الدرس في التعليق على الجواب الكافي 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب تضعف تعظيم الله في القلب والمعاصي تنتج عن هذا الضعف. تعظيم حرمات الله يحول بين العبد والمعاصي.
تعظيم الله يورث العبد عظمة عند الناس ويجعلهم يحبونه ويعظمونه. ضعف تعظيم الله في القلب يؤدي إلى هوان العبد عند الناس.
من يستخف بحق الله يهان ويذل، والله يؤتي الملك والعز لمن يشاء ويذل من يشاء. مشيئة الله تحكم كل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: فصل، ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى. لأنه لو عظم الله عز وجل ما عصاه، ولهذا فإن المعاصي من عقوباتها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل وعلا، كما قال العبد الصالح بشر الحافي -رحمه الله-: لو فكر العبد في عظمة الله لما عصاه. فلهذا فإن المعصية إنما تكون من ضعف عظمة الرب جل وعلا في القلب. ولهذا كان السلف يقولون: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. فلأن المعاصي تضعف في القلب تعظيم الرب جل وعلا، قال: ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معصيته. وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي. وهذا قد تقدم الرد عليه، وأن هذا من سوء الظن بالله. أن العبد يفعل معاصي ثم يرجو أن الله عز وجل يغفر له. وكذا قالوا: هذا من مغالطة النفس. فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته، ومن لم يعظم حرمات الله لم يعظم الله حقه ولم يقدروا حق قدره. قالوا: تعظيم حرماته تحول بينه وبين المعاصي، والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره. وكيف يقدروا حق قدره أو يعظمه ويكبره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ معنى هان عليه أمر الله فعصاه، وهان عليه نهيه أيضا فارتكبه. قال: هذا من أمحل المحال وأبين الباطل. وكفى بالمعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه. هذا من عقوبة الذنب أنه تهون في القلب عظمة الله، ويضعف هذا التعظيم حتى إنه يضعف غيره على حرماته. ثم تقدم في الذي قبله: قال بعضهم: من عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به. لأن هذا جزاء النفاق، والجزاء من جنس العمل. لما ضعف عظمة الله عز وجل في القلب، في قلب الإنسان أيضا من عقوباتها، ومن آثارها أنه أيضا تضعف مهابة قلوب الناس إلى هذا الشخص. قال بعضهم: من عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به. ولهذا لما كان السلف يعظمون الله عز وجل يخافهم العدو، ويرهب منهم، ويهابهم الصديق أيضا يعظمهم. كان الناس إذا رأوا صحابيًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عظموه، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تغزونا فيستفتحوا لكم، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حتى يفتح لهم عظمة لأصحاب رسول الله، ثم يقال: ثم تغزونا فيقال: هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» إلى آخر هذا الحديث. وهذا يدل على عظمة هؤلاء عند الناس، فيهابهم. فأيضا كذلك، وهذا كله من تعظيم الله. فمن عظم الله عز وجل عظمه الناس، وألقى الله عز وجل عظمته في قلوبهم. ومن هان عليه أمر الله وهانت معاصي الله عليه لم يعظم الله عز وجل فيها. فإن الله عز وجل أيضا يضعف قلبه من تعظيمه. وكذلك أي من تعظيم الله عز وجل، وكذلك أيضا يهون عليه يهون على الله. ومن يهن الله فما له من مكرم. وكذلك أيضا يضع أو يرفع الله عز وجل المهابة من قلوب الخلق. قال: كما هان عليه أمره واستخف به، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق. متقدم في حديث اللي ذكرناه حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: يا جبريل إني أحبه فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وهذا الحديث جاء فيه سبب في صحيح مسلم أن سهيلا كان مع أبيه ذكوان في الحرب، فلما جاء عمر بن عبد العزيز قام الناس ينظرون إلى عمر بن عبد العزيز. فقال سهيل: قلت لأبي: إن الناس يحبون عمر بن عبد العزيز، فإن الله عز وجل قد وضع له محبة وقبولا في قلوب الناس. فقال ذكوان أبو صالح: نعم يا بني، فقد سمعت أبا هريرة يحدث فذكر الحديث. وهذا يدل على أن الله عز وجل إذا أحب عبدا فبقدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس. وهذا من الجزاء من جنس العمل، وربنا جل وعلا حكم عدل سبحانه جل وعلا. قالوا: كيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟ وقد أشار الله عز وجل إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وطبع على قلوبهم فطبع عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم كما نسوه. هذه الآيات قد تقدمت في طبع الله عز وجل وانتكاس قلوب هؤلاء المخالفين. أركسوا بما كسبوا، أي أركست قلوبهم صارت منكوسة. قال: وهانوا كما هانوا، وضيعهم كما ضيعوا أمره. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، نسوه أي ضيعوا أمره ونهيه، فأضاعهم الله عز وجل وتركهم. وليس معنى النسيان أنه نسيهم النسيان هذا المعمول به، وإنما المراد به الترك وعدم المبالاة بهم. قالوا: لهذا قال الله عز وجل في آية سجود المخلوقات له: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾. لأنه لما ذكر سجود المخلوقات: ﴿ولله يسجد ما في السماوات والأرض﴾ بآية الحج في آخرها، قال: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾. هؤلاء عظموا الله، هذه المخلوقات عظمت الله عز وجل، لكن من لم يعظم الله عز وجل فإن الله عز وجل يهنه. فإذا وهن العبد وضعف في قلوب الناس، وفي قلبه وفي أيضا في أمر الله جل وعلا، فإنه ليس له هناك من يكرمه ويعظمه ويرفع أمره، لأن الله عز وجل أذل له. وربنا سبحانه وتعالى هو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه جل وعلا. قال: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾، فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به لم يفعلوه، أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم، أي من معظم ورافع لهم بعد أن هانهم الله. ومن ذا يكرم من أهانه الله أو يهين من أكرمه الله؟ فالعز لله جل وعلا. قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. فهو ربنا جل وعلا هو الرافع وهو الواضع جل وعلا، يرفع من يشاء من خلقه ويعزهم، ويذل من يشاء سبحانه جل وعلا من خلقه ويضعهم.