الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الإمام النووي كتابه بالحديث عن أهمية الإخلاص وإحضار النية في الأعمال، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُشدد على أن النية الصالحة هي أساس قبول الأعمال.
يُبين أهمية الإخلاص في طلب العلم واعتباره عبادة في أصله، حيث يجعل إخلاص النية لله عز وجل طلب العلم عبادة أعظم. كما يذكر أن السلف كانوا يطلبون العلم لله عز وجل.
يُبرز أهمية حديث "الأعمال بالنيات" للإمام الشافعي، حيث يرى أنه يدخل في سبعين بابًا من الفقه ويُعتبر ثلث العلم. كما يُشير إلى اختلاف العلماء في عدد الأحاديث التي تُعد مدار الإسلام.
يختم بالتنويه إلى فضل الحديث العظيم وتأليف العلماء لكتب في فضائله، ويشير إلى الاكتفاء بما ذكر مع الإشارة إلى علم الله تعالى. يُظهر ذلك حرص المؤلف على الاقتصار في الكلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، إن شاء الله تعالى نبدأ في كتاب، أو في المقدمة، سنقرأ المقدمة التي ذكرها في آداب طالب العلم والأمور التي ينبغي أن تتوفر في طالب العلم. أنا من قوله: فصل في الإخلاص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية. قال، إن شاء الله سنقرأ المتن، ما سنقرأ الشرح. قال: فصل في الإخلاص والصدق وإحضار النية في جميع الأعمال البارزة والخفية. أنا بدأ الإمام النووي رحمه الله في هذه الفصول وهذه الآداب بتقديم الإخلاص وإحضار النية؛ لأنها أساس العمل، ولأنها أيضا تشترط في كل عمل من الأعمال، وهي الأساس الذي يبنى عليه الأعمال، فلهذا تقدم النية. قال الله عز وجل: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾، وقال تعالى: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾. هذه الآيات فيها أن العبد يخلص العبادة لله جل وعلا، ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾. وعبادة الله والإخلاص له سبحانه وتعالى من أهم المهمات التي يجب على العبد أن يراعي ذلك وأن يطبقه، أي في عبادة الله جل وعلا. قوله: ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾، ألا لله الدين الخالص. ولهذا جاء في الحديث: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». وجاء عند مسلم عن أبيه. فالإخلاص ميزان العمل، مع المتابعة أيضا ميزان آخر، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله. قالوا: روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. روينا تقرأ هكذا، لا تجدها دائما في كلام ابن الصلاح، ابن النووي رحمه الله. روينا أي وروى لنا. فقوله: روينا معنا أي أن هناك من العلماء من روى لنا، ولنا ليس المراد أنه لهم، أي للمسلمين. فروينا عن أمير المؤمنين أي أن هناك من روى هذا عن أمير المؤمنين. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». حديث صحيح، المتفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو يحدد قواعد الإيمان وأول دعائمه وأعظم الأركان. أي هذا الحديث خرجه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن خطاب رضي الله عنه، وخطب به عمر رضي الله عنه. وهذا الحديث هو أيضا فيه بيان أن الأعمال لا بد أن يشترط فيها الإخلاص، أن تكون لله جل وعلا. وتميز طلب العلم بميزة عظيمة من بين الأعمال؛ فطلب العلم هو عبادة في أصله. طلب العلم عبادة في أصله، فإذا أخلص العبد فيه كانت عبادة أعظم. أنا أقصد أنه إذا طلب العلم فهو عبادة، طلب العلم عبادة بذاته، ما لم يخلط هذه النية بنية أخرى. أن إذا طلب العلم فلا يريد دنيا ولا يريد أيضا غرض آخر، وإنما يريد طلب العلم، فهذه نية حسنة. وإن أخلص لله عز وجل في طلب العلم أولا بنفي الجهل عن نفسه، ثم كذلك بصلاح نفسه وأهله، وكذلك أيضا بتبليغ دين الله جل وعلا، فهذه نية أعظم. لهذا كان السلف يقولون كما جاء عن سفيان الثوري وعن يزيد بن هارون وعن يحيى بن يمان وغيرهم، أنهم كانوا يقولون: طلبنا العلم لله، أو طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله. والمراد