الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 28، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
ينصح الإمام الباجي ولديه بالصبر على أذى الناس وعدم معاداتهم، مستشهداً بصبر النبي ﷺ على أذى قومه، ومؤكداً أن الصبر والحلم سبب للعزة والنصر. كما يبين أن الحب والبغض يجب أن يكونا في الله، مع الابتعاد عن أهل الفساد والاكتفاء بالصبر والكف عن المقارضة عند الأذى.
يبرز النص فضيلتي الحلم والأناة اللتين مدح بهما النبي صلى الله عليه وسلم الأشج عبد القيس، ويضرب مثلاً بعفو النبي عن أعرابي أراد قتله فانقلب خيراً داعياً. كما يحث على التوكل على الله وعدم تعظيم حوادث الدنيا لزوالها السريع، محذراً من الاكتفاء بالأسباب المادية مع غفلة القلب عن ربها.
يؤكد المقطع على وجوب التوكل الحقيقي على الله وحده لا على الأسباب المادية، مع الأخذ بالأسباب المشروعة كطلب العلم والعمل، وأن انتظار الفرج عبادة. كما يبرز أهمية الدعاء في السراء والضراء كسلاح المؤمن وسفينة النجاة، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية على أن الله قادر على تبديل الحال وأن مع العسر يسراً.
يوضح المقطع أن الدعاء له ثلاث نتائج: الاستجابة، أو دفع البلاء، أو الادخار ليوم القيامة. ويحذر من العدول عن هذا الاعتقاد لأن في ذلك هلاك الدين والدنيا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد قال الإمام الباجي رحمه الله في وصيته الولدية الصبر على أذى الناس: «ولا يجب أن تعتقدا معادات أحد واعتمدا التحرز من كل أحد فمن قصدكما بمطالبة أو تكرر عليكما بأذية فلا تقارضاه جهدكما والتزما الصبر له ما استطعتما فما التزم أحد الصبر والحلم إلا عز ونصر ومن بغي عليه لينصرنه الله وقد استعملت هذا بفضل الله مرارا فحمدت العاقبة واغتبطت بالكف عن المقارضة». هنا رحمه الله ينصح ولديه بأن يصبر على أذى الناس والصبر على الأذى مطلوب وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يصبر على أذى الناس يقول ابن مسعود: «كأني أنظر إلى نبي من أنبياء الله عز وجل ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». فإذا كان نبي الله عليه الصلاة والسلام يتحمل الأذى ويصبر على أذى الناس كذلك أمته يجب عليهم أن يصبروا على أذى الناس والمسلم عليه أن يتحرز من كل الناس لا يخالطهم إلا فيما فيه مصلحة فإذا كان هناك مصلحة خالط الناس وإلا فالاعتزال أولى والشغل بالنفس أولى أن يشتغل المرء بحاله وبنفسه بإصلاحها فلا يعادي الناس لأن معادات الناس تنقلب عليه إذا عادى كل أحد يقول القائل: «أحبب حبيبك هونا هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما». هكذا الناس اليوم ربما يكونوا صديقا لك صاحبا لك ومحبا لك ثم ربما ينقلب كل ذلك إلى عداوة والعياذ بالله فلا تعادي أحدا من الناس إلا ما شرع فيه العداوة ما شرع فيه العداوة والبغض كبغض أهل الكفر الذين يحاربون دين الإسلام وهكذا أهل الأهواء والبدع الذين ينشرون بدعهم والذين يدعون إليها فالمعادات في الله سبحانه وتعالى والحب في الله سبحانه وتعالى من أوثق عرى الإيمان كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله عز وجل». فتبغض لله سبحانه وتعالى لكن أنت أيها المسلم عليك أن تبتعد عن أهل الارتياب وتبتعد عن أهل الفساد وأهل الشر فلا تجعل نفسك معاديا لكل أحد ومن قصدك بالمطالبة أو تكرر عليك بالأذية فعليك بالبعد عنه فلا تقارضه وتزود على الصبر تلتزم الصبر ولا تقابله بالمثل بمثل ما يتكرر عليك بالأذية وقد استعمل هذا المؤلف رحمه الله يقول: «استعملت هذا بفضل الله سبحانه وتعالى فلزم الصبر ولزم الحلم والحلم أن يتحلم الشخص أن يكظم غيظه وأن يعفو عن من ظلمه ومن أساء إليه ويصبر في مثل هذه الأمور هذا خلق عظيم». وقد جاء أن الأشج عبد القيس جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: «إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» متأني في الأمور لا يستعجل وكذلك عنده صفة الحلم فهو يحلم عن من ظلمه وعن من أساء إليه ويستخدم في ذلك عقله ولبه فالمرء إذا استخدم هذه المكارم سلم من أذية الناس ويحمد العاقبة العاقبة تكون له حميدة بإذن الله عز وجل لأنه لا يطالب أحدا بشيء لا يطالب الناس بشيء فيكف أذاه عنهم فتحمد عاقبته. مثل ذلك الرجل الذي جاء يريد أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام جاء أعرابي كما في حديث جابر عند الإمام مسلم فالنبي عليه الصلاة والسلام في أحد الغزوات استلقى تحت شجرة وسيفه معلق بالشجرة فجاء أعرابي فاخترط السيف وقال: «من يمنعك مني؟» يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الله» فوقع السيف من يده وارتعب الرجل من لفظة الله لأن النبي عليه الصلاة والسلام قالها بثقة وقالها بتوكل على الله أن الله عز وجل سيمنعه ويعصمه من أذى الناس فوقع السيف فأخذه رسول الله