتعجل -يا عبد الله- ولا تنصاغ لكل جديد، لا تنصاغ، عندك أدلة الشرع وترجع لشرعك حتى تعرف الصواب. فأدلة القرآن أثبتت على أن الأرض كروية. والأرض بعد ذلك دحاها، قالوا علماء: أي جعلها كروية دحاها. وأيضًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾، مدت، أي بسطت، هذا متى؟ يوم القيامة، معناها مفهوم الآية أنها قبل ذلك لم تكن مبسوطة وإنما تمد وتبسط يوم القيامة، في الدنيا لا، فهي كروية على ما يذكر العلماء. وأيضًا كما قال علماء: بدليل المشاهدة، لو أن إنسانًا مشى -مثل أنا الآن قمت ومشيت إلى خط مستقيم من غير انقطاع- أمشي وأمشي وأمشي وأمشي، ولا أحد يقطع طريقي أبدًا، إذا تريدت أمشي إلى أين سأنتهي؟ سأجد نفسي أني سأرجع إلى هذا المكان، سأجد نفسي أني سأرجع إلى هذا المكان. قال: وهذه المشاهدة تدل على أن الأرض تدور كروية في نفسها، وليست مستديرة، لأن المسطحة معناها في نهايتها حواف وهاوية، لكن هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. ولهذا يقول الإمام السعدي رحمه الله تعالى معلقًا عند هذه الآية، قال في مسألة كروية الأرض، قال رحمه الله تعالى: «واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها كما دل على ذلك». طبعًا معناها الأرض مسطحة لهذه الآية، والأرض إذا سطحت ما ينافي أنها مدورة كما سيأتي معنا في أقوال العلماء ما ينافي. فقال رحمه الله تعالى: «واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة قد أحاطت الأفلاك -أي الكواكب والمجرات والشموس والأقمار- قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كل هذه المصادر دلت على كروية الأرض». قال: «النقل والعقل والحس والمشاهدة، بل من أهل العلم من ادعى الإجماع على أن الأرض كروية». وقد سئلت الفتوى اللجنة الدائمة للإفتاء حول هذه المسألة: هل الأرض مسطحة أم كروية؟ فأجابوا بإجابة من أربع كلمات، فقالوا في فتواهم: قالوا «الأرض كروية الكل مسطحة الجزء». كيف كروية الكل؟ أي أن الأرض بشكلها العام هي كروية، لكن من حيث الجزئية مسطحة، مثل الآن أنا في بلادنا تنظر مسطح، سطح مسطحة، لكن هذا التصطيح جزئي، جزئي، لكن إذا كبرت الصورة أكبر فأكبر ورأيت الصورة الأكبر الأرض كلها تجدها أنها دائرية. فتحفظ هذه الفتوى من فتوى اللجنة الدائمة لهذه المسألة الدائرة، وخاصة في هذه الآونة هل الكرة الأرضية مسطحة أم مستديرة؟ قل كما قال العلماء: بأن الأرض كروية الكل مسطحة الجزء. هذا معنى قول ربنا عز وجل جل في علا: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. وإن شاء الله نكمل بقية في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.