الدرس في التعليق على الجواب الكافي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء هو أحد أقوى الأسباب في دفع المكروه، ويتوقف تأثيره على قوة الدعاء وطهارة القلب وغياب الموانع. الإقبال على الله وجمعية القلب وقت الدعاء أمران مهمان.
حديث الدعاء المذكور ضعيف السند لكن معناه صحيح، ويشدد على أهمية حضور القلب وطيب المأكل لقبول الدعاء. هذه الشروط تبرز أهمية الطهارة والنية الصادقة.
الطعام الحرام والذنوب يمكن أن يكونا مانعين لإجابة الدعاء. حديث الرجل الذي يمد يديه إلى السماء رغم أن مطعمه ومشربه من حرام يوضح ذلك. الذنوب والمعاصي تؤثر سلبا على قبول الدعاء.
الكلام يختتم بالتأكيد على أهمية ما ذكره الإمام ابن القيم حول الدعاء وشرائطه، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. هذا يدل على الثقة في تحليل ابن القيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وإنه لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: «وعلموا» قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه. أولا، بعدما ذكر أثر الرقية وأثر القرآن في الأمراض القلبية والحسية، أو المعنوية والحسية والقلبية والبدنية، ذكر بعد ذلك أيضا أمرا آخر، وهو الدعاء، فإنه أيضا من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه، أي هذا الدعاء، بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. ولهذا، كما سيأتي، جاء في حديث أبي سعيد «من غير إثم ولا قطيعة رحم»، وفيه عدوان. قال: وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، معنى وقت الدعاء، تجده غير مستحضر لهذا الدعاء، وإنما يدعو بلسانه. قال: فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليها. كما في مستدرك الحاكم، من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل». أنا إلى هنا، الحديث في كثير من طبعات جعل الحديث «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، وظنوا الذي بعده ليس منه، فهذا ما يظن الحديث «واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل». فهذا الحديث خرجه أحمد، وأيضا أبو يعلى، خرجه أيضا أبو يعلى الموصلي والحاكم وغيرهم، لكنه من طريق صالح المري، عن أبي هريرة، وصالح وإن كان عابدا، لكنه فيه نكارة، فيه غفلة عظيمة في الحديث، ولهذا وصفه بعض العلماء بأنه متروك، معنى حديثه لا يصح. وجاء أيضا من حديث عبد الله بن عمر، لكنه أيضا في سنده جهالة وضعف، فالحديث لا يصح من ناحية سنده. والشيخ الألباني رحمه الله قد صححه في بعض كتبه، بالظاهر أنه بعد ذلك ضعفه، ضعفه في ضعيف ابن ماجة. وصححه في بعض كتبه تحقيق مشكلة الفقر، فالمهم أن الحديث لا يصح من ناحية الإسناد، لكن معناه صحيح، قد دلت عليه الأدلة. قال رحمه الله: فالمراد به أن الإنسان إذا دعا الله عز وجل وهو غافل عن دعائه، وما يدري ما يدعو، فهذا من الدعاء الذي قد يمنع الإجابة. قال: فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تضعف قوته، وكذلك أكل الحرام يضعف قوته ويضعفها. أن هذه الأشياء ثلاثة: غفلة القلب، وهو معناه المراد به بالذنوب، إذا دخل الذنب في القلب بهذه الذنوب فإنه يغفل، فإذا دعا دعا وهو غافل. قال: كما في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا إني بما تعملون عليم﴾، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾». قال: ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء «يا رب يا رب»، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ هذا الحديث يبين لك أن الرجل مهما جعل له الأسباب التي يستجاب بها الدعاء، من طول السفر، والشعث، والغبر، أشعث، معنى الشعث: شعر الرأس، وأغبر: أي عليه الغبار، فيمد يديه إلى السماء «يا رب يا رب»، لكن هناك مانع يمنعه، وهو أنه مطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه الذي يلبسه أيضا من حرام، كله يتغذى بالحرام، فهذا قد يكون مانعا لإجابة دعائه. قال: وذكر عبد الله بن الإمام أحمد رحمه الله في كتاب الزهد لأبيه، قال: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم: «أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفحتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام»، العان: حين اشتد غضب عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدا. أن هذا الأثر، وإن كان هو أثرا إسرائيليا، لكن يبين هذا الأمر، وأن العبد إذا انهمك في الذنوب، وعلا في قلبه الرين، فإن هذه الغفلة قد تمنعه من إجابة دعاء الله عز وجل له. قال: ولن تزدادوا مني إلا بعدا. وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح، فهذا يدل على أن الدعاء له أثر عظيم، كما سيأتي أيضا بيان ذلك، لكن يحتاج إلى أسباب تقومه، وضوابط تضبطه، فينفع بعد ذلك من هذا الذي يشكو به المرض، سواء كان من أمراض القلوب أو من أمراض الأجساد، فإن هذا الدعاء يدفع ذلك كما جاء في الأدلة، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد من الكلام في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.