أنهم طلبوا العلم ليس عن رغبة، وإنما دفعوا للعلم، فلما أحسوا بلذة هذا العلم طلبوه لله جل وعلا. طلبوه لله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول يحيى بن يمان رحمه الله، هو من تلاميذ الثوري، أبو عبد الله يحيى بن يمان الكوفي رحمه الله، كان يقول: ما أفضل عندي في هذا الزمن - أو قال: اليوم - من طلب العلم، ليس هناك يقول: ليس هناك أفضل عنده من الطاعات من طلب العلم. فقالوا له: إنه يطلبونه لغير الله. فقالوا: أنه يطلبونه لغير الله أن يطلبون هذا، أو قالوا: يطلبونه بغير نية. قالوا له: إنهم يطلبونه بغير نية. فقال رحمه الله: طلبهم للعلم نية. طلبهم للعلم نية، أنا طلبهم وجلوسهم في حلقات العلم هذه تعتبر نية. والنية الأعظم أنه يبتغي بذلك وجه الله، وكذلك نفع نفسه ونفع أهله، ورفع الجهل عن نفسه أولا. فلهذا كان العلم من أعظم الأشياء التي يخلص العبد فيها لله سبحانه وتعالى. فطلبه للعلم عبادة، وإخلاصه عبادة أعظم إذا أخلص هذا العلم لله جل وعلا، ليس له فيه أغراض أخرى. قال الشافعي رحمه الله: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه. وقال أيضا: هو ثلث العلم. أي حديث عمر بن الخطاب، يقول: أنه يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه، أبوابا كثيرة. والظاهر يريد الإمام الشافعي رحمه الله أي الأبواب الكبيرة، وإلا فهو له مسائل فرعية كثيرة قد تكون أكثر من السبعين. وقال أيضا: هو ثلث العلم. وكذا قال غيره. قال: وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. وقد اختلف في عدها. وقول الشافعي: هو ثلث العلم؛ لأن العلم يكون بالقلب بطلبه بالقلب، وكذلك بالجوارح، وكذلك باللسان. فهذا فيه ثلث العلم؛ لأنه النية، وهي محل القلب. قال: وقد اختلف في عدها. فقيل: ثلاثة، أي مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث. وقيل: أربعة. وقيل: اثنان. وقيل: حديث. وقد جمعتها كلها في جزء الأربعين، فبلغت أربعين حديثا. أن الأربعين النووية المشهورة. قال: لا يستغني متدين عن معرفتها. وزاد أيضا فيها الإمام الحافظ ابن رجب ثمانية أحاديث، كمل بها الخمسين. أنا ذكر الإمام النووي اثنين وأربعين حديثا. قال: لأنها كلها صحيحة جامعة لقواعد الإسلام في الأصول والفروع والزهد والآداب ومكارم الأخلاق وغير ذلك. قال: وإنما بدأت بهذا الحديث تأسيا بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا من العلماء رضي الله عنهم. قد ابتدأ به إمام أهل الحديث بلا مدافع، أبو عبد الله البخاري في صحيحه الأول، حديث صحيح، هو هذا الحديث. رواه من طريق الحميدي عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وقال العلماء: أن الإمام البخاري ذكر الحميدي أولا لأنه قرشي، فقدمه. قالوا: بهذا الحديث تنبيه. كانوا يقولون ونقل جماعة أن السلف كانوا يستحبون افتتاح الكتب بهذا الحديث؛ تنبيها للطالب على تصحيح النية وإرادته وجه الله تعالى بجميع أعماله البارزة والخفية. قال: وروينا عن الإمام ب سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري الإمام رحمه الله، قال: لو صنفت كتابا بدأته في أول كل باب منه بهذا الحديث لتصحيح النية. قال: وروينا عنه أيضا أنه قال: من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث. قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي الشافعي الإمام في كتاب المعالم - أي معالم السنن في شرح سنن أبي داود - والظاهر أنه ليس في المعالم، إنما هو في أعلام الحديث. فشرح البخاري في أعلام الحديث، قال: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون تقديم حديث الأعمال بالنيات أمام كل شيء ينشأ ويبتدئ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها. وهذه أحرف مكاء طيب. فهذا الآن فضيلة هذا الحديث العظيم. وقد ألف العلماء فيه كتبا في فضائله وما يدخل فيه من الأبواب. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.