الدرس في التعليق على أصول في التفسير 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أبرز رواة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة، ويبرز أهمية أسانيدهم في نقل التفسير. يشير إلى تلاميذهم الذين أخذوا التفسير عنهم وأهمية رواية السدي الصغير وعلي بن أبي طلحة.
يتحدث هذا الفصل عن ترجمة مجاهد بن جبر المكي و قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ويبرز أهمية تفسيرهما للقرآن و أخذهما العلم عن كبار التابعين مثل ابن عباس و الحسن البصري و سعيد بن المسيب. كما يشير إلى ثناء العلماء عليهما و إمامتهما في التفسير و الحديث.
يتناول هذا الفصل وفاة شخصية دينية بارزة في مدينة واسط التي بناها الحجاج بن يوسف، حيث توفي في سنة 117 هـ عن عمر ناهز ستة وخمسين عاما. يذكر شدته في العويل إذا لم يحفظ شيئا يعتبره مهماً، ويشير إلى واسط كمكان وفاته وتاريخ وفاته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المشتهرون بالتفسير من التابعين. قال: اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، فمنهم أهل مكة، وهم أتباع ابن عباس كمجاهد وعكرمة وعطاء ابن أبي رباح. كذلك من كان يدرس عند ابن عباس في الطائف ومكة سعيد بن جبير، لكن سعيد بن جبير يعتبر من أهل الكوفة، لكنه يعتبر من أفضل من فسر القرآن. لكن أكثرهم اطلاعا على قول ابن عباس هو عكرمة، وأكثرهم وأحسنهم تفسيرا هو مجاهد. فأهل مكة هم أفضل الناس في التفسير؛ لأنهم أخذوه عن ابن عباس، لأنه كان أكثر الصحابة من فسر القرآن، وهو ابن عباس. وقبل هذا، ابن عباس كان يهتم به الشيخ، لكن نذكره من ناحية الأسانيد التي جاءت في التفسير عن ابن عباس. جاء عن ابن عباس أسانيد كثيرة ذكرها الإمام الطبري رحمه الله، وابن أبي حاتم وغيرهما. ومن أصح هذه الأسانيد ما جاء عن هؤلاء الأصحاب، وغالبا ما يذكر من التفسير في البخاري وغيره من طريق سعيد بن جبير، من طريق المنهال بن عمرو، يرويه شعبة، يرويه الأعمش وغيرهم عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأيضا كذلك يرويه أيضا من الأسانيد الصحيحة عن ابن عباس أصحاب عكرمة، كقتادة، كأيوب السختياني، وأيضا يونس بن عبيد وغيرهم، إذا روى عن عكرمة أو روى عن قتادة عن عكرمة، هذا إسناد صحيح. كذلك أيضا ما جاء عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وإن كان طريقه ابن أبي نجيح، عبد الله بن نجيح المكي، عن مجاهد عن ابن عباس؛ لأن أكثر من أخذ التفسير عن مجاهد هو ابن أبي نجيح، هذا أيضا إسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عباس. وأيضا من طريق عطاء، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، ومن طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، هذا أفضل أسانيد في تفسير من طريق عطاء ابن أبي رباح. وكذلك أيضا ما جاء عن طاوس اليماني عن ابنه عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، أيضا هذا من الأسانيد الصحيحة عن ابن عباس، وغيرها. وهناك أسانيد لا تصح عن ابن عباس، أو فيها شيء من الضعف، مثل الإسناد المسلسل بالعوفيين. الإسناد المسلسل بالعوفيين، مثلا يرويه دائما ابن جريج يقول: حدثنا الحسن بن عطية عن أبيه عن عمه عن أبيه عن ابن عباس. وهذا الإسناد مسلسل بالعوفيين، وجدهم عطية بن سعيد العوفي الذي يروي عن ابن عباس، وأن أباه سعيد، وجمع من الصحابة، لكنه كان ضعيفا في الحديث، فلهذا فهذا من الأسانيد الضعيفة. ومعنى ذلك أن إسناده ضعيف، لكنه محتمل. ومن الأسانيد الضعيفة التي هي أضعف من الضعيف، أو قد تعتبر من الأسانيد المتروكة، ما رواه الكلبي عن أبي صالح، بادام عن