التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 18

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم الرشد والغي في الإسلام

الرشد يعني حسن التصرف في كل مقام، بينما الغي يعني سوء التصرف وضد الرشد. يتضمن الرشد في العبادات والمعاملات المالية.

صفات من يضيعون أمر الله تعالى

من يضيع أمر الله يغش نفسه ويكون بطيئا في الطاعات وسريعا في المعاصي، مع انتقاد ادعائهم بأنهم عارفون رغم صفاتهم القبيحة. يشبه إقبالهم على المعاصي بسيل متدفق.

أثر الجهل والظلم على ضلال الإنسان

الجهل والظلم يؤديان إلى ضلال الإنسان وفساده، حيث يجهل الحق ويظلم نفسه بارتكاب الذنوب والمعاصي. الإنسان الجاهل والظالم عرضة للهلاك.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشير إلى نهاية الدرس والدعاء للمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: «مطيع لداعي الغي عاص لرشده، إلى ربه يوما يرد ويعلم». قال علامة من عثيمين رحمه الله: يعني رحمه الله أن الإنسان أيضا يطيع داعي الغي ويعصي داعي الرشد، أي داعي الغي الذي يدعوه إلى الغي والمعاصي والذنوب، وقد يراد بذلك قرين الإنسان من الشيطان من الجن الذي ربما يحثه على فعل المعصية والذنب، ويدرك داعي الخير وهو قرينه من الملائكة الذي يأمره بالخير وبطاعة الله سبحانه وتعالى، فيطيع داعي الغي الذي يأمره بالغواية وفعل الذنوب والخطايا وترك سبيل الرشد والهداية. قال رحمه الله: والرشد في كل مقام يجمعه معنى واحد، وهو حسن التصرف، وذلك في كل مقام بحسبه. ففي باب العبادة، الرشد هو أن يقوم الإنسان بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، يعني أن يحقق العبودية لله جل وعلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي ولزوم طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. قالوا: في باب المال، الرشد هو أن يبيع ويشتري ويؤجر ويستأجر بدون غبن، يعني من غير أن يخدع. فإذا كان يحسن التصرف في البيع والشراء، فلا يشتري الشيء الذي ثمنه قليل بثمن مرتفع، أو يبيع الشيء الثمين بثمن زهيد، هذا يعتبر غير رشيد، يسمى سفيها لا يحسن التصرف، يحجر عليه ويمنع من التصرف. يبيع السلعة التي قيمتها عشرة آلاف بألف أو بألفين، هذا ما يحسن التصرف، ويشتري السلعة التي قيمتها ألف أو ألفين بعشرة آلاف، هذا سفيه لا يحسن التصرف. قالوا: أما الغي فهو ضد الرشد. ثم قال رحمه الله: «مضيع لأمر الله قد غش نفسه مهين لها أن يحب ويكرم». قالوا: هذا صحيح، فإن الذي يضيع أمر الله هو في الحقيقة غاش لنفسه، أكبر غش، لأنه يخدعها ويمنيها ويقول: أتوب غدا، ونحن في مهلة، وما أشبه ذلك، فيهوي حيث من حيث لا يدري، فهو يغش نفسه بالاستدراج والتدرج بفعل المعاصي والذنوب شيئا فشيئا حتى ينهمك فيها ويهلك بسببها. قال رحمه الله: «بطيء عن الطاعات، أسرع للخنى من السيل في مجراه لا يتقسمه». وهذا منه رحمه الله مثال لحال هذا الذي يقبل على الذنوب والمعاصي ويسارع في فعلها ويبادر إلى ارتكابها، فهو أسرع من السيل في مجراه. السيل عندما يأتي كما تعلمون يندفع بقوة ويجري في مجراه في واديه، إذا لم يتفرع، إذا لم يكن للسيل فروع، فإنه يندفع بقوة، بخلاف لو كان له فروع فإنه يضعف. وهو يمثل رحمه الله حال هذا المقبل على الذنوب والمعاصي بحال السيل عندما يأتي ويندفع بقوة لا يتقسم ولا يتجزأ. قال رحمه الله: قوله «لا يتقسم» يعني أنه يأتي باندفاع واحد، وكلما أتى السيل في اندفاع واحد صار أقوى، وكلما توزع وتفرق صار أخف. فهو يقول: إنك بالنسبة للخنى، وهو الفساد والمعاصي والفجور، أسرع من السيل في مجراه، وبالنسبة للطاعات بطيء في الطاعات، تكاسل ويتعذر، وفي المعاصي يقبل عليها إقبالا كليا وبسرعة وقوة. قال رحمه الله: «وتزعم مع هذا بأنك عارف، كذبت يقينا في الذي أنت تزعم». قال رحمه الله: هذا مشكل، إذ كيف يتصف الإنسان بهذه الصفات القبيحة ثم يدعي بعد ذلك أنه عارف. ومثل هذا له نصيب من قوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾. وما ضاع الناس إلا بمثل هذا. ولو أن الإنسان عرف نفسه وعرف أنه ضال وأنه ليس على هدى، سهل عليه أن يتعدى ذلك. فالمشكل هو أن يبقى الإنسان في غيه ثم لا يظن أنه على خطأ، فهذا هو البلاء بعينه، يعني ينهمك في الذنوب والمعاصي والغفلة عن طاعة الله وعبادة الله والعمل للآخرة، ويغفل ويجهل أنه في غي وأنه في ضلال وأنه في انحراف، ويظن أنه على خير وأنه على شيء ينتفع به، فيكون ذلك سببا في غيه وضلاله. قال رحمه الله: «وما أنت إلا جاهل ثم ظالم، وإنك بين الجاهلين مقدم». قوله «وإنك» يصلح أيضا أن تقول «وأنك»، ويكون المعنى: وما أنت إلا أنك بين الجاهلين مقدم، يعني يجوز الكسر على أن الواو في قوله «وإنك» واو الحال، والفتح لأنها عاطفة «وإنك»، ويجوز «وأنك». قال قوله «جاهل» يعني لا تعلم، يعني المراد هنا جهل العلم والعمل، جهل العلم والعمل. وقوله «ظالم» يعني لا تعدل. وبهاتين الصفتين يحصل الخلل وتضيع الأمانة كما قال الله جل وعلا: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾. فما أوقعه في هذا إلا الجهل والظلم، إلا الجهل والظلم، فهو جاهل ترك العلم والعمل، وظالم لنفسه بانهماكه في ذنوب والمعاصي التي تكون سببا في هلاكه. قال رحمه الله: «فبالجهل والظلم يكون الفساد». فبالجهل لا يدري الإنسان ما هو الحق حتى يتبعه. فإذا جهل العلم جهل العمل، يعمل بماذا هو جاهل؟ فهنا حصل الجهل من جهتين: من جهة العلم، ومن جهة العمل. وبالظلم يعلم ولكنه لا يعدل، بل يظلم. وإن كان يعلم الحق يعني وإن علم الحق ولم يعمل به فوظالم، فقد وقع بالظلم لأنه ظلم نفسه بعدم الأخذ بهذا الحق والعمل به. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.