عليه الصلاة والسلام فوجّه إليه وقال: «من يمنعك مني؟» فقال الرجل: «كن خير آخذ» فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «عفوت عنك اذهب ولكن لا تكن مع قوم يقاتلونني» أو قال: «هذا الرجل أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك» فعفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام فلما ذهب إلى قومه قال: «جئتكم من عند خير الناس» انظروا كيف حمدت العاقبة جئتكم من عند خير الناس فوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه خير الناس بعدما كان عنده قبل لحظات شر الناس فانظروا كيف يكون الصبر واحتمال الأذى ويكون كذلك الحلم عن الجاهل تحلم عن من جهل عليك فهذه كلها من مكارم الأخلاق. ثم قال: «التوكل على الله ولا تستعظما من حوادث الأيام شيئا فكل أمر ينقرض حقير وكل كبير لا يدوم صغير وكل أمر ينقضي قصير وانتظرا الفرج فإن انتظار الفرج عبادة وعلّق رجاكما بربكما وتوكلا عليه فإن التوكل عليه سعادة». يقول: مهما حدثت وعظمت الحوادث في الدنيا لا تستعظماها لأن أمدها قصير أمد هذه الحوادث قصير وإذا زالت صارت كذلك صغيرة بالنسبة لما سيأتي بعدها لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه كما قال أنس رضي الله تعالى عنه: «سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم» إذن هناك أمور أعظم ستأتي مما نحن الآن فيه فلا نستعظم مثلا الغلاء غلاء الأسعار الموجود الآن والناس يتحدثون عنه ارتفعت ارتفع كذا وارتفع كذا وكأنه ليس هناك رب وكأنه ليس هناك الله سبحانه وتعالى فأين الناس من تعليق قلوبهم بالله عز وجل الذي يكشف البلوى ويكشف السوء ويكشف الضر ويبدل الأحوال سبحانه وتعالى فيبدل الأحوال إلى خير وإلى نعم العباد غافلون عن ربهم سبحانه وتعالى فلما اتكلوا على الأسباب المادية وكلهم الله إلى أنفسهم وكلهم الله إلى أنفسهم فإذا اتكلوا على الله سبحانه وتعالى كما تتكل الطير تغدو خماصا وتروح بطانا كما في حديث عمر لرزقهم الله عز وجل لكن توكلوا على المحسوسات والماديات وفلان وفلان وهكذا دولة الفلانية والدولة الفلانية كأن هؤلاء بيدهم الأمر كأن بيدهم الأمر يتصرفون في معايش الناس وأرزاق العباد كل هذا غفلة عن الله عز وجل ولو أن الناس اتقوا ربهم وخالقهم ومولاهم الذي سبحانه وتعالى ابتلاهم قادر على أن يبدل ما بهم من سوء الحال إلى أنعم حال فلهذا لا نستعظم ما نجده اليوم كذلك أنت في نفسك لا تستعظم ما تجده من قلة ذات اليد وتستعظم ما عندك من الفقر فإن الله عز وجل كفيل وقادر على أن يبدل حالك إلى أنعم حال لكن عليك أن تتكل على الله سبحانه وتعالى وتعلم أن الأمور بيده وأنه عز وجل قادر على كل شيء فأنت تعمل بالأسباب التي شرعها الله سبحانه وتعالى لك من الأسباب التي فيها طلب الرزق مثل طلب العلم ومثل كذلك أن تتحرك في الليل والنهار في البكور فإذا عملت بهذه الأسباب وعلمت أن الرزق من الله عز وجل سخر لك الله سبحانه وتعالى رزقك في يومك وليلتك وفي شهرك وسنتك فلهذا ينبغي علينا أن نتكل على الله سبحانه وتعالى وأن ننتظر الفرج أيضا فإن انتظار الفرج عبادة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن مع العسر يسرى وإن الفرج مع الصبر يأتي الفرج لا بد والله عز وجل وعد ولا يخلف وعده فقد قال إن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى فالله عز وجل جعل اليسر منكرا والعسر واحدا فقال العلماء لن يغلب عسر يسرين فإذا الأمور كلها تتبدل وتتحول لكن اعمل بالسبب المشروع واتكل على الله سبحانه وتعالى». قال: الاستعانة بالدعاء «واستعينا بالدعاء» وهذا لما ذكر التوكل ذكره بعد الصبر على أذى الناس تصبر وتتوكل على الله سبحانه وتعالى وتستعين بالدعاء أيضا كل هذه من الأمور المطلوبة تستعين بالدعاء واستعينا بالدعاء والجأ إليه في البأساء والضراء فإن الدعاء سفينة لا تعطب وحزب لا يغلب وجند لا يهرب هذا أمر الدعاء استعن بالدعاء في جميع أمورك في وقت الضراء وفي كذلك وقت السراء أي الرخاء عندما تكون منعما أيضا تدعو بأن الله عز وجل يحفظ لك ما أنعم به عليك وأن الله سبحانه وتعالى يزيدك أيضا زيادة مما أنت فيه من الخير والنعيم وهكذا في الضراء تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء بأن يكشف عنك الضراء ويكشف عنك البلاء ويكشف عنك المرض وغير ذلك مما ألم بك في حياتك فإنك إذا دعوت الله سبحانه وتعالى استجاب دعاؤك وإما أن يؤخر لك من الخير ما لا تعلمه وإما أن يدفع عنك من السوء والشر ما هو نازل بك فإن أمر الدعاء أمره عظيم فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن المؤمن إذا دعا فإنه بين ثلاثة أمور إما أن يستجاب دعاؤه وإما أن يرفع عنه ضر وبلاء نازل به وإما أن يدخره له يوم القيامة». قال: «وإياكم أن تستحيلا عن هذا المذهب تعتقدا غيره أو تتعلقا بسواه فتهلكا وتخسرا الدين والدنيا وربما دعوتما في شيء