ابن عباس. هذه سلسلة غير صحيحة، يرويها الكلبي عن أبي صالح، بادام عن ابن عباس. ويروي بعض العلماء الكبار، كسفيان الثوري وغيره، هذه السلسلة. وهي صحيفة موجودة، لكن هذه الصحيفة غير موثوقة، وكل ما فيها غير صحيح. كذلك أيضا من هذه الأسانيد التي جاءت عن ابن عباس ما كان يرويه السدي، السدي الصغير، إسماعيل بن عبد الرحمن السدي. هناك سدي كبير يسمى محمد بن مروان السدي، وهو كذاب، ويروي كذلك تفسيرا. وهذا رواية السدي الصغير الذي هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، كان يروي إسنادا مركبا في تفسير ابن عباس وابن مسعود، فيقول: عن عمرو بن مرة عن أن يذكر بعض المشايخ عن ابن عباس، وعن ابن مسعود. وهذا إسناد مركب، لكن بعض العلماء أخذوه وقبلوه. كذلك أيضا نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. علي بن أبي طلحة مصري يروي عن ابن عباس نسخة فيها تفسير. وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكن أخذ هذا التفسير من طريق مجاهد عن ابن عباس. ولهذا قبل العلماء هذه النسخة، حتى قال الإمام محمد: إن في مصر نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، لو سافر لها الرجل إلى مصر لم يكن كثيرا. معنى أنها منسوبة إلى ابن عباس على هذه النسخة، وأنها نسخة قبلها العلماء وأخذوا بما فيها؛ لأنها أخذها مجاهد. كذلك رواية الضحاك عن ابن عباس فيها شيء، لكن العلماء أخذوا رواية الضحاك عن ابن عباس وأخذوا ما فيها من التفسير. هذا المشهور عن ابن عباس في التفسير. قال: أما ابن مسعود، فغالب التفسير عنه من طريق مسروق، أو من طريق أبي وائل، أو علقمة. وجاء من طريق غيرهم عن النسخة التي ذكرناها عن السدي. فأكثر الناس تفسيرا وأحسن الناس تفسيرا، أو أكثرهم تفسيرا، هو ابن عباس من الصحابة. ولهذا كان أصحابه الذين درسوا معه كانوا أفضل أهل التفسير، وهم أهل مكة: مجاهد، وعكرمة، وعطاء. قالوا: وأهل المدينة، وهم أتباع أبي بن كعب، كزيد بن أسلم، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي. أخذوا التفسير عن أبي بن كعب، وعن علي بن أبي طالب، وعن جماعة من الصحابة. وأيضا يروون عن ابن عباس. أبو العالية أكثر الرواية عن ابن عباس، وكذلك محمد بن كعب القرظي أيضا يروي عن ابن عباس، وزيد بن أسلم. لكن رواية زيد قليلة، أكثر رواية زيد عن نافع عن ابن عمر. وكذلك كان زيد مفسرا يفسر القرآن، يروي عنه ابنه وغيره. وكذلك ابنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعتبر من المفسرين الكبار. قال: ثم أهل الكوفة، وهم أتباع ابن مسعود، كعلقمة والشعبي. هذا لعله خطأ من الشيخ رحمه الله؛ قتادة ليس من أتباع عبد الله بن مسعود. وعلقمة والشعبي أيضا لم يرويا عن ابن مسعود مباشرة، وإنما عن طريق علقمة والأسود أخواله. وأيضا يروي عن ابن خاله عبد الرحمن بن الأسود، ويروي عن أصحاب عبد الله بن مسعود. وأما قتادة، فظاهر أنه خطأ من الشيخ؛ قتادة يعتبر من أهل البصرة، ولم يرو كثيرا عن أصحاب عبد الله بن مسعود. أكثر روايته عن أهل البصرة، وعن الحسن. وكذلك يروي عن عكرمة عن ابن عباس. على أكثر تفسير قتادة الذي ينقله، إذا اعتبرناه نعتبره من أصحاب عبد الله بن عباس؛ لأنه أخذ التفسير عن عكرمة، أخذ التفسير عن عكرمة، فلهذا فهو يعتبر من أخذ التفسير عن أصحاب عبد الله بن عباس، وليس عن أصحاب عبد الله بن مسعود. قال: فلنترجم لحياة اثنين من هؤلاء: مجاهد و قتادة. قتادة له تفسير، معنى له تفسير كثير، ينقله معمر، ينقله عبد الرزاق في كتابه التفسير، كذلك في كتابه المصنف. لكن له كتاب سماه التفسير، ينقل تفسيرا. أكثر ما كان فيه تفسير قتادة من طريق معمر