التعليق على الجواب الكافي 1

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح كتاب الداء والدواء

يبدأ الكتاب بشرح سؤال وُجه لابن القيم حول كيفية التعامل مع المعاصي والشهوات، ويشير إلى وجود شفاء لكل داء أُنزل من الله. يُقدم ابن القيم إجابة حول هذا الموضوع.

شرح حديث 'لكل داء دواء' وتفاصيله

يشرح حديث 'لكل داء دواء' ويبين معناه ورواياته المختلفة، مشيرًا إلى أن كل داء له دواء ولكن قد يكون مكتومًا عن بعض الناس. يُفصّل في رواية الحديث واختلاف العلماء حول قبول رواية أبي الزبير.

الجهل داء ودواؤه السؤال والعلم

يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الجهل داء وجعل دواءه سؤال العلماء، واستدل بحديث جابر بن عبد الله. كما يُشدد على أهمية سؤال أهل العلم عند عدم معرفة أمر ما كما أمر الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ في كتاب الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى «الجواب الكافي» أو «الداء والدواء». وإن شاء الله نقرأ بعد الفجر يوم الخميس والجمعة إن شاء الله. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. قال: سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر بن قيم الجوزية -رضي الله عنه- رحمه الله، وهو كما ذكر اسمه محمد بن أبي بكر، وابن القيم هذا القيم قيم الجوزية، هو أبوه كان قيم المدرسة الجوزية. وكان في ذلك الزمان قد بدأت مدارس النظامية في السنة في القرن الثامن، وقبله في القرن السابع بدأت المدارس النظامية، وكان والد ابن القيم قيمًا على مدرسة الجوزية، فقيل له قيم الجوزية، وسمي ابنه بابن القيم الجوزية. قال رحمه الله: سئل -ومعلوم أن ابن القيم من الأئمة الذين حرروا مسائل كثيرة في دين الله جل وعلا، وبيّنوا الطريقة الصحيحة، وسار رحمه الله على منهج قويم، وعلى ما سار عليه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية- ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، كأنه معصية دخلت عليه شبهة أو شهوة استمر فيها؟ قالوا: قد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما يزداد إلا توقّدًا والشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلى، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. قال: أفتونا -معذورين رحمكم الله-. وهذه مسألة عظيمة ومسألة منتشرة، فقد يبتلَى الرجل بشيء من المعاصي من البدع أو من الشهوات، فتفسد عليه آخرته إن استمر فيها، وأيضًا يذهب دينه إن استمر فيها، فلهذا فما الحيلة في دفعها؟ مثل هذه الشبهات أو الشهوات؟ فأجاب رحمه الله -أي لما وقفنا على هذا السؤال بهذا الكتاب، أن هذا الكتاب كله موجه على هذا السؤال، أن هذه القواعد التي ينبغي للمسلم أن يلتزمها إن أراد أن يخرج من هذه البلية وهذا الابتلاء- قال: فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي المسلمين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب إمام المدرسة الجوزية رحمه الله، فقال: الحمد لله، أما بعد، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل الله له شفاء». وهذا الحديث كما قال الإمام ابن القيم في صحيح البخاري أخرجه البخاري من حديث عمر بن أبي حسين عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة، ولم يخرجه مسلم، فهو من أفراد البخاري. قالوا: وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله». وهذا أيضًا بمعنى: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء. وفي هذا حديث جابر: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم كما ذكر، وهو من أفراده أيضًا، أي لما يقولون من أفراده معنى أنه لم يخرجه البخاري. وإذا قيل: من أفراد البخاري، أي لم يخرجه مسلم. وحيانًا بعضهم معنى يقصد من أفراده على الستة. فـ«لكل داء دواء» أخرجه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرحمن بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر، ولم يصرح أبو الزبير في حديثه عن جابر، لكن غالبًا العلماء إذا كان الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر فإنهم يقبلونه كما هو قول عامة العلماء، إلا ابن حزم وغيره فقد خالفوا في ذلك. وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله يخالف في هذا فيضعف بعض الأحاديث، لكن الصحيح الذي سار عليه أكثر العلماء أنهم قبلوا حديث أبي الزبير عن جابر التي في صحيح مسلم؛ لأن الإمام مسلم متحري في هذا الباب. قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله». أي: ما من داء إلا وله دواء. جاء في بعض الروايات: «إلا الهرم»، كما جاء في صحيح البخاري: حديث أبي هريرة «إلا الهرم» عن الكبر، فهذا ليس له داء. وجاء في رواية: «إلا السام» أو «إلا الموت»، فليس له أيضًا