الدرس في التعليق على أصول في التفسير 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش ترتيب القرآن الكريم وأنواعه، ويبرز أن ترتيب الكلمات والآيات توقيفي من النبي عليه الصلاة والسلام. يُشدد على عدم جواز التغيير في هذا الترتيب.
يتناول بالتفصيل ترتيب الآيات والسور، موضحًا أن ترتيب الآيات توقيفي بينما ترتيب السور اجتهادي من الصحابة. يشمل أيضًا أمثلة على الآيات الناسخة والمنسوخة.
يبحث في آراء العلماء حول ترتيب السور، ويبين تقسيم القرآن إلى أربعة أقسام. يُوضح استحباب اتباع ترتيب المصحف عند قراءة القرآن.
يشرح جواز قراءة سور القرآن بغير ترتيبها في الصلاة، ويبين أن الأفضل هو القراءة على الترتيب الموجود في المصحف، وأن الترتيب مستحب وليس بواجب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، صلى الله عليه وسلم. وفعل ترتيب السؤال طيب. قال المنف رحمه الله: ترتيب القرآن... قال: ترتيب القرآن تلاوته تاليا بعضه بعضا، حسب ما هو مكتوف في المصاحف ومحفوظ في الصدور، وهو ثلاثة أنواع. النوع الأول: ترتيب الكلمات، بحيث تكون كل كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابت بالنص والإجماع، ولا نعلم مخالفا في وجوبه وتحريم مخالفته. فلا يجوز أن يقرأ "لله الحمد رب العالمين" بدلا من "الحمد لله رب العالمين". ذكر ترتيب القرآن بعدما ذكر ترتيب نزوله وأحكام نزوله. وما ذكر في نزوله ذكر هنا ترتيب القرآن، الترتيب الذي رتب عليه هذا القرآن. من الذي رتبه؟ هل هو من الشرع، رتبه النبي عليه الصلاة والسلام، أم باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم؟ لا شك أن القرآن بعد ما كتبه عثمان وأرسله لم يزاد فيه ولا نقص، ولم يرتب غيره. لكن هل هذا الترتيب من النبي عليه الصلاة والسلام أو من الصحابة؟ فالترتيب هنا على ثلاثة أنواع. أولا: ترتيب الكلمات، ترتيب الكلمات التي في الآيات. فهذه الكلمات هي من الله عز وجل، أنزلها هكذا، كتبها النبي وأمر بها بكتابتها النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه لا يزاد فيها ولا ينقص، ولا أيضا يقدم ويؤخر فيها. بل من فعل هذا تعمدا فقد كفر بهذا. ذكر بعض العلماء، كما ذكر الحافظ ابن قدامة المقدسي رحمه الله، أن العلماء قالوا: من زاد حرفا في القرآن متعمدا فهو يكفر بذلك، لأن زيادة حرف في القرآن له معنى خاصة في القرآن فيه تحريف لكلام الله متعمدا وزيادة حكم. وهذا لا يجوز. بل إن الإنسان لو زاد بدون أن يذكره في القرآن، كان إذا حلل حراما وحرم حلالا مجمع عليه، كان كافرا. فكيف بالذي يحرف القرآن؟ ﴿ولا تصفوا ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾. ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾. طيب، هذا في ترتيب الأحرف أو الكلمات، لا يقدم كلمة على كلمة. والترتيب الثاني: ترتيب الآيات. ترتيب الآيات هل هو من النبي عليه الصلاة والسلام؟ من الشرع أيضا كذلك. اتفق العلماء على أنه من الشرع، لا يجوز أن يقدم آية على آية. هذا ترتيب الآيات جاء من النبي عليه الصلاة والسلام، هو الذي يقول لهم: "اكتبوا هذه الآية في سورة كذا، اكتبوا هذه الآية في سورة كذا". فالترتيب ترتيب الآيات على ما رتبه النبي عليه الصلاة والسلام. لكن بعض الآيات نسخت، وقد تكون هناك آيات زائدة في بعض المصاحف، كمصحف أبي، فيه آيات زائدة في سورة الأحزاب، وكذلك بعضها آيات في سورة البينة. لكن نسخت، وأبي رضي الله عنه لم يعلم بنسخها، فبقيت في مصحفه. هناك الصحابة لهم مصاحف، مصحف أبي، مصحف عبد الله بن مسعود، مصحف عثمان، مصحف علي، وابن مسعود رضي الله عنهم جميعا. ففي مصحف أبي بعض الزيادات، ليس أنه مثلا زادها بنفسه، هي من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن نسخت وهو لا يعلم. خلاصة الأمر أن الترتيب ترتيب الآيات بحيث تكون كل آية في موضعها من السورة، وهذا ثابت بالنص والإجماع. النص معنا من النبي عليه الصلاة والسلام، وإجماع الأمة. وهو واجب على القول الراجح. أن هذا في مسألة قراءته، هل له أن يقدم آيات على آيات؟ فهناك تفصيل عند العلماء. فمن قائل أنه ليس بواجب ترتيب الآيات، لكن الترتيب هذا من الشرع. لكن في القراءة مثلا، لو يقرأ في القرآن مثلا قدم آية على أخرى، عندهم بعضهم ما في شيء. وأكثر العلماء أنه لا يجوز تقديم آية على آية، بل هو واجب الترتيب، ويحرم عد الترتيب. وبعض العلماء قال: إن كان لا تغير في المعنى، والآية الأخرى ليست في صدد الآية هذه التي قدمها، معناها هذه آيات مثلا في الحج، وهناك آيات أخرى في القتال، فقدم مثلا آيات الحج، قدم آيات القتال على آيات الحج، فهل هذا يصلح؟ فبعض العلماء قال: مثلا هذا إذا كان ما له تعلق بهذه الآيات، فلا بأس. أما إذا كان مثلا قرأه في مثلا جاء بآيات الحج في سورة البقرة، ثم أولا جاء بآيات القتال، ثم ذكر آيات الحج بعد ذلك في الرقعة الثانية، هذا ما في شيء. لكن يجعلها مثلا يقدم هذه على هذه، ثم يقرأها قراءة نسق، فهذا الذي حرمه بعض العلماء. وبعضهم يقول: إذا لم يكن فيها تعلق، ما في شيء. لكن الأفضل أن والراجح، كما ذكر المؤلف، أنه يقرأ على ترتيب القرآن، يقرأ على ترتيب الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل. قال: وهو واجب على القول الراجح، وتهرم مخالفته. ولا يجوز أن يقرأ "مالك يوم الدين الرحمن الرحيم" بدلا من "الرحمن الرحيم مالك يوم الدين". في صحيح البخاري أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفان رضي الله عنهما في قول تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ قد نسختها الآية الأخرى. يعني قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. قال: وهذه قبلها في التلاوة. قال: فلما كتبها، فقال عثمان: "لا أغير شيئا منه من مكانه". وهذا دليل على أن هذه الآيات النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كتبها. فمن قرأ في سورة الأحزاب يجد أن آية النسخ تقرأ بعد آية المنسوخة. عن الأول الناسخة والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا... وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج. معنى أنها تجلس سنة لا تخرج، وهذا كان حكم الجاهلية، ثم قرره الله عز وجل في هذا الحكم، ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر، أنها تجلس إذا مات زوجها المرأة تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام. فتبين أن هذه ناسخة، لكنها في التلاوة متقدمة، وهذه التي فيها الحول متأخرة كما هو معروف في الآيات التي في سورة البقرة. وكذلك أيضا الآيات التي في سورة الأحزاب. فقول النبي صلى الله عليه وسلم، قول الله عز وجل: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾ هذه الآية منسوخة، نسختها قول الله عز وجل: ﴿لما حل الله لنبيه النساء مقالة وامرأة وامرأة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾. فأجاز الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ينكح النساء، وإلا فقد في الآية الأولى قال: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن﴾. مع أنها في التلاوة المتأخرة، وتلك الآية التي أجاز الله عز وجل لنبيه النساء متقدمة في التلاوة، لكن تلك ناسخة لهذه. فلهذا هذا كله يدل على أن هذا الوضع هو من النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال عثمان رضي الله عنه لعبد الله بن الزبير: "لا أغير شيئا منه من مكانه". لا أغير شيء، هذا وضعه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عثمان أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". النوع الثاني: ترتيب السور، بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف. معنا أولا ترتيب الكلمات، هذا بالنص والإجماع. والثاني ترتيب الآيات، هذا أيضا بالنص والإجماع. بقي الآن معنا ترتيب السور، هل هو بالنص والإجماع؟ ترتيب السور: سورة البقرة أو الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة... هل هذا من النبي عليه الصلاة والسلام أم أنه اجتهاد من الصحابة؟ قال المؤلف هنا: ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها من المصحف، وهذا ثابت بالاجتهاد، فلا يكون واجبا. وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران. قال: وروى البخاري تعليقا عن حذيفة أنه قرأ في الأولى بالكهف، وفي الثانية بيوسف أو يونس. وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهم. مسألة السور هذه ترتيب السور حصل خلاف بين العلماء، هل هي اجتهاد من النبي عليه الصلاة والسلام أم أنه ليس هناك نص من النبي عليه الصلاة والسلام أو اجتهاد من الصحابة؟ يقول بعض العلماء كالسيوطي وغيره: أولا أن العلماء اتفقوا على أن القرآن مقسم على أربعة أقسام: السور الطوال، ثم السور المئين، ثم السور المثاني، ثم بعد ذلك المفصل. معنا أولا السور الطوال، واختلفوا في عدتها، لكن اتفقوا على أن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف... ثم منهم من قال: الأنفال والتوبة معا، ومنهم من قال: التوبة، ومنهم من ذكر أنه الأنفال والتوبة معا، ومنهم من قال: التوبة وأسقط الأنفال لأنها من المئين. فهذا السبع الطوال. يقول السيوطي: أن العلماء اتفقوا أولا على أن الطوال هي المقدمة، ثم المئين، المئين ما كانت بمئة آية فما فوق، تسمى مئين. ثم المثاني التي بعد المئة أو قبل المئة، قبل المئة تسمى مثاني. ثم بعد ذلك المفصل، المفصل هو السور الصغار وما شابهها. وقالوا: إنها تبدأ على القول الأكثر للقراء، أنها من قاف إلى الناس. منهم من قال: من الحجرات. فهذا ترتيب يقول السيوطي: إنه اتفق عليه العلماء في الجملة، اتفقوا على هذا أولا، ثم اختلفوا بعد ذلك في ترتيب هذه السور. ترتيب السور التي مثلا الطوال، هل هذا الترتيب من النبي عليه الصلاة والسلام؟ ترتيب هذه السبعة الطوال، وهل هكذا؟ فبعضهم احتج بحديث حذيفة أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، يعني لم يرتب على ترتيب المصحف. لكن قال بعض العلماء: إن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم يبين الجواز فقط، وليس معنى ذلك أن الترتيب ليس من عنده. لكن قد جاءت آثار تصرح أن بعض هذا الترتيب كان من اجتهاد الصحابة، سواء كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما كتب المصحف، أو أيضا من عثمان رضي الله عنهم جميعا. لكن هناك سور كما قلنا اتفق عليها العلماء، اتفق عليها وهي قد تكون بالنص كما قلنا: الطوال، المئين، المثاني، آخر شيء المفصل. ثم بعد ذلك ترتيب هذه الأربعة الأجزاء، فيها قد يكون فيها تقديم وتأخير. فلهذا فالأفضل أن الإنسان يقرأ بما جاء في المصحف في ترتيب المصحف. عن إذا كان سيقرأ القرآن كله. لكن لو قدم مثلا سورة على سورة، فالأفضل أنه جائز. لكن قال الشافعي وأحمد: إنه يستحب الترتيب. مثلا الآن إنسان مثلا سيقرأ في العشاء، الأفضل هو أن مثلا يقرأ إذا الشمس كورت، يقرأ سورة بعدها والضحى والتين... معنى لو قرأ مثلا قرأ الشمس وضحاها، ثم قرأ في الآية الأخرى والليل إذا يغشى، هل في تأثير في صلاة؟ لا ما في شيء. لكن لم يفعل الأفضل، لم يفعل الأفضل أنه يقرأ السورة التي بعدها في الترتيب، هذا الأفضل. ولأنه لم يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف هذا، إلا ما جاء في حديث حذيفة. وقد يكون فعله النبي صلى الله عليه وسلم لأمر الجواز. فالتزام الإمام بهذا ما في شيء، وبل هو الأفضل. لا كما قاله بعض طلبة العلم أن هذا بدعة... هذا ليس صحيح. هذا الذي مشى عليه العلماء. صحيح أنه جاء عن عمر أنه قدم، قرأ بسورة الكهف، ثم قرأ في الركعة الثانية بسورة يوسف. هذا صح عن عمر. وهذا أيضا يبين الجواز، لا يبين أن هذه الطريقة هي الأمثل. وإنما يبين أن الأمر جائز له أن يقدم ويؤخر. لكن الأفضل أنه يرتب على ترتيب القرآن. رتب على ترتيب القرآن. قال الشيخ السلام رحمه الله: تجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة. ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها. لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان رضي الله عنه، صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون. وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها. مثل ما جاء سواء كان قلنا أنه اجتهاد من الصحابة أو من النبي عليه الصلاة والسلام وضعها على هذا. فالأفضل أن يتبع ترتيب القرآن في السور، يقرأ هذا بعد هذا. لكن لو فعل مثلا غير هذا، ما في شيء. لو قدم وآخر ما في شيء. أن بعض الناس مثلا تجد ما يعرف الترتيب، ترتيب القرآن، يقرأ مثلا في الركعة الأولى مثلا ويل لكل همزة لمزة، سورة الهمزة، ويقرأ في الركعة الثانية مثلا والتابعة والزيتون أو يقرأ في الأولى الزلزلة، والثانية بالتين. هذا على غير الترتيب، وهو أمر جائز. لكن الأفضل أنه يرتب السور على حسب ترتيبها في المصحف. إن شاء الله هذا الذي يتكرر ترتيب السور والله أعلم.