عن قتادة، فهو مفسر. وإن كان الناقل مثلا ناقلا، أكثر ما ينقل التفسير عن عكرمة عن ابن عباس. وأخذه أصحابه عنهم، أصحاب ابن عباس، أقصد أصحاب عكرمة، أن يروي عنه أيوب، وكذلك يونس وغيرهم من هؤلاء. قال: مجاهد هو مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي. ولد سنة 21 من الهجرة، وأخذ تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عنهما. روى أصحابه عنه أنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقف عند كل آية وأسأله عنها. فهذا الأثر صحيح عن مجاهد. وقال مجاهد: لو قرأت بقراءة عبد الله بن مسعود لما احتجت إلى ابن عباس. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: لو قرأت بقراءة عبد الله بن مسعود لما احتجت إلى ابن عباس. ما تفسير هذا؟ قراءة عبد الله بن مسعود قراءة تفسيرية؛ أي تجد أن ابن مسعود يدخل التفسير في القراءة. ولهذا تجد العلماء ما يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود؛ لأنها قراءة تفسيرية، يدخل بعض الكلمات تفسيرا، ليس من أصل القرآن، وإنما من باب التفسير. فلهذا يقول: أنه لو قرأت بقراءة عبد الله بن مسعود، ففيها التفسير، لما احتجت إلى ابن عباس أن أسأله عن التفسير. قال رحمه الله تعالى: وكان سفيان الثوري يقول: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبك به. فهذا ثابت عن سفيان. قال: واعتمد تفسيره الشافعي والبخاري، فكان كثيرا ما ينقل عنه في صحيحه. أكثر ما ينقل البخاري كما نقرأه في التفسير عن ابن عباس، وعن مجاهد. قال: وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به. توفي في مكة وهو ساجد سنة 104 هـ عن ثلاث وثمانين سنة. قال: وقال قتادة: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري. ولد أعمى سنة 61 هـ. وجد في طلب العلم، وكان له حافظة قوية، مع أنه أعمى، لكن الله عز وجل أعطاه حافظة قوية. حتى قال عن نفسه: ما قلت لمحدث قط: أعد لي. لهذا كان الحفاظ لا يعيدون الحديث، لكن بعضهم يعيده لأجل السماع أو لأجل أنه يرى مثل ما كان يفعل شعبة. إذا جاء مثلا قد يسأل الشيخ عدة مرات، ليس في نفس الوقت، وإنما يأتيه مرة أخرى لأجل أن يتأكد هل هو ضابط للحديث أو لا. لكن غالب الحفاظ ما يعيدون الحديث في نفس اليوم، يعني يحفظونه. حتى لما قال مالك لما ذكر الزهري لمالك حديثا طويلا، قال مالك: أعده علي. فقال الزهري لمالك بن أنس: ويقول أعده علي. والله ما قلت لأحد: أعده علي. والله أعلم. معنى هذه الكلمة ثابتة عن الزهري. وقد يكون أيضا قالها قتادة. قالوا: ما سمعته ذنب شيء قط إلا وعاه قلبي. وذكره الإمام أحمد، فأطنب في ذكره، ما جعل ينشر من علمه وفقه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه. أخذ التفسير عن الحسن، كذلك قتادة أخذ التفسير عن الحسن البصري، ينقل التفسير عن الحسن، وينقل التفسير عن سعيد بن المسيب. جاء إلى المدينة وأخذ العلم من سعيد بن المسيب، حتى قال له سعيد لما كان يسأله: اذهب يا أعمى، فقد أخذت علمي كله. يقول له: أخذت علمي كله. فالظاهر كان يسأله كثيرا. قال: قلما تجد من يتقدمه، أما مثل قتادة فلعل قلما من كثرة حفظه، وكذلك ذكائه. وتجد تفسيره يأتي مفصلا غالبا، إذا فسر آية يفسرها بالتفصيل. قال: هو أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه. وكان إذا لم يحفظ أخذ في العويل، يعني إذا لم يحفظ شيئا يرى أنه كبير عليه، فيأخذ في العويل يصيح حتى يحفظ هذا الذي أخذه. قال: توفي في واسط، واسط هذه بين مكة وبين الكوفة والبصرة. قال: وتوفي في واسط، الظاهر بناها الحجاج بن يوسف. توفي في واسط سنة 117 هـ عن ستة وخمسين سنة.