الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 18، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوضح المقطع أقسام الحديث من حيث النسبة: المرفوع والموقوف والمقطوع، مع التمييز بينها وبين أقسام الإسناد كالمسند والمنقطع. كما يستعرض اختلاف الاصطلاحات في مصطلحي الأثر والخبر.
يعرف الحديث المسند بأنه ما اتصل إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند ظاهر الاتصال، ويفرقه عن المرفوع الذي لا يشترط اتصال السند والمتصل الذي ينظر إلى اتصال السند فقط. ويبين مفهوم العلو المطلق كقصر عدد رجال الإسناد وانتهائه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
يفرق بين العلو المطلق الذي ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والعلو النسبي الذي ينتهي إلى إمام معين، محذراً من تقديم العلو على الصحة. ويؤكد أن الحديث الصحيح وإن نزل إسناده خير من عالٍ ضعيف، وأن طلب المشقة لتحصيل الأجر غير مشروع إذا أدى لإهمال الواجب.
يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار الأيسر من الأمرين ما لم يكن إثماً، ولم يتكلف المشقة على نفسه. ويختتم بالدعاء له ولآله وصحبه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الحافظ رحمه الله: كتاب نكت النظر. قال في القسم الأول مما تقدم ذكره من الأقسام الثلاثة، وهو ما ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإسناد: هو المرفوع، سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متصل أم لا. يعني: لا يشترط في المرفوع اتصال السند، بل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، ولو كان معلقًا أو معضلًا أو منقطعًا أو مرسلًا. فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. قال: والثاني الموقوف، وهو ما انتهى إلى الصحابي، ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل. والثالث المقطوع، وهو ما ينتهي إلى التابعي ومن دونه. فالمقطوع: ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل. قال: ومن دون التابعي من أتباع التابعين فمن بعدهم. قال فيه -أي في التسمية- مثله، أي مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعًا. وإن شئت قلت: موقوف على فلان. يعني: إطلاق الموقوف على التابعي يجوز مقيدًا، هذا موقوف مثلاً على ابن سيرين، أو على ابن المنكدر، أو موقوف على نافع نحو ذلك. وإلا فالأغلب في الاستعمال أن يقال لما يضاف إلى التابعي: مقطوع، وإلى الصحابي: موقوف. قال: حصلت التفريعة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع. فالمنقطع من مباحث الإسناد كما تقدم، والمقطوع من مباحث المتن كما ترى. هذا الفرق بين المنقطع والمقطوع: المنقطع من مباحث الإسناد، سقوط راوٍ في أثناء السند أو أكثر غير التوالي. وأما المقطوع فهو من مباحث المتن، مضاف إلى التابعي أن يكون الكلام مضافًا إلى التابعي أو من دونه. قالوا: قد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا وبالعكس تجوزًا عن الاصطلاح، يعني: جعلوا توسعوا في الإطلاق، فأطلقوا المقطوع على المنقطع، والمنقطع على المقطوع. وممن أطلق على المقطوع "منقطع": الشافعي، والطبراني، والدارقطني، والحميدي. هؤلاء أطلقوا على المقطوع "منقطع". وأطلق أبو بكر البرديجي على المنقطع "مقطوع"، أطلق على المنقطع المقطوع. قال: ويقال للأخيرين -أي الموقوف والمقطوع- "الأثر"، يعني: يسمى الموقوف والمقطوع أثرًا. ويخص هذا أيضًا أهل خراسان، يسمون المقطوع والموقوف بالأثر. وأما المرفوع فيسمى بالخبر. والإمام النووي رحمه الله يقول: المحدثون يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف. وعلى كلٍّ: إنها استعمالات. وقد يطلق الأثر على المرفوع والموقوف كما قال الإمام النووي رحمه الله، هو استعمال أهل الحديث، يسمى أثرًا، يقال: في الأثر كذا وكذا، يعني: في الحديث أو في قول الصحابي. ورغم يخص الأثر بالمرفوعات والموقوفات. قال: في الآثار: آثار السلف، يعني: ما ثبت عن الصحابة والتابعين. والمرفوع يقال له الخبر. ولو فرق بهذا التفريق طيب، لا بأس. ولو أطلق الأثر على هذا وهذا -على المرفوع والموقوف- استعمله أهل الحديث. قال: والمسند في قول أهل الحديث -هذا حديث مسند، يعني: ما هو الحديث المسند؟ قال: هو مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال. فقولي: "مرفوع" كالجنس، الجنس، اللفظ العام يتندرج تحته أفراد عديدة. فيقول: المرفوع كالجنس، لأن هذا المرفوع يدخل تحته المعلق، والمعضل، والمنقطع، والمرسل، إذا كان مضافًا للنبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع. فالمرفوع هذا جنس تحته أفراد متعددة. وقولي: "صحابي" كالفصل. أول شيء أخرج: مرفوع صحابي، أخرج المرسل؛ لأن المرفوع إلى تابعي... مرفوع تابعي. قال: ويخرج به ما رفعه التابعي فإنه مرسل، أو من دونه يعني: من دون التابعي فإنه معضل أو معلق. يعني: إذا كان قد سقط التابعي وبعد التابعي هذا معضل، سقطا على التوالي. وقولي: "ظاهر الاتصال" يخرج ما ظاهره الانقطاع، ويدخل ما فيه الاحتمال، يعني: احتمال الاتصال والانقطاع، كالمُرسَل الخفي. هذا يدخل في المسند، يدخل في المسند لأن الانقطاع فيه ليس ظاهرًا. وما يوجد فيه حقيقة الاتصال من باب أولى، يعني: يدخل في تعريف المسند ما فيه حقيقة الاتصال. قالوا: يفهم من التقييد بالظهور أن الانقطاع الخفي كعنعنة المدلس، والمعاصر الذي لم يثبت لقاؤه، لا يخرج الحديث عن كونه مسندًا، لإطباق الأئمة الذين خرجوا المسانيد على ذلك. يعني: ذكروا أحاديث في كتب المسانيد، والمسانيد التي أتنَت بالأحاديث المسندة وترتيبها على ترتيب الصحابي، يذكر الصحابي وما له من الأحاديث. فالمسانيد تشترط اتصال الأحاديث وإسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون بسند ظاهر الاتصال. فذكروا هذه الأحاديث في أسانيدها شيء من الإرسال الخفي، يعني: من رواية المعاصر الذي لم يلقَ، ما أخرجوها من كتب المسانيد. إذن المسند كما قال: مرفوع صحابي بسند ظاهر الاتصال، أو يقال: ما اتصل إسناده إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند متصل. يعني: الآن الفرق بين المسند والمرفوع: أن المرفوع ما يشترط اتصال السند، وأما المسند فيشترط أن يكون بسند ظاهر الاتصال. قالوا: هذا التعريف موافق لقول الحاكم، الحاكم رحمه الله في "معرفة علوم الحديث": قال: المسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه، أو يظهر سماعه منه، وكذا شيخه من شيخه متصلا إلى صحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم، هذا التعريف مقارب تعريف الحاكم للمسند. قال: وأما الخطيب في كتابه "الكفاية" فقال: المسند المتصل، جعل المسند والمتصل شيئًا واحدًا. قال: فعلى هذا الموقوف إذا جاء بسند متصل يسمى عنده مسندًا. لكن قال: إن ذلك قليل، يعني: قد يطلقون على الموقوف المتصل "مسند"، أو على الموقوف "مسند"، لكن قليل. والأكثر أنه يطلق المسند على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشار لهذا رحمه الله في كتابه "الكفاية". قال: وأبعد ابن عبد البر في كتابه "التمهيد" حيث قال: المسند المرفوع، ولم يتعرض للإسناد، فإنه يصدق على المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان المتن مرفوعًا، ولا قائل به. يعني: جعل المسند والمرفوع شيئًا واحدًا، بإمام ابن عبد البر. وهذا خلاف ما عليه أهل الحديث من التفريق بين المسند والمرفوع، لأن المسند يشترط فيه اتصال السند، وأما المرفوع فلا يشترط. طيب، الآن من كلام الحافظ: ما الفرق بين المسند والمتصل والمرفوع؟ والمسند والمرفوع؟ المسند لا يكون إلا مرفوعًا، يعني: متصلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، قد يتصل، يسنده إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم كالموقوف والمقطوع، يسمى متصلًا، يقال: هذا مقطوع متصل، أو موقوف متصل. والمرفوع: ها، يش... المرفوع يكون مرفوعًا إلى من؟ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: المرفوع يشترط فيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشترط اتصال السند. يعني: يمكن يقال: المرفوع ينظر فيه إلى المتن دون الإسناد، أن يكون مضافًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بإضل نظر على الإسناد المتصل. المسند ينظر فيه إلى السند والمتن، أن يكون السند متصلًا وأن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم. المتصل ينظر فيه إلى السند دون المتن، أن يكون السند متصلًا سواء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو التابعي أو الصحابي. واضح؟ نعم. قال: فإن قلّ عدده -أي عدد رجال السند- فإما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك العدد القليل بالنسبة إلى أي سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد كثير، أو ينتهي إلى إمام من أئمة الحديث ذي صفة علية كالحفظ والفقه والضبط والتصنيف وغير ذلك من الصفات المقتضية للترجيح، كشعبة ومالك والثوري والشافعي والبخاري ومسلم نحوهم، يعني: من أهل العلم والفضل والإمامة في الدين والحديث. قال: فالأول -يعني: ما ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، منتهى في السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم- يسمى "العلو المطلق". قال: فالأول، وما ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، العلو المطلق. يعني: علوه ليس مختصًا بشخص معين، وإنما هذا العلو أطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يسمى العلو المطلق. قال: فإن اتفق أن يكون سنده صحيحًا كان الغاية القصوى، يعني: المطلوبة بعلو السند وصحة الحديث. وإلا فصورة العلو فيه موجودة ما لم يكن موضوعًا. يعني: إذا كان ضعيفًا، وهو يعني: قلّ رجاله، وفيه علو، فصورة علو موجودة لكن الحديث ضعيف، ما لم يكن موضوعًا. فهذا وجود كعدمه، قال: فهو كالعدم لأن الموضوع مكذوب لا أصل له. وإنما إذا كان فيه شيء من الضعف فصورة العلو موجودة فيه، صورة العلو موجودة فيه. هذا الآن العلو المطلق: إذا انتهى الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجال أقل، مثل ما حصل للإمام البخاري، والأسانيد العالية التي فيها ثلاثة بين الإمام البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم. هذا سند عالٍ، قال: سند عالٍ، هذا علو مطلق. يعني: بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة، واضح؟ أو أربعة، هذا علو، أو خمسة ونحو ذلك. قال: والثاني: العلو النسبي. قال: ما قلّ العدد فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه كثيرًا. العلو، العلو النسبي يكون بالنسبة إلى إمام من الأئمة أو مصنف، يعني: من أصحاب الكتب. هذا يكون فيه علو نسبي، ليس علوًا مطلقًا. ما يكون العدد فيه أقل إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه كثير. يعني مثلاً: سند يرويه البخاري رحمه الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مثلاً بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أو ستة، ويأتي من يروي هذا الحديث إلى الإمام البخاري، وبينه وبين البخاري ثلاثة أو اثنان. هذا يعتبر علوًا نسبيًا، يعني: بالنسبة لنا. لروايتي عن البخاري، بيني وبينه ثلاثة، وكان بين البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة أو سبعة، هذا يسمى علوًا نسبيًا. قال: وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه، يعني: في العلو، الاهتمام بالأسانيد العالية. قال: حتى غلب ذلك على كثير منهم، بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه. يعني: جعلوا يهتمون بالعلو وإغفال ماذا؟ صحة الأحاديث والاعتناء بذلك. والصحة هو الأهم، ولو كان السند نازلًا، فحديث صحيح خير من سند عالٍ بحديث ضعيف. قال: وإنما كان العلو مرغوبًا فيه لكونه أقرب للصحة، لأن كل ما قلّ رجال الإسناد، كل ما كان مظنة الخطأ والانقطاع أقل مما لو كان رجال الإسناد كثير، فهم ظنة حصول الانقطاع والخطأ. قال: وقلّ الخطأ، لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مضان التجويز، يعني: تجويز الخطأ، وكلما قلت قلت. نعم، وليس المقصود هو النظر إلى هذا الأمر -إلى العلو- وإغفال أمر الصحة، لأنه هو المقصود. المقصود هو الاعتماد على صحة الحديث والعمل به، فيكون حال الإنسان كمن... يعني: يخرج يريد المسجد، ويسمع أن إذا كثر الطريق زاد الأجر، فيذهب من طريق بعيدة، وعندنا طريق قريبة، عشرين خطوة إلى المسجد، يذهب من طريق مئة خطوة، يقول: حتى يزيد الأجر، وما يصلي المسجد قد انتهت الصلاة. فهذا كما يقال: اعتنى بفرع وضيع الأصل. وهكذا حال من اعتنى بالأسانيد العالية وأضاع المقصود من صحة الأحاديث. قال: فإن كان في النزول مزية ليست في العلو، كأن يكون رجاله أوثق منه، أو أحفظ، أو أفقه، أو الاتصال فيه أظهر، فلا تردد في أن النزول حينئذ أولى. وأما من رجح النزول مطلقًا، واحتج بأن كثرة البحث تقتضي المشقة فيعظم الأجر، فذلك ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف. يعني: بعضهم قال: كلما كثر الرجال وشق الوصول إلى السند كان أعظم في الأجر والمشقة، إذا حصلت المشقة زاد الأجر. الاعتبار: القاعدة "الأجر لقدر المشقة" مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "أجرك على قدر نصبك" أو "تعبك". لكن ليس معنى الحديث أن الإنسان يتكلف المشقة، وإنما إذا حصلت المشقة من غير تكلف فنعم. ولا يتكلف، كما ذكرنا في المثال: يتكلف المشي والذهاب إلى مكان بعيد حتى يقول: أحصل على زيادة في الأجر، ويتكلف المشقة، لا، ليس هذا المقصود. المقصود: إذا حصلت المشقة من غير تكلف فيؤجر الإنسان. والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. مكان يتكلف عليه الصلاة والسلام المشقة. طيب، نقف هنا إن شاء الله، ونكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.