الدرس في التعليق على الجواب الكافي 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب تضعف تعظيم الله في القلب وتجعل العبد يتجرأ على المعصية. كما تهون حرمات الله وتضعف تعظيمها في القلب.
تعظيم الله يجعل الناس تعظم صاحبها وتخافه، ومحبة الله للعبد تجعل أهل السماء يحبونه. كما يوضع له القبول في الأرض.
من يعظم الله ويخافه يعظم الله أمره عند الناس، بينما من يهون أمر الله يهنه الله. يُظهر علاقة الجزاء من جنس العمل.
الله يرفع من يشاء ويعزهم ويذل من يشاء ويضعهم، وهذه الصفات تعبر عن قدرته المطلقة في توجيه مصائر خلقه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، وأتباعه إلى يوم الدين. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: فصل: ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى؛ لأنه لو عظم الله عز وجل ما عصاه. ولهذا فإن المعاصي من عقوباتها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل وعلا، كما قال العبد الصالح بشر الحافي -رحمه الله-: "لو فكر العبد في عظمة الله لما عصاه". فلهذا فإن المعصية إنما تكون من ضعف عظمة الرب جل وعلا في القلب. ولهذا كان السلف يقولون: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت". فلأن المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب جل وعلا، قالوا: "لو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معصيته". وربما اغتر المغتر، وقال: "إنما يحملني على المعاصي قصر الرجاء وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي". وهذا قد تقدم الرد عليه، وأن هذا من سوء الظن بالله؛ أن العبد يفعل المعاصي ثم يرجو أن الله عز وجل يغفر له. وكذلك قالوا: "هذا من مغالطة النفس؛ فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته. ومن لم يعظم حرمات الله لم يعظم الله ولم يقدروه حق قدره". قالوا: "تعظيم حرماته تحول بينه وبين المعاصي". والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره. وكيف يقدروا حق قدره أو يعظمه ويكبره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هان عليه أمر الله فعصاه، وهان عليه نهيه أيضا فارتكبه. قال: "هذا من أمحل المحال وأبين الباطل". وكفى بالمعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه. ومن عقوبة الذنب أنه تهون في القلب عظمة الله، ويضعف هذا التعظيم حتى إنه يضعف غيره على حرماته. ثم قالوا: "من عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به؛ لأن هذا جزاء النفاق، والجزاء من جنس العمل". لما ضعف عظمة الله عز وجل في قلب الإنسان، أيضا من عقوباتها أنه أيضا يضعف مهابة قلوب الناس إلى هذا الشخص. قال السلف: "يعظمون الله عز وجل، فيخافهم العدو، ويخافهم الصديق، ويرعب منهم". وكذلك كان الناس إذا رأوا صحابيًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عظموه، حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تغزون فارس فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله لكم، ثم يقال: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح لكم. ثم تغزون فيقال: هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح لكم». وهذا يدل على عظمة هؤلاء عند الناس، فتهابهم قلوبهم. فأيضا كذلك، وهذا كله من تعظيم الله؛ فمن عظم الله عز وجل عظمه الناس، وألقى الله عز وجل عظمته في قلوبهم. ومن هان عليه أمر الله وهانت معاصي الله عليه لم يعظم الله عز وجل فيها؛ فإن الله عز وجل أيضا يضعف قلبه من تعظيمه. وكذلك أيضا يهون عليه أمر الله، ومن يهن الله فما له من مكرم. وكذلك أيضا يضع الله عز وجل المهابة من قلوب الخلق، كما هان عليه أمره واستخف به. فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، كما جاء في حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: يا جبريل إني أحبه فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وهذا الحديث جاء فيه سبب في صحيح مسلم أن سهيلا كان مع أبيه ذكوان في الحرب، فلما جاء عمر بن عبد العزيز قام الناس ينظرون إلى عمر بن عبد العزيز، فقال سهيل لأبيه: "إن الناس يحبون عمر بن عبد العزيز، فإن الله عز وجل قد وضع له محبة وقبولا في قلوب الناس". فقال ذكوان أبو صالح: "نعم يا بني، فقد سمعت أبا هريرة يحدث بهذا الحديث". وهذا يدل على أن الله عز وجل إذا أحب عبدا فبقدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله خافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس. وهذا من الجزاء؛ أنه الجزاء من جنس العمل. وربنا جل وعلا حكم عدل سبحانه جل وعلا. قالوا: "كيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟". وقد أشار الله عز وجل إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه «أركس أربابها بما كسبوا وطبع على قلوبهم فأنساهم ذكرنا» ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. هذه الآيات قد تقدمت في طبع الله عز وجل على قلوب هؤلاء المخالفين. «أركسوا بما كسبوا» أي أركست قلوبهم، صارت منكوسة. «وهانوا» أي هانوا على الله «كما هانوا» على أنفسهم «وضيعهم» الله «كما ضيعوا» أمره. ولهذا قال الله عز وجل: «نسوا الله فنسيهم» أي ضيعوا أمره ونهيه فأضاعهم الله عز وجل وتركهم. وليس معنى النسيان أنه نسيهم نسيانا، هذا المعبود، وإنما المراد به الترك وعدم مبالاة بهم. قالوا: "لهذا قال الله عز وجل في آية سجود المخلوقات له: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾؛ لأن هؤلاء عظموا الله عز وجل، فعظمت الله هذه المخلوقات. لكن من لم يعظم الله عز وجل فإن الله عز وجل يهنه. فإذا وهن العبد وضعف في قلوب الناس، وفي قلبه وفي أمر الله جل وعلا، فإنه ليس له هناك من يكرمه ويعظمه ويرفع أمره؛ لأن الله عز وجل أذل له". وربنا سبحانه وتعالى هو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء سبحانه جل وعلا. قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهو ربنا جل وعلا هو الرافع وهو الخافض جل وعلا، يرفع من يشاء من خلقه ويعزهم، ويذل من يشاء سبحانه جل وعلا من خلقه ويضعهم. والله تعالى أعلم.