الدرس في التعليق على الجواب الكافي 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تخون العبد وتفقده القدرة على معرفة ما ينفعه ويضره في معاشه ومعاده. تنسي العبد المعلومات وتطفئ نور العلم في قلبه.
المعاصي تضعف القلب وتسلط الشيطان عليه وتقوي النفس الأمارة بالسوء. تؤثر على اللسان والجوارح وتفقدهما القدرة على الطاعة والذكر الحقيقي.
النفس تحتاج إلى تقوية الوازع الإيماني لمواجهة الوساوس الشيطانية والنفس الأمارة بالسوء. ضعف الوازع الإيماني يجعل الإنسان عرضة للهجمات الشيطانية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام المقيوم: ومن عقوباتها أن تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه. فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التحقيق. يقول الإمام المقيوم رحمه الله: أن من عقوبات المعاصي أن تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، أن تنزع الثقة - ينزع الثقة من نفسه. ثم ذكر وجه ذلك، أن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وهذا لا بد أن الإنسان يعرف ما ينفعه وما يضره. قال: «وعلم الناس أعرفهم بذلك على التحقيق». ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية أن الله عز وجل يقول: إنه يفصل الآيات، ويفصل الطرق التي يسلكها أهل الشر حتى يستبين لأهل الإيمان طرق أهل الشر. فلهذا الذي يعرف أسباب السعادة والشقاوة يعرف ما ينفعه وما يضره، فإنه يكون أعلى من الناس. ففي هذه الآية قوله جل وعلا: ﴿وكذلك نفصل الآيات لتستبين سبيل المجرمين﴾، ذكر الإمام القيم أن الناس في هذه الآية على أطوار. وأعظمهم من عرف سبيل أهل الخير والإيمان، وعرف سبيل أهل السعادة، وعرفت ذلك الفرق الذي يوصف أيضا إلى الشر حتى يجتنبه. عرفت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه. ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه. وكما قال حذيفة: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني». فلهذا فأعظم الناس وأفضلهم الذي يعرف أسباب السعادة وأسباب الشقاوة، فيسلك أسباب السعادة ويتجنب أسباب الشقاوة. قالوا: وأرشد من آثر هذه على هذه، لآثر الآخرة على الدنيا. كما أن أسفههم من عكس، من آثر الدنيا على الآخرة، بل «تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة». فمن آثر الفاني على الباقي فهو لا عقل له. والعاقل الذي يكثر الباقي على الفاني. قال: والمعاصي تفتح على العبد أحوج ما يكون إلى نفسه لتحصيل هذا العلم. فإن تتضيع عليه المعلومات، هذه المعاصي تنسي العبد المعلومات. كما تقدم قبل أن من أسباب ذهاب العلم: مرارة المعاصي. كما قال الإمام مالك للإمام الشافعي: «إن الله قد ألقى في قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعاصي». وورد عن الشافعي رحمه الله، أو ينسب إلى الشافعي، قال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي». وقال: «إن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص». قال: والمعاصي تفتح على العبد أحوج ما يكون إلى نفسه في تحصيل هذا العلم. فإذا وقع في باطله واحتاج إلى التخلص منه، خالط قلبه ونفسه وجواره، فصار ضيقا لنفسه بسبب هذه المعاصي. وبسبب أيضا تسلط الشيطان عليه، «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين». قال رحمه الله: كان بمنزلة رجل معه سيفه قد غشي عليه الصدأ، ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه. فأراد له عدو يريد قتله، ووضع يده على قائل سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه، فدهمه العدو وقهره. قال: فذلك القلب يصدر بالغفلة، ويصير مضغنا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم ينجذب معه منه شيء. أعندك سلاح تحارب به أعداءك؟ العدو هو الشيطان، وهو النفس. لم يستطع أن يحارب لأنه ليس هناك معه سلاح، قد أذهبته المعاصي. قال العبد: إنما يحارب ويصاول ويقدم ويحجم بقلبه وجواره. فإذا لم يكن له ملكها قوة بها، فمن أين يكون له منعة بها؟ لأن قلب العاصي يضعف، فلهذا لا يستطيع أن يقوم بقلبه فيدافع عن نفسه من هذه الأعداء. قال: وكذلك النفس، فإنها تخذل بالشهوات. والمعاصي تضعف عن النفس المطمئنة. وإن كانت النفس الأمارة تقوى وتتشدد بفعل المعاصي، فإن هذه تضعفها. وهذا كأن الإمام يرى أن النفس المطمئنة غير النفس الأمارة بالسوء. لأن العلماء اختلفوا بعدما اتفقوا على ما ذكر الله عز وجل في الآيات: أن النفس المطمئنة، ونفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة. هل هي ثلاث أم هي نفس واحدة؟ وظاهر الأمر أنها نفس واحدة، قد تكون مطمئنة إذا تابت ورجعت لله، وتكون لوامة إذا فعلت ذنبا، وتكون كذلك أمارة بالسوء إذا همت بالمعصية. لكن هنا الإمام المجتهد يذكر كأنه يريد أن يفرق بينها. أو أنه يريد أن يبين أن من كانت نفسه مطمئنة في أغلب أحواله، فإنه لا يخاف من هذا الضعف. وأما إن كانت نفسه أمارة بالسوء، فهي تأمره بذلك وتضعفه. قالوا: كلما قويت هذه ضعفت تلك. إذا قويت النفس الأمارة بالسوء، فإنها تضعف نفسه، ويضعف الوازع الذي في قلبه. قال: فيوقع التفرق للتصرف للأمارة. وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرجى معه حياة. وهذا الكلام كلام وجهه الطبيب أنا في الأنفس. فهذا الذي يخص بالمسلم الذي ترك ما كان عليه من الطاعة، وذهب إلى المعاصي، فكانت نفسه مطمئنة ثم قتلها وماتت هذه النفس، فصار بذلك لازمه. وأيضا كذلك عدم الراحة لازمه، عدم الطمأنينة. وأتبع نفسه هواه، أعطى نفسه هواه، فهذا لا بد أن نفسه تغلبه وتصير أمارة بالسوء. قال: فهذا ميت في الدنيا لا حياة له، وميت في البرزخ، غير حي في الآخرة، حياة ينتفع بها، بل حياة حيوانية يدرك بها الضرورات فقط. والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو قحط أو بلية، صار قلبه ولسانه وجواره عما هو أنفع شيء له. فلا ينجد القلب للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والجمعية عليه. سبحانه وتعالى. تجد أن الإنسان المؤمن الذي هو بعيد عن المعاصي، وإن أصابه شيء من المعاصي تاب إلى الله واستغفر، تجد أنه مطمئن في نفسه، متوكل على الله. مهما جاءت المصائب والفتن، فهو لا يتزعزع كالجبل. مهما جاءته البلايا، مهما جاءته المصائب وغيرها، فهو لا يتزعزع كالنقم. وكأنه لا شيء يسير، ولا شيء أيضا من هذا الذي يعيشه، مثلا من الفقر الذي يعيشه أو غيرها من هذه الأمور، فهو لا يبالي بها لأنه يجد أنه طائع بما أعطاه الله عز وجل، متوكل على الله، منيب إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله: فلا ينجد القلب للتوكل على الله وللإنابة إليه والتضرع إليه، لأن هناك مانعا. ولا يطاوع لسانه لذكره. وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه. مثل ذاكر الله يذكر الله ولا يعقل، ولا أيضا يساعد قلبه ولسانه على ذكره. والذكر إما أن يكون باللسان فقط، وإما أن يكون بالقلب فقط، وإما أن يكون باللسان والقلب جميعا، وهو أفضلها. وهو الأقرب باللسان والقلب، وهو أفضل الذكر أن يكون باللسان والقلب. وبعده أن يكون بالقلب، وبعد ذلك أن يكون باللسان فقط. وذكر الذي يكون باللسان فقط، غالبه لا ينتفع به، صحيح وإن كان يؤجر عليه. قال: فينحبس القلب واللسان على المداومة. بل إن ذكر أو دعا بقلب غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه، لم تطاوعه. مثل ما قال بعض السلف: لما ذكر آفة الشيطان، قال: «استغفار الكذابين». يعني يستغفر وهو في المعصية، وتجد أيضا يستمر في المعصية وهو يستغفر، فهذا ليس استغفارا صحيحا، لأن هذا استغفار باللسان فقط، وقلبه مع المعصية. قال: وهذا كله أثر المعاصي. المعاصي كمن له جند يدفعون عنه الأعداء، أهمل جنده وضيعه وأضعفه، وقطع أخباره. وما أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع، عجز بغير قوة. هذا كما حصل لملوك بني العباس المتأخرين، فإنهم أضعفوا جيوشهم وأهملوهم، فلما احتاجوا إليهم في رد العدو لم يجدوا من عندهم من يدافع البادي. وهكذا النفس، فالنفس إذا أضعفتها وأضعفت الوازع الإيماني الذي في قلبك، فإنهم بعد ذلك إذا هجمك العدو من الشياطين ومن النفس الأمارة أو غيرها، فإنه لا يستطيع أن يرد شيئا.