الدرس في التعليق على أصول في التفسير 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ معز الدين أقسام الاختلاف في التفسير المأثور ويصنفها إلى ثلاثة أقسام، ويبدأ بشرح القسم الأول وهو الاختلاف في اللفظ دون المعنى. يتناول أمثلة من القرآن الكريم على اختلاف الألفاظ والمعاني.
يناقش المقطع ترجمة القرآن الكريم، حيث يميز بين الترجمة الحرفية والمعنوية، ويشترط لجواز الترجمة المعنوية ألا تكون بديلا عن القرآن وأن يكون المترجم عالما بمدلولات الألفاظ الشرعية.
يذكر أن العلماء وجدوا أخطاء في ترجمة بعض التفاسير، وخلصوا إلى أن الترجمة الحرفية لا تجوز بينما ترجمة المعنى جائزة بشروط. يجب الانتباه لهذه الشروط عند ترجمة التفاسير.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الشيخ معز الدين رحمه الله، الاختلاف الوارد في التفسير المأثور أن التفسير الذي جاء عن الصحابة وعن التابعين أحيانا يحصل فيه اختلاف. قال: الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقساب. القسم الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية. مثاله قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، قال ابن عباس: قضى أمرا، وقال مجاهد: وصى، وقال الربيع بن أنس: أوجب. وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب، فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية. وغالب اختلاف السلف في التفسير من هذا الباب، فلهذا تجد دائما الإمام ابن كثير في التفسير يقول: والمعنى متقارب، ثم يجمع بين هذه المعاني. مثلا قول الله عز وجل: ﴿وجاءكم النذير﴾، جاءكم النذير، منهم من قال: النذير هو الشيب، ومنهم من قال: هو محمد عليه الصلاة والسلام، ومنهم من قال: القرآن، ومنهم من قال: واعظ الله في قلب كل مسلم. فالحافظ ابن كثير قال: هذه معاني متقاربة؛ لأنه كلهم يدل على معنى هو نذير للإنسان. فالشيب نذير له بالموت، ومحمد صلى الله عليه وسلم نذير للأمة ينذرهم النار، وهكذا القرآن وغيرها من هذه المعاني، فالأصل أن المعنى واحد وإن اختلفت الكلمات. قال: القسم الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، ولا يتحمل المعنيين لعدم التناقض بينهما، فتحمل الآية عليهما وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع. مثاله قوله جل وعلا: ﴿واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾، قال ابن مسعود: هو رجل من إسرائيل، وعن ابن عباس أنه رجل من أهل اليمن، وقيل: رجل من أهل البلقاء. فهذا لا يختلف في معنى الآية. والجمع بين هذه الأقوال تحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل أيضا. وقد انتشر عن السلف أنهم يفسرون بجزء من المعنى، يفسرون بجزء من المعنى لا يأتون بالمعنى كله. وهذا يستفيد منه الإنسان في المواعظ وفي غيرها. مثلا قول الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾، فلو قال الإنسان: الظالم لنفسه تارك الصلاة، أو الظالم لنفسه آكل الربا، وقال آخر: الظالم لنفسه شارب الخمر، وقال آخر: الظالم لنفسه الذي يطفف المكيال. فهل هذه المعاني خاطئة؟ لا، معاني كلها صحيحة، والآية تحتملها. قال: القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل معنيين معا للتضاد بينهما، فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره. مثال ذلك قول تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾، قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله. وقيل: غير باغ أي غير خارج على الإمام. لكن هذا المعنى بعيد. والأرجح الأول؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج عن الإمام وفي حال السفر وغير ذلك. ثم ذكر مسألة اختلافهم في معنى اللفظ، واللفظ يحتمل هذه المعاني، لكن يكون من باب الترجيح. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، القرء يطلق في اللغة على الطهر وعلى الحيض، وهنا العلماء اختلفوا ما المقصود بالقرء هنا. قال: ترجمة القرآن، ترجمة لغة تطلق على معاني ترجع إلى البيان والإيضاح. وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى. وترجمة القرآن: التعبير عن معناه بلغة أخرى. قالت: ترجمة القرآن نوعان: أحدهما ترجمة حرفية، وذلك بأن يترجم كل كلمة بإزائها. والثاني ترجمة معنوية أو تفسيرية، وذلك بأن يعبر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة للمفردات والترتيب. قال رحمه الله: حكم ترجمة القرآن. قال: الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم؛ لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها. قال: وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محذور فيها، وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية؛ لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لكن اشترط لجواز ذلك شروط: الأول ألا تجعل بديلا عن القرآن، بحيث يستغني بها عنه. الثاني أن يكون مترجما عالما بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها. الثالث أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. ولا تقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها، بحيث يكون مسلما مستقيما في دينه. ولهذا لما فتش العلماء في بعض التفاسير المترجمة وجدوا أخطاء، حتى في ترجمة التفاسير أحيانا وجدوا أن المعنى مغلوط. فخلاصة ما يذكر في هذا الباب أن الترجمة الحرفية لا تجوز، وأما ترجمة المعنى والتفسير فهي جائزة لكن بشروط لابد أن ينتبه لها.