الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسعى أهل الباطل لتحريف أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتشكيك في ثبوتها، ويحرفون معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإنكار صفات الله تعالى. يرفضون الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة بينما يقبلونها في الفقه.
يناقش المقطع تناقض المعتزلة في قبول أحاديث الآحاد في الفقه ورفضها في العقيدة، ويستدل على ذلك بمثال دعاء الاستعاذة من أربع في الصلاة. يبين أن هذا التناقض يدل على خلل في منهجهم.
يشرح كيف أن قلوب أهل البدع والمعاصي تصبح غير قادرة على فهم الحق، وأن التأويل الحقيقي هو التفسير الصحيح لما أراده الله ورسوله. يجب على الإنسان أن يسأل الله تعالى الهداية وأن يصرف قلبه إلى طاعته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: «وتفهم من قول الرسول خلاف ما أراد؛ لأن القلب منك معجم» يعني أعجميًا بسبب الهوى. قال: يعني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال قولًا، فإن هذا الصنف من الناس يفهم منه خلاف ما أراد صلى الله عليه وسلم. وأهل الباطل بالنسبة لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم يسعون أولًا إلى إبطالها والتشكيك في ثبوتها. فيقولون: مثلا هذه أخبار آحاد لا تفيد القطع، فلا يجوز أن نبني العقيدة عليها. وزعموا أن العقيدة لا تثبت إلا بما روي متواترًا. وأما ما روي آحادًا -يعني ما رواه إلا الواحد أو الاثنان أو الثلاثة، العدد الذي لم يبلغ حد التواتر- قالوا: فإنه لا تثبت به العقيدة. وهذه عقيدة المعتزلة ومن أخذ بها من بعض العقلانيين. وردوا بناء على هذه القاعدة الفاسدة الدامرة الخارجة أشياء كثيرة من أحاديث الصفات الذاتية والفعلية، بناء على أنها أخبار آحاد لا تفيد القطع. فأنكروا صفات الله سبحانه وتعالى الكثيرة الثابتة في السنة، بل حتى كذلك ثابتة في القرآن. فالتي في القرآن حرفوها وعطلوها ونفوا ما دلت عليه من الصفات، والتي في السنة قالوا: أحاديث آحاد لا تثبت بها العقيدة. قالوا: العقيدة لا بد فيها من القطع -يعني كما زعموا- وكأنهم نسوا قول الله عز وجل: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. فمقام الرسالة مقام عقيدة -يعني مع ذلك- كانوا آحادًا، الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل وأمر بطاعتهم والإيمان بهم واتباعهم. كانوا آحادًا، كان يرسل ربنا جل وعلا رسولًا إلى قومه رسولًا واحدًا وأحدًا، ومع ذلك أوجب الله عز وجل طاعته والإيمان به واتباعه، وحذر من الكفر به ومخالفة أمره. فمقام الرسالة من المقامات العقيدة العظيمة، ومع ذلك فكان الرسل آحادًا. قال: وقال أيضًا: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ومن المعلوم أن خبر غيرك لا يفيد القطع عندك، وإنما يفيد الظن أو غلبة الظن. يعني: من أخبرك بخبر، وهذا المخبر هو واحد، خبره هذا يحتمل اليقين أو يحتمل الظن، إنما يفيد الظن أو غلبة الظن -يعني يغلب على الظن صدق خبره- يغلب على الظن صدق هذا الخبر. وعلى كل، إنفاء التفريق بين أحاديث الآحاد في قبولها والعمل بها في باب الفقه، وقبول ما دلت عليه في باب العقيدة، هذا من بدع المعتزلة. قال: إذن هذا هو أول معول يهدمون به النصوص -يعني يزعموا أنها آحاد ولا تثبت العقيدة بأخبار الآحاد- وهذا يعني قول محدث، قول محدث ويضطربون فيه اضطرابًا شديدًا وعظيمًا. الآن: يثبتون حديث أبي هريرة -مثلا- الذي في الصحيحين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع». فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». هذا دعاء أمر به النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله المصلي بعد التشهد. طيب: هذا الآن دعاء -يعني يقال في الصلاة- طيب: هل نعمل به؟ سيقولون: نعم، هو في باب العبادة لا بأس في باب العمل. طيب: ما دل عليه من العقيدة من ثبوت عذاب القبر وفتنة المسيح الدجال، يقولون: لا، أما ثبوت به العقيدة، هذا خبر أحد لا نثبت به العقيدة. وهذا تناقض، هذا تناقض. كيف نقبله في العمل به ولا نقبل ما دل عليه من أمور العقيدة؟ قال: فإذا عجزوا عنه بأن كانت النصوص متواترة، عمدوا إلى أمر آخر وهو التعطيل والتحريف -يعني إذا كان الخبر ثابت إما في القرآن لكونه متواتر أو في أحاديث رؤية متواترة- فحينئذ ينتقلون إلى أمر آخر لرد هذه النصوص، وهو بتحريفها وتعطيلها. قال: ولكنهم يقولون التأويل ليخف الأمر -يعني يسمون هذا التحريف تأويلًا- قال: إذ لو قالوا: إنه تحريف نفر الناس منهم، وما قبلوا منهم صرفًا ولا عدلًا. ولذلك فهم يقولون التأويل من باب التلطيف، من باب التلطيف والتدليس على الناس حتى يقبلون باطلهم. قالوا: نحن نقول: إنه تحريف لا أنه تأويل؛ لأن التأويل هو أن يفسر كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو التأويل الحقيقي الصحيح. فلا يأتي تأويل معنى التحريف أبدًا. التأويل لم يرد في الشرع إلا بمعنى التفسير، إلا بمعنى التفسير، وبمعنى ما تأول إليه الأمور -يعني حقائق الأمور- وما تأول إليه. أما تأويل بمعنى التحريف هذا لم يرد في الشرع، وإنما هذا من استعمالات أهل الكلام وأهل التعطيل الذين عطلوا النصوص، حرفوها وسموا ذلك تأويلًا. قال: فأهل البدع يفهمون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن القلب قد أعجم فصار معجمًا لا يفهم. كالأعجمي الذي لا يفهم العربية إذا كلمته باللغة العربية ما يفهم؛ لأنه ما يفهم هذه اللغة. وهكذا قلوب أهل الأهواء وأهل البدع، وهكذا أهل المعاصي والشهوات، هي كالأعجمية التي لا تفهم ما يقال لها، ولا تفهم كلام الله سبحانه وتعالى لما غلب عليها من الهوى. قالوا: لهذا يجب على الإنسان أن يكون دائمًا يسأل الله تعالى أن يفتح عليه، وأن يصرف قلبه إلى طاعته. طيب: نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. شكرًا للمشاهدين.