التعليق على الجواب الكافي 79

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات المعاصي وتأثيرها على القلب

ذكر الإمام ابن القيم أن المعاصي تعمي القلب وتضعف بصيرته، مما يؤدي إلى فقدان معرفة الهدى. الكمال الإنساني يعتمد على معرفة الحق وإيثاره.

أقسام الناس في إدراك الحق وتنفيذه

يناقش المقطع صفات الأنبياء وأتباعهم ويقسم الناس إلى أربعة أقسام بناءً على إدراكهم الحق وتنفيذه. الأقسام تختلف في مستوى البصيرة بالدين والقدرة على تنفيذ الحق.

تفصيل أقسام الناس في معرفة الحق والعمل به

القسم الأول يعرف الحق ويعمل به ويصبر عليه، وهو الذي يصلح للإمامة في الدين. يُفصّل الكلام حول أهمية الصبر والإيمان بالآيات لتحقيق الإمامة.

فوائد الإمام ابن القيم في التفسير

الإمام ابن القيم قدم فوائد عظيمة في ربط الآيات وتوضيح فهمها. يُشيد بتفسيره العميق للآيات والأحاديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، المعلمين الصلاة والصلاة على رسول الله، آله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فَصْلٌ، وَمِنْ عُقُوبَاتِهَا أَيْ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي أَنَّهَا تُعْمِي الْقَلْبَ، فَإِنْ لَمْ تُعْمِهِ أَضْعَفَتْ بَصِيرَتَهُ وَلَا بُدَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّهَا تُضْعِفُهُ وَلَا بُدَّ، فَإِذَا أَعْمَى الْقَلْبَ وَضَعُفَ فَاتَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْهُدَى وَقُوَّتِهِ عَلَى تَنْفِيذِهِ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ وَقُوَّتِهِ. فَإِنَّ الْكَمَالَ فِي الْإِنْسَانِ مُدَارُهُ عَلَى أَصْلَيْنِ: مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَإِيثَارِهِ عَلَيْهِ. وَمَا تَفَاوَتَتْ مَنَازِلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِقَدْرِ تَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. فَهَذِهِ مِنْ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي أَنَّهَا تُعْمِي الْقَلْبَ. ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مِنْ عُقُوبَاتِهَا أَنَّهَا تُضْعِفُ الْقَلْبَ، وَالْعَمَلُ هُنَا هُوَ إضْعَافُ بَصِيرَةِ الْقَلْبِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي إضْعَافِهِ وَدَاخِلٌ فِي حَدِيثِ «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضَ مِثْلَ الصَفَا، لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». أَنَّ تَذْهَبَ بَصِيرَتُهُ فِي الْحَقِّ، لَا يُبْصِرُ الْحَقَّ بَلْ يُبْصِرُ عَكْسَهُ، يَجْعَلُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا. وَلَا أَيْضًا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْهَوَى، يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ هَوَاهُ وَكُلُّ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ، وَأَيْضًا يُرْضِيهِ بِهِ عَقْلُهُ فَيَعْمَلُهُ، فَيَتَحَوَّلُ عِنْدَهُ الْمَعْرُوفُ إِلَى الْمُنْكَرِ. فَهَذَا مِنْ عَمَلِ بَصِيرَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَلُ أَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَلُ قُلُوبٌ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. فَإِذَا أَعْمَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَلْبَ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْهُدَى وَإِنْ جَاءَهُ. فَالْهُدَى هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَدِينُ الْحَقِّ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، أَيْ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذَا الْعِلْمِ فَيَجْعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ قُوَّةً فِي تَنْفِيذِ الْحَقِّ وَقُوَّةً فِي الْعَمَلِ بِهِ. كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ الْكَمَالَ الْإِنْسَانِيَّ مُدَارُهُ عَلَى أَصْلَيْنِ: مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَإِيثَارِهِ عَلَيْهِ. وَمَا تَفَاوَتَتْ مَنَازِلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِقَدْرِ تَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَإِمَّا فِي إِنْفَاذِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ نُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِّ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَهُمَا اللَّذَانِ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، قَالَ: فَالْأَيْدِي الْقُوَّةُ فِي تَنْفِيذِ الْحَقِّ، وَالْأَبْصَارُ الْبَصَائِرُ فِي الدِّينِ، يَعْرِفُونَ دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُمَيِّزُونَ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ. قَالَ: فَوَصَفَهُمْ بِكَمَالِ إِدْرَاكِ الْحَقِّ وَكَمَالِ تَنْفِيذِهِ. فَلِهَذَا لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُبْصِرُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ، لَا كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُ التَبْلِيغِ: يَقُولُونَ إِنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ يَعْلَمُهُ حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ، وَلِهَذَا لَا يَتَعَلَّمُونَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، قَالُوا: لِأَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ يَعْلَمُهُ حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ تَعْلَمُهُ. وَهَذَا مِنْ بَاطِلِهِمْ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْعِلْمِ بِعِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. يُعْرَفُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَيُوَفِّقُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ هَذَا الْعِلْمِ أَهْلَ التَّقْوَى إِلَى مَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِلَى مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ. قَالَ: فَوَصَفَهُمْ بِكَمَالِ إِدْرَاكِ الْحَقِّ وَكَمَالِ تَنْفِيذِهِ. وَانْقَسَمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ. أَمَّا فِي تَنْفِيذِ الْحَقِّ وَفِي الْبَصِيرَةِ بِهِ، فَهُؤُلَاءِ أَشْرَفُ الْأَقْسَامِ مِنْ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ، الَّذِينَ عِنْدَهُمْ بَصِيرَةٌ فِي الْحَقِّ وَكَذَلِكَ تَنْفِيذًا لِلْحَقِّ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ. قَالَ: الْقِسْمُ الثَّانِي عَكْسُ هَؤُلَاءِ، عَكْسُ هَؤُلَاءِ، قَالَ: مَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي الدِّينِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَفَسَاقِهِمْ، تَجِدُ غَالِبًا بَعِيدًا عَنِ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَيْسَ عِنْدَهُ بَصِيرَةٌ فِي الْحَقِّ. قَالَ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْحَقِّ وَمَعْرِفَةٌ بِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَلَا الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ. وَالْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَهَذَا يَكُونُ بِسَبَبِ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ، فَهُوَ لَا يَقْوَى عَلَى مُجَابَهَتِهَا، لَا يَقْوَى عَلَى دُعَةِ الشَّيْطَانِ، لَا يَقْوَى عَلَى نَفْسِهِ، أُغْلِبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، لَا يَقْوَى عَلَى الْهَوَى الَّذِي أُخِذَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ: الْقِسْمُ الرَّابِعُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَهَمَّةٌ وَعَزِيمَةٌ، لَكِنَّهُ ضَعِيفُ الْبَصِيرَةِ فِي الدِّينِ، يَكَادُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، لِمَاذَا؟ لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ بِالْعِلْمِ، مَا يَعْرِفُ مَنْ هُمْ عَلَى الْحَقِّ، مَنْ هُمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ، مَنْ هُمْ عُلَمَاءُ الْبِدْعَةِ. لَكِنَّهُ عِنْدَهُ هِمَّةٌ، إِمَّا عِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ، وَعِنْدَهُ زُهْدٌ وَوَرَعٌ، لَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ هُدًى، عَلَى خِلَافِ الشَّرِيعَةِ، فَتَجِدُهُ يَفْعَلُ أَشْيَاءَ أَحْيَانًا خَطَأً. فَلِهَذَا وَأَيْضًا كَذَلِكَ سُرْعَانَ مَا يَنْقَادُ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، سُرْعَانَ مَا يَنْقَادُ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ، وَلَا يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبُلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، قَالَ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، فَالَّذِي يَعْلَمُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ وَيَعْلَمُ الْحَقَّ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي جَانِبِ الْحَقِّ، فَإِنَّهُ يَجْتَنِبُهَا وَيَبْتَعِدُ عَنْهَا، بَلْ إِنَّهُ يُجَابِهُهَا، وَكَذَلِكَ يُخَصِمُهَا وَيَهْزِمُهَا إِنْ كَانَ قَوِيًّا كَقُوَّةِ أُولَئِكَ الصَّالِحِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ. فَلِهَذَا قَالَ: الْقِسْمُ الرَّابِعُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَهَمَّةٌ وَعَزِيمَةٌ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ، لَكِنَّهُ رَدِيءُ الْبَصِيرَةِ فِي الدِّينِ، فَكَادَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، بَلْ يَحْسَبُ كُلَّ سَوَاءٍ، كَمَثَلِ مَنْ يَحْسَبُ كُلَّ سَوْدَاءَ تَمْرَةً، يَحْسَبُ كُلَّ سَوْدَاءَ تَمْرَةً. وَهَذَا مَثَلٌ يُضْرَبُهُ الْعَرَبُ فِي مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْجَمْرَةِ، بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْجَمْرَةِ، التَّمْرَةُ سَوْدَاءُ وَالْجَمْرَةُ سَوْدَاءُ، فَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا، مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي الشَّرَّ وَيَضُرُّ نَفْسَهُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ: بَلْ بَيْضَاءَ شَحْمًا، يَحْسَبُ الْوَرَمَ شَحْمًا، وَالدَّوَاءَ النَّافِعَ سَمًّا، أَنَّ الدَّوَاءَ النَّافِعَ الْحَقَّ وَالْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَمًّا، وَيَذْهَبُ إِلَى طُرُقِ الْبَاطِلِ وَالطُّرُقِ الَّتِي تَرُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ وَتُبْعِدُهُ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، وَلَا هُوَ مُوْضِعٌ لَهَا، سِوَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ اسْتَخْلَصَهُمُ اللَّهُ، مِنْ جُمْلَةِ الْخَاسِرِينَ. وَأَقْسَمَ بِالْعَصْرِ الَّذِي هُوَ زَمَنُ سَعْيِ الْخَاسِرِينَ وَالسُّعَدَاءِ، أَوْ قَالَ سَعْيِ الْخَاسِرِينَ وَالرَابِحِينَ، عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ فَهُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، قَالَ: وَلَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ حَتَّى يُوصِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهِ، وَيَرْغَبَهُ إِلَيْهِ، وَيَحُثَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا تَنْفِيذٌ لِلْحَقِّ، وَقُوَّةُ إِرَادَةٍ فِي تَنْفِيذِهِ، أَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى الْحَقِّ وَيُوصِي بِهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ. فَهَذَا أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ وَالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَاصُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَغَاصُوا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَخْرَجُوا كُنُوزَهُمَا. فَهَذِهِ الْفَوَائِدُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي أَذْكُرُهَا الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَوَائِدُ قَدْ لَا تَجِدُهَا فِي كِتَابٍ غَيْرِهِ، قَدْ لَا تَجِدُ مِثْلَ هَذِهِ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَرْبُطُ الْآيَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَكَذَلِكَ تُوَضِّحُ فَهْمَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَمِيقَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهَا آيَاتُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَمِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى عَمَلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. نُكْتَفِ بِهَذَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.