الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أحكام الصلاة في مختلف الأحوال مثل مدافعة الأخبثين وحضور الطعام والركوع والسجود مستندًا إلى أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء. يشرح كيفية أداء الصلاة بخشوع ووفقًا للسنة النبوية.
يناقش هذا الفصل ضوابط العبادات وأوقاتها المحددة، كما يتناول موضوع لباس يوم الاستسقاء وعدم ثبوت تغيير اللباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم. يشير إلى اجتهادات بعض السلف في لبس الثياب المرقطعة.
يفسر هذا الفصل العلاقة الوطيدة بين الإخلاص والصدق، حيث يعتبر الصدق دعامة أساسية للإخلاص وأعلى درجة منه. يوضح أن الصدق يتناقض مع النفاق وأن الصادق يتوافق ظاهره مع باطنه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله في تفسير كلام الإمام أبي القاسم الجنيد بن محمد البغدادي شيخ الصوفية الصادق: اتقلبنا في اليوم أربعين مرة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة. فبين أن المخلص لله عز وجل يتبع الأوقات التي فيها الأعمال الفاضلة فيسلكها، وأيضًا يبحث عن العمل الذي يقربه إلى الله جل وعلا، لا يتمسك بعمل ويترك الأعمال الأخرى. قال رحمه الله: والصلاة محبوبة في معظم الأوقات، وتكره في أوقات وأحوال، كمدافعة الأخبثين عن البول والغائط، إذا كان يدافعهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة وهو يدافع الأخبثان. لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثان، وهو البول والغائط. جائز أن يبدأ بالخلاء إذا حضرت الصلاة وحضر الخلاء، فلهذا فإن مدافعة هذه الأشياء تشغل عن الصلاة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن ذلك. بل قال بعض العلماء: إن الرجل إذا صلى وهو حاقن، فإن صلاته غير صحيحة؛ لأنه ليس في صلاة. استدلوا بحديث: «لا صلاة بحضرة طعام، وهو يدافع الأخبثان». قال: وتكره الصلاة في الركوع والسجود، وقراءة القرآن محبوبة وتكره في الركوع والسجود. أما في حديث ابن عباس: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود». جاء في حديث ابن عباس، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنا أن يستجاب لكم». فمع أن الركوع والسجود من أفضل العبادات، لكن قراءة القرآن منهي عنها فيه، فالعبادات لها أحوال وأوقات، وهذا يدل على أن الله عز وجل شرع ذلك، فلا ينبغي للإنسان أن يخترع من نفسه، بل هناك ضوابط للعبادات. قالوا: كذلك تحسين اللباس يوم الجمعة والعيد، وخلافه يوم الاستسقاء. لم يأت دليل على أن يخلِف الإنسان لباسه يوم الاستسقاء، وإنما جاء عن بعض السلف أنهم كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا للاستسقاء لبسوا أخشن الثياب وثيابًا مرقعة. مثل ما فعل مطرف بن عبد الله، وقال لعبد الملك المروزي: إذا أردت أن يستسقى لك، فاستمسك لله، وكن مسكينًا لله، وكن متواضعًا. فخرج مطرف ومعه عكاز وثياب مرقعة؛ لأجل أن يستسقى. قال: وأنه يخرج طيبًا. قال: وكذلك ما أشبه هذه الأمثلة، فقول المؤلف: أنه خلاف يوم الاستسقاء، كما قلنا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج في ثياب غير نظيفة في الاستسقاء، بل لم يذكر شيء في ذلك. وإنما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال برداء، لما دعا قال برداء. وأما من ناحية الثياب، فلم يأت في السنة ما يدل على أن الإنسان يخرج بثياب متسخة ومرقعