التعليق على أصول في التفسير 10

الدرس في التعليق على أصول في التفسير 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراحل كتابة القرآن وجمعه في عهد النبي

بدأ كتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الاعتماد على الحفظ أكثر من الكتابة. كانت هذه هي المرحلة الأولى من مراحل جمع القرآن.

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق

في عهد أبي بكر، تم جمع القرآن بسبب موت الكثير من حفظة القرآن في المعارك، وأمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمعه في مصحف واحد. هذا الجمع كان بسبب الحاجة إلى حفظ القرآن بعد استشهاد عدد كبير من حفاظه.

توحيد القراءة وجمع المصحف في عهد عثمان

تم جمع المصحف وتوحيد القراءة في عهد عثمان بعد استشارة الصحابة، وأرسل نسخا منه إلى الأقاليم وأمر بحرق ما سواه. هذا الجمع كان مكملا لجمع أبي بكر، حيث كان الغرض منه تقييد القرآن في مصحف واحد وتحمل الناس على الاجتماع عليه.

كتابة القرآن بلغة قريش وتوحيد اللهجة

كتب القرآن بلغة قريش لأن القراءة أنزلت بلغتهم، وعند الاختلاف مع زيد بن ثابت أمر عثمان بكتابة القرآن على لغة قريش. هذا القرار ساعد في توحيد اللهجة وتلافي الاختلاف في القراءات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتابة القرآن وجمعه. قال: لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل. المرحلة الأولى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة؛ لقوة الذاكرة وسرعة الحفظ وقلة الكاتبين ووسائل الكتابة. ولذلك لم يجمع في مصحف، بل كان من سمع آية حفظها أو كتبها فيما تيسر له من عسب النخل ورقاع الجلود ولخاف الحجارة وكسر الأكتاف. وكان القرآن عددا كبيرا. يقول: المرحلة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الاعتماد على الكتابة؛ لأن أكثر الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما يكتبون، والذين يكتبون قليل. والذين يكتبون قليل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من يكتب الوحي جعل هناك عنده ناس يكتبون الوحي، منهم عبد الله بن زيد الأنصاري، ومنهم زيد بن ثابت، ومنهم كذلك معاوية بن أبي سفيان، وجماعة من المهاجرين والأنصار، هؤلاء يكتبون الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هناك آيات بعضها كتبها بعضهم كانت عند بعض الصحابة ولم تكن عندهم، كما جاء في حديثي زيد بن ثابت رضي الله عنه لما كتبوا القرآن. فلهذا قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف والصدور. الرجال حتى إنه وجد آيتين لم يجدها إلا عند خزيمة، خزيمة بن ثابت رضي الله عنه. فالمهم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحفظون أكثر مما يكتبون، ولهذا كان القرآن كثيرا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ومن حفظ القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة، منهم سالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، كذلك عبد الله بن مسعود، وأيضا جماعات من الصحابة كانوا قد حفظوا القرآن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ثم إن بعضهم أيضا حفظ بعد ذلك، وكثر القرآن الحفاظ في عهد أبي بكر أو في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده. لكن لما كانت حروب الردة كان القرآن والحفاظ أول الناس في الجهات في سبيل الله، وحصلت معركة شديدة في القادسية مع مسيلمة الكذاب وأصحابه من بني حنيفة، فاستحر القتل في القرآن. فجاء عمر رضي الله عنه إلى أبي بكر وقال: إن القتل قد استحر في القرآن، ألا تكتب القرآن تجمعه؟ كما سيأتي إن شاء الله وتعالى. فدل على أن القرآن كانوا كثيرين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أي: لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا والحفاظ كثيرون. لكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بكتابة القرآن، وحتى لا يختلط القرآن بالحديث، فكان ينهى عن كتابة الحديث، ينهى عن كثرة كتابة الحديث حتى لا يختلط مع القرآن. وأجاز لبعض الصحابة أن يكتب، كما أجاز لعبد الله بن عمر أن يكتب كلامه، وقال: «اكتبوا لأبي شاه». فأجاز شيئا يسيرا في كتابة الحديث حتى لا يختلط بالقرآن. ولما جمع أو كتبوا هذه الأشياء في الوحي، وكذا وجمعها بعد ذلك الصديق، فإنه أمين بعد ذلك الكتاب، فكانوا يكتبون كثيرا. لكن كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين الكبار كان حفظهم أكثر من كتابتهم، كان حفظهم أكبر من كتابتهم، كما ذكر ذلك الحفاظ، الحافظ ابن رجب وغيره. بخلاف زمن أتباع التابعين ومن بعدهم، كانت كتابتهم أكثر من حفظهم، كانت كتابتهم أكثر من حفظهم. فقال: ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين رجلا يقال لهم القراء، القراء معنى الذين حفظوا القرآن، فعرض لهم حيان من بني سليم، رعل وذكوان، عند بئر معونة، فقتلوهم. وفي الصحابة غيرهم كثير، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء رضي الله عنهم أنهم حفظوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: المرحلة الثانية في عهد أبي بكر، في السنة الثانية عشرة من الهجرة. وسببه أنه قتل في وقعة اليمامة عدد كبير من القراء، منهم سالم مولى أبي حذيفة. وكان سالم عند أبي حذيفة مولاه، وكان قد تبنى، ثم لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى الله عز وجل عن التبني، فكان مولى له، فكان يقال له سالم مولى أبي حذيفة. وقد أرضعته النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يدخل على ابنة زوجة أبي حذيفة سهلة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أرضعيه تحرمي عليه». فأرضعته؛ لأنه كان عندهم في البيت، وكان حافظا، حتى لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قراءته في المسجد، قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من مثله» سالم مولى حذيفة. قال: أحد من القراء، منهم سالم مولى أبي حذيفة، أحد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن منهم. قال: «خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة». قال: فأمر أبو بكر رضي الله عنه بجمعه؛ لئلا يضيع. ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب شار على أبي بكر رضي الله عنهما بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة، فتوقف. قال: إن القتل قد استحر بالقرآن. قال: كثر في القرآن، وخشي عمر أن يذهب هؤلاء القراء، ثم يحتاج إلى جمع القرآن فلا يوجد. وهذا من اجتهاد عمر رضي الله عنه، وموافقة أبي بكر له شيء عظيم فعلوه في دين الله عز وجل. وإلا كان المصحف موجودا، لكن هناك بعض آيات ليست موجودة فيه. فجمعه زيد بن ثابت كما سيأتي. قال: فتوقف أبو بكر أولا، قال: فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأرسل إلى زيد بن ثابت فأتاه وعنده عمر، فقال له أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، فقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتتبع القرآن فأجمعه. قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. قال: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته. قال: الصحف هذا الذي كتبها زيد، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها. رواه البخاري مطولا. ثم أخذها من حفصة عثمان، أخذ هذه الصحف عثمان بن عفان وكتب بعد ذلك المصحف. قال: وقد وافق المسلمون أبا بكر على ذلك، وعدوه من حسناته، حتى قال علي رضي الله عنه: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر. رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله. وهذه من سنة الخلفاء التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نتبعها. قال: المرحلة الثالثة في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في السنة الخامسة والعشرين. وسببه اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف التي في أيدي الصحابة رضي الله عنهم، فخيف الفتنة. فأمر عثمان رضي الله عنه أن تجمع هذه الصحف في مصحف واحد؛ لئلا يختلف الناس فيتنازعوا في كتاب الله ويتفرقوا. كأن حصلت القراءات، هذا يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، وهذا يقرأ بقراءة أبي، وهذا يقرأ كذا. وانتشرت المصاحف، مصحف أبي، مصحف عبد الله بن مسعود، مصحف أبي بكر، وكذا. فحصل الاختلاف بين الناس، فخشي عثمان رضي الله عنه أن يكثر هذا الاختلاف. في المدينة سهل هنا، سهل العلم، وكذا سيفهمون هذا الأمر. لكن رأى أن الناس تحولوا من المدينة إلى الكوفة وإلى البصرة، ودخل الناس في دين الله، دخلوا ناس كثيرون أعاجم، وهذا قد يخلط عليهم. فلهذا جمع عثمان رضي الله عنه القرآن. قال: ففي صحيح البخاري أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان من فتح أرمينية وأذربيجان، وهذه فيما يسمى بالاتحاد السوفييتي، فيما وراء النهر. قالوا: قد افزعونا اختلافهم في القراءة. فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، ففعلت. فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وهؤلاء كلهم قرشيون إلا زيد بن ثابت، فهو أنصاري. قال: فنسخوها في المصاحف، وكان زيد بن ثابت أنصاريا، والثلاثة قرشيين. وقال عثمان للرجل الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق. فصار ليس هناك إلا هذا القرآن الذي يسمى القرآن العثماني، وهذا لا شك ولا ريب أنه قرآن أنزله الله، ليس فيه شيء من الزيادات أو النقصان. لكن القراءات كانت فيها شيء من اختلاف في إدخال كلمة وإخراج كلمة، فهذا ما كان موجودا في هذا المصحف، وإنما وحد القراءة، فصارت القراءة واحدة. مثلا تجد في مصحف عبد الله بن مسعود ومصحف أبي الدرداء أنهم كانوا يقرأون مثلا في ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ماشي، وما خلق الذكر والأنثى. فهذا ثابت في صحيح البخاري أنه كان يقرأ بها عبد الله بن مسعود، وكذلك يقرأ بها أبو الدرداء. فعثمان رضي الله عنه كتب القراءة المشهورة، وهي من القراءات التي قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم جزما، واتفق المسلمون على ذلك. وهذه القراءات الآن التي تسمعون، القراءات السبع، القراءات العشر، القراءات الأربع عشرة، كلها هي في رواية أو في مصحف عثمان، ليس هي في قراءة أخرى من قراءات الصحابة. مثلا قراءة أبي أو قراءات أخرى. أيضا عثمان رضي الله عنه حرص على أن الآيات التي نسخت لم يكتبها، التي نسخها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتركها لم يكتبها، بخلاف مصحف عبد الله أو أبي بن كعب، كما ذكرنا وجدت فيه آيات قد نسخت من المصاحف. وكذلك أيضا عبد الله بن مسعود كان في مصحفه بعض النقص، بل كان لم يكتب المعوذات، قال: لأنها ليست من القرآن. وهذا رأي واجتهاد اجتهده، وإلا قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في الصلاة، وهذا دليل على أنها من القرآن، فلو لم تكن من القرآن ما قرأ بها في الصلاة؛ لأنه ما يصلح في الصلاة إلا القرآن. فلهذا كانت أيضا مكتوبة في مصحف عثمان رضي الله عنه. أن المصحف الذي كتبه عثمان واتفق الناس عليه، قالوا: قد فعل عثمان رضي الله عنه هذا بعد استشارة الصحابة رضي الله عنهم. لما روى ابن أبي داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، على الاستشارة منا. قال: أرى أن تجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف. كلنا أو قلنا: نعم ما رأيت. وقال مصعب بن سعد، هو ابن سعد بن أبي وقاص: أدركت الناس متوافرين، أين حرق عثمان المصاحف؟ فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وهو من حسنات أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه التي وافقه المسلمون عليها، وكانت مكملة لجمع خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر رضي الله عنه. قال: والفرق بين جمعه وجمع أبي بكر: أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر رضي الله عنه تقييد القرآن كله مجموعا في مصحف، دون أن يحمل الناس على الاجتماع على مصحف واحد؛ وذلك أنه لم يظهر أثر الاختلاف لاختلاف قراءتهم يدعو إلى حملهم على الاجتماع على مصحف واحد. وأما الغرض من جمعه في عهد عثمان فهو تقييد القرآن كله مجموعا في مصحف واحد، يحمل الناس على الاجتماع عليه؛ لظهور الأثر المخيف باختلاف القراءات. قالوا: قد ظهرت نتائج هذا الجمع، حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين من اجتماع الأمة واتفاق الكلمة وحلول الألفة، واندفعت به مفسدة كبرى من تفرق الأمة واختلاف الكلمة وفشو البغضاء والعداوة. وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن، متفقا عليه بين المسلمين، متواترا بينهم، بتلقيه أو يتلقاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيدي المفسدين، ولم تطمسه هواجس الزائغين. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض ورب العالمين. فهذا الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان. فجمع أبي بكر جمع المصحف كله، كل القراءات جمعها. لكن عثمان نقوا، جعلهم ينقون القراءة، معنى يأخذون على لسان قريش المصحف حتى أكمله. قد تكون مثلا في الآية الواحدة عدة قراءات، ليس المراد أن هناك آيات زائدة أو لا تكون في الآية الواحدة عدة قراءات، فيختار القراءة المشهورة أو قراءة على لسان قريش؛ لأن القراءة نزلت بلسانهم. ولأن هذه الأحرف التي قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليها -على الصحيح- أنها لغات، أنها لغات. وكانت بعض لغات العرب تختلف عن بعض في بعض الكلمات، فكتب بلغة قريش. ولهذا قال عثمان رضي الله عنه: إذا اختلفتم مع زيد الله عز وجل فاكتبوا على لغة قريش؛ لأن القراءة أنزلت بلغتهم. طيب هذا ما يذكر الله عنه.