الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 308، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح حديث حذيفة بن اليمان وأبي مسعود البدري في الصلاة على دكان مرتفع، ويبين أن هذا الأثر ليس بحجة لأنه لم يُسن إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يُظهر المقطع أهمية ربط الأحاديث بالسنة النبوية.
يتناول حكم صلاة الإمام في مكان مرتفع والمأمومون في أسفل، حيث اختلف العلماء بين الجواز والكراهة. يُستدل على الجواز إذا كان الغرض تعليمياً بصلاة النبي على المنبر.
يبحث في حكم صلاة المأموم خلف الإمام إذا كان في مكان أعلى أو أسفل، ويشير إلى آراء العلماء وشرط عدم وجود ما يحول بين الإمام والمأمومين لجواز ذلك.
يُبين أن الصلاة خلف صف ناقص جائزة إذا كانت الصفوف الأخرى مقتدية، حتى مع وجود فرجة صغيرة أو مسافة بين الصفوف، ويُعتبر حكماً ينطبق في مختلف الحالات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن سنان، وهو أبو جعفر القطان الواسطي، فقيه ثبت، ثقة حافظ. قال: وأحمد من الفرات أبو مسعود الرازي، المعنى أي رواية الحديث معنى واحد، قد يكون اختلاف في الألفاظ، لكن المعنى واحد. وأحمد من الفرات أيضا حافظ. ومعنى الحافظ عند أهل الحديث مراد أنه يحفظ أحاديث كثيرة، وقد أطلقها. معنى كلمة الحافظ معنى استعملوه أكثر المتأخرون من أهل الحديث كالخطيب البغدادي والحاكم أبي عبد الله والبيهقي وغيرهم من أئمة هذا الشأن، ثم صارت مصطلحا فأطلقوها للمحدثين كالحافظ ابن حجر والذهبي والمزي وغيرهم، يطلقونه على من كان حافظا كبيرا أنه يحفظ حديثا كثيرة فيقولون: هو حافظ. قال حدثنا يعلى، وهو ابن عبيد التنافسي، هم ثلاثة إخوة: محمد وعمر ويعلى، أبناء عبيد بن محمد التنافسي الكوفي. قال حدثنا الأعمش وسليمان بن مهران عن إبراهيم، وهو النخعي، عن همام، وهو ابن الحارث، وهو كوفي كذلك، عن حذيفة بن اليمان. أنه حذيفة بن اليمان أَمَر الناس بالمدائد على دكان، الدكان هو الحانوت أو الشيء المرتفع، سمي دكة ودكان. قال: فأخذ أبو مسعود بقميصه، فجبذ أبو مسعود البدري. قال: فجبذه. فلما فرغ من الصلاة، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني. قال: هذا الأثر صحيح، وليس بحجة لأنه لم يسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يريد فيه أن حذيفة أَمَر الناس في المدائن -المدائن العراق- على دكان، أي شيء مرتفع، وهو معنى. حذيفة مرتفع، ومن يصلي خلفه أسفل. فأخذ أبو مسعود -وهو عقبة بن عمرو البدري، سمي بدريا ليس أنه حضر بدرا، وإنما يقال إنه يسكن قرب بدر- قال: فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، أي أخرجه من هذا الارتفاع. فلما فرغ من الصلاة، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني. فهذا من الذين ينهون عن ذلك، وهذا فيه خلاف من أهل العلم، خاصة إذا لم ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى عهده. لكن الصحيح أنه إذا أطلق النهي أو الأمر ولم يقيد بشيء، يعرف أنه ليس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يؤمن على أنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الآمر والناهي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن الإشكال هنا لما قال: «أنهم كانوا ينهون عن ذلك» معنى بصيغة الجمع «أنهم كانوا»، لكن قد يكون مرادا أن الصحابة ينهون عن ذلك، إنهيهم النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وهذه المسألة مسألة صلاة الإمام بارتفاع والمأمومون في أسفل، وكذلك أيضا العكس. فهذه المسألة -المسألة الأولى في صلاة الإمام في ارتفاع والمأمومون في أسفل- أجازها بعض العلماء كالحسن البصري، وأيضا عند مالك وغيره أنه جائز. وأما أحمد والشافعي وغيرهما كره ذلك، واختلفوا في مذهب أحمد: هل هي صلاة قاطعة أو لا؟ والصحيح أنه لا بخلاف في ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد أم الناس على المنبر، النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم حين سها وأم الناس وهو على المنبر، وهذا يدل على جواز صلاة الإمام وهو في ارتفاع والمأمومون أسفل منه. فقال بعض من منع من ذلك: إنما هذا كان ارتفاعا قليلا وليس ارتفاعا كثيرا، ويحتاج أن ينص على هل إذا كان الارتفاع قليلا يكون صحيحا، وإذا كان الارتفاع كثيرا يكون غير صحيح؟ فهذا ليس له ضابط. وقال بعضهم: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرة واحدة ثم لم يفعله، قد يكون أنه نسخ. وهذا أيضا جواب صحيح. وأفضل الأجوبة في هذه المسألة ما أجاب به الإمام النووي رحمه الله، وهو أنه إذا كان للتعليم فهو جائز، وإذا كان لغير التعليم فهو لا يجوز. وهذا القول أيضا اختاره الإمام ابن الملقن رحمه الله، وهو قول وسط، وكذلك جمع بين العلة. إذا كان سيصعد إلى شيء مرتفع فهذا معناه من باب التنبيه، هذا إذا كان الإمام وحده. أما إذا كان المسجد على ارتفاع ثم الناس يصلون تحت الإمام فهذا جائز. لكن بعض العلماء يقول: أفضل أن يكون تحت. بعض العلماء يقول: أفضل أن يكون الإمام تحت والمأمومون يكونون فوق، يعني الزائد. وهذا قال: في بعض المساجد يعملون به، تجد الإمام فوق، لكن هذا قليل. وأكثر المساجد تجد الإمام يكون تحت في المسجد الأصلي، ثم من زاد يصعد فوقا، وهذا جائز عند جمهور العلماء، ومنعه الإمام مالك. فأيضا كذلك هنا في هذه المسألة كما قلنا: الصحيح وخلاصة هذه المسألة أنه يجوز إذا كان للتعليم أراد أن يعلمهم فلا بأس أنه يرتفع حتى يروه، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما صلى على المنبر، ثم قال: «وإنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». فتبين أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما فعل ذلك لكي يعلم الناس ويعلم الصحابة كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام. أيضا المسألة الأخرى: إذا كان الإمام وحده في أسفل والمأمومون في أعلى، يعني الإمام ليس له مكان إلا أسفل، وجعل الذين هم مأمومون أرفع منه، يعني بعض الناس مثلا يأتي في بعض المسابح أو كذا يكون ضيق، أو بعض المصليات يكون ضيق في المصلى، فيخرج الإمام في معنى تحت، ويبقى المأمومون فوقه. وهذا يظن على قول جمهور العلماء أنه جائز إذا كان العكس. ومنعه بعض الحنفية، قال: لا يكون حتى المأمومون لا يكونون قدام إمامهم وأسفل منهم، وإنما لا بد أن يستووا. ولا دليل على ذلك صريح في هذا. وصحيح أنه جائز، لكن أفضل أن يكونوا في مكان مستو أفضل، حتى لا يدركوا بعض الأركان أو تفوتهم بعض الأركان، لا يرون فيها الإمام. وهذه المسألة أيضا مقرونة بمسائل كثيرة: مسألة إذا صلى الإنسان في بيته أو في غرفته مع الإمام، هل يجوز ذلك؟ فقول الكثير من أهل العلم يقولون: إذا لم يكن هناك ساتر بينهم أو طريق فهو جائز، إذا لم يكن هناك ساتر بينهم يحجبه أو طريق. وإن كان هناك ساتر، اكتفى الإمام أحمد بسماع الصوت. إذا كان هناك ساتر، اكتفى الإمام أحمد بسماع الصوت، مثل مساجد النساء الآن، مساجد النساء ما يرون الأركان، غالبا تكون فوق، فإذا كانوا يسمعون صوت الإمام أو بقرب المسجد فلا بأس في صلاتهم. وأما إن كان يفصلهم شارع أن يمر الناس فيه في الطريق وكذا، فهذا صلاتهم ليست صحيحة، أو أنها ليست على طريقة شرعية التي جاءت بها الأدلة. وقد ذكر أيضا ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيد هذا القول على أنه إذا كانت صلاة المصلين بينهم فاصل كبير، مثلا شارع أو مبنى أو كذا، فهذه صلاة غير صحيحة، إلا إذا كان المكان مجتمعا، إذا كان المكان مجتمعا مثلا في بعض المواضع في صلاة الجمعة، يجتمع الناس أو في بعض المحاضرات، يجتمع الناس حتى تغلق الشوارع وقت الصلاة. فمثل هذا كما ذكرنا قبل في قصة بعضهم، الحديث كأبي العباس الأصم، كان مجلسه يسد الأسواق، الناس يكونون في الأسواق حتى تغلق الحوانيت والدكاكين، فيصعد الناس فوق الدكاكين وهكذا. إذا كان استحكم وصفهم مقتدين، إلا مثلا أن تقول: مضطر الناس، فهذا إن شاء الله أيضا جائز كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، رحمه الله. مثل هذه جائز إذا كانت الصفوف مقتدية ولو كانت بعيدا، لكن الصفوف مقتدية وتركوا شيئا يسيرا لأجل المرور أيضا، فصلاتهم صحيحة. فهذه بعض المسائل التي تذكر بهذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله أعلم.