التعليق على الجواب الكافي 55

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تأثير المعاصي على الأرض والبركة

المعاصي تؤثر سلباً على الأرض وتسبب خسفها وزلازلها وتمحق بركتها، كما أن طاعة الله تجلب البركة في الأرزاق.

آثار الذنوب على الأرزاق والخلق

الذنوب والمعاصي تؤثر على الأرزاق وتقلل البركة فيها، بينما العدل وطاعة الله يزيدان البركة ويكبران حجم الثمار.

نتائج طاعة الله ومعصيته على البركة

طاعة الله تجلب البركة في الأرض والعمر والعمل، بينما معصيته ونزع البركة مرتبط بالشيطان ويظهر ذلك في أمثلة تاريخية.

تأثير طاعة السلف على محيطهم

طاعة السلف لله عز وجل كانت كبيرة لدرجة أنها أثرت على محيطهم حتى تسبحت الأواني معهم كما حدث مع بعض الصحابة والتابعين.

التفريغ النصي الكامل

أمنا الله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قالوا من تأثير المعاصي في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. تقدم أن الفساد الذي يحدث في الأرض بسبب هذه الذنوب والمعاصي هو من أعظمها نزع البركة أو قلتها. وسيذكر الإمام ابن القيم في هذا أو بعد هذا الكلام هذا الأمر، وهو أن محق البركة بسبب هذه الذنوب والمعاصي. قال: ومن تأثير المعاصي في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستقاء من آبارهم. وهذا كله في الصحيحين. قال: حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح. إن بعضهم قد تقدم من الجيش، فأخذوا من المياه وعجنوا بها عجينًا، فأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوها النواضح، والنواضح الإبل التي يستقى عليها الماء. فأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا يأكلوا منها شيئًا، ويعطوها النواضح. قالوا: هذا لتأثير شؤم المعصية في الماء. وأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن من أراد أن يشرب، يشرب من المكان الذي تشرب منه الناقة، وإلا فالمياه. أولًا كانت معناه: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن المعصية تؤثر حتى على الماء. فأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدخلوا إلى هذه الديار المعذبة إلا وهم باكون. لهذا علي رضي الله عنه لما مر بثمود، مر مسرعًا لم ينزل فيها، ولم يجلس فيها. قال: لتأثير شؤم المعصية في الماء، وكذلك تأثير شؤم الذنوب في نقص الثمار، وما يرى به من الآفات. قالوا: قد ذكر الإمام أحمد في مسنده حديثًا قال: وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في الزمن العدل. ذكر الإمام أحمد في كتابه هنا، قال في مسنده. الله أعلم. الظاهر أنها في كتابه أيضًا، ذكرها في كتابه فضائل الصحابة. قال رحمه الله: أخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها، وإنما حدثت من قرب. ولهذا إذا وجد العدل، صارت الأرض على كلمة الله عز وجل وعلى الحق، فتجد الثمار ترجع مرة أخرى بكبرها، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الثمار التي توجد في زمن عيسى عليه السلام، حتى إن الفئام من الناس لا يستظلون بقشر الرمانة، فقشر الرمانة واحدة يستظلون بها. فئام من الناس، وهذا يدل على كبرها، وأن اللقحة الواحدة لا تكفي الفئام من الناس. على اللقحة اللبن إذا حلب من الناقة يكفي فئام من الناس. وهذا لظهور الطاعة في الأرض، وذهاب المعصية. وإذا حلت المعصية، نزعت البركة، حتى إنه تقل البركة في الأرزاق. التمرة التي الآن توجد، ليس مثل التمرة التي كان يأكلها الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده، كانت كبيرة. إن الرجل يكفيه تمرة واحدة في يومه، كما جاء في غزوة ذات الرقاع في حديث جابر: أن تمرة واحدة يأخذها الصحابة ويمصصها. وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن. هذا الحديث في الصحيحين، وقد خرجه الإمام البخاري ومسلم من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة في الصحيح. قال: فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والفجر والخونة، يخرج عبدًا من عباده من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، فيملأ الأرض قسطًا كما ملئت جورًا. وقد صح حديث المهدي، وهي متكاثرة ولا شك فيها. وعدم إخراج الإمام البخاري ومسلم لشيء من أحاديثها لا يدل على أنها ضعيفة، بل جاءت بأسانيد صحيحة، وكثرتها يدل على ثبوتها. وقد جاء في صحيح البخاري: كيف إذا نزل فيكم عيسى بن مريم وإمامكم منكم؟ رحمكم الله. وهذا أيضًا يدل على المهدي وأنه يكون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام. قال: ويقتل المسيح الدجال، والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركتها وتعود كما كانت. حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقشرها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير. الوقر معنى: حمل بعير، معنى الذي يحمله البعير، معنى الذي يستطيع حمله البعير. هذا شيء كثير، أن هذا عنقود واحد من العنب. قال: وأن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس. الفئام الجماعة الكثيرة. قال: وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي، ظهرت فيها آثار البركة من الله التي محقتها الذنوب والكفر. ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض، تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم. بل إن كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: حتى الوحوش تذهب وحشيتها، فتجد الغلام والوحش معًا، وتجد الرجل أو الطفل يلعب بالحية وهي لا تلدغ، كما جاء في بعض الأحاديث في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام. ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض، أنها أثرت في طبيعة الأرض وكذلك في ثمارها. قال: تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم. فانظر إلى بعض المناطق منذ أن حدث فيها هذا العذاب، ولا زالت إلى الآن مثل الصحراء القاحلة، ومثلًا على سبيل المثال مأرب سبأ، فهي إلى الآن صارت مثل الصحراء، إلا في أماكن بعيدة من سبأ كانت على ما كانت عليه خضراء. وأما ما كان قرب سبأ، فتجد أنها أكثرها مثل الصحراء، وقد كانت جنات. قال: فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات، كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم، فتناسبت كلمة الله وحكمه الكوني أولًا وآخرًا. وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف. وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار الدنيا ودار الجزاء، وهذا من عدله سبحانه وتعالى وكمال حكمته جل وعلا. حتى يرى الناس هذه الآثار التي كانت تحدث بمن كان قبلهم. قال: وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فإنه لما قارن العبد واستولى عليه، نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه. ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت، نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته. أو لعلها نزعت البركة وجاءت البركة. وكذلك مسكنه لما كان الجحيم، لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة. فالشيطان تلازمه نزع البركة، نزع البركة تلازم الشيطان، كما أنه العكس إذا ابتعد الشيطان جاءت البركة. هكذا حتى في البيوت، فالبيت الذي تسكنه الشياطين تنزع منه البركة، والبيت الذي تسكنه الملائكة ملائكة الرحمة، تجد البركة فيه. تجد البركة فيه على قدر طاعته، على قدر طاعته من الله جل وعلا. لهذا كان السلف من كثرة طاعتهم لله عز وجل، حتى إن الأواني تسبح معهم، أواني البيت يسمع تسبيحها، كما كان يحصل لعبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، وكذلك من التابعين سليمان بن يسار ومطرف بن عبد الله وغيرهم من السلف رحمهم الله.