دواء. وهذا يدلنا على أنه ما من داء إلا وله دواء. ما من داء إلا وله دواء في هذه المعمورة، لكن علمه من علمه وجهله من جهله. وربنا جل وعلا يعرف بعض الناس بمثل هذه الأدوية ويخفيها عن بعضهم، حتى بعض الأطباء والدكاترة وغيرهم. قالوا: في مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله». وفي لفظ: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء لداء واحد». قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «الهرم». قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وهذا الحديث -حديث أسامة بن شريك- قد قرأناه في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، أخرجه الأئمة: إمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي كلهم من طريق زياد بن علاق، رواه شعبة وسفيان الثوري وغيرهم عن زياد بن علاق عن أسامة بن شريك. وزاد هذه العبارة: «علمه من علمه وجهله من جهله» في رواية هشيم. لكن قال بعض العلماء أنها شاذة؛ «علمه من علمه وجهله من جهله»، وإلا فقد روى هذا الحديث جماعة عن زياد بن علاق ولم يذكروا هذه الزيادة. لكن هذه الزيادة موجودة في حديث عبد الله بن مسعود، وهو حديث صحيح، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله، علمه من علمه وجهله من جهله». فهو حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهم من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. فهو حديث صحيح. فهذه الزيادة -زيادة عظيمة- تبين أن الله عز وجل ينزل لكل داء دواء، لكن يعلمه من يعلمه ويجهله من يجهله. ولو كان واحد يعلمه الله عز وجل دواء هذا الداء، الآن بعض الأمراض ما وجدوا لها دواء، لكن الأصل أن لها دواء، لكن الله عز وجل لم يطلع له عليه. وربنا جل وعلا أحيانًا يلهم بعض عباده دواءً فيذهب ذلك الداء بهذا الدواء. قالوا: في لفظ: «أن الله لم يدع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد». قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «الهرم». قال الترمذي: هذا حديث صحيح. قال: وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء. هنا تجد أن الإمام ابن القيم ذكر هذا الحديث لأجل أن يبين أن هذا الداء أيضًا داخل في هذا الحديث، وإن كان هذا داء ليس داء حسي وإنما هو داء معنوي، وهو مرض من أمراض القلب التي يمرض بها القلب، فيظن بعض الناس أنه ليس له دواء، يقول: قد جاهدت نفسي على أن أترك هذا ما تركت، وما أستطيع أن أتركه. يظن هذا وييأس، وهذا من تسويل الشيطان وتزيين الشيطان له، وإلا فإنه ما من داء إلا وله دواء. ولهذا سيذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أشياء مما يذهب هذا الداء، ولو كان داء مزمنًا ومرضًا مزمنًا فيه -أي في قلبه- وهو يظن أنه لا يذهبه شيء ولا يستطيع أن يدفعه عن نفسه، لكن هناك سبل وطرق تعين الإنسان على دفع مثل هذا الداء. ثم ذكر الإمام ابن القيم أن الجهل أيضًا داء، الجهل أيضًا داء، وجعل دواءه سؤال العلماء. قال: فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال». العي: المريض أو المتعب. قال: «فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خِرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». قال: فأقبر أن الجهل داء، وأن شفاءه السؤال. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث الزبير بن خريق عن جابر بن عبد الله، والزبير ضعيف، لكن قد جاء له شاهد لبعضه من حديث عطاء بن أبي رباح، وذكره الأعظمي عن عطاء أنه بلغه عن عطاء بن عباس، فهذا يكون شاهد له كما قال الشيخ الألباني رحمه الله، لكن ليس بكل هذا -أقصد آخره- غير موجود، وهو قوله: «يتيمم ويعصب على جرحه خِرقة»، لكن أنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم لما أجابوه بهذا الجواب الذي ليس هو جوابًا صحيحًا؛ لأنه احتلم وهو في شج في رأسه، في جرح في رأسه من الحرب من الغزو، فلما احتلم سأل أصحابه، قال: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، اغتسل، فاغتسل، فدخل الماء إلى داخل رأسه ودماغه فمات. فلهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، قال: «قتلوه قتلهم الله». وهذه «قتلهم الله» ليست على معنى كانوا يأتون بها، ليست على القصر، وإنما من باب الزجر، من باب الزجر. فقال: «سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال». أي: الواجب على المسلم أنه يسأل أهل العلم، لا ينبغي أن يتصرف من رأسه في بعض المسائل؛ فقد هذه المسائل قد إذا تكلم برأيه ويفسد أكثر مما يصلح، يفسد أكثر مما يصلح. والواجب على المسلم أنه يسأل أهل العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهذا شيء مما ذكره المؤلف، إن شاء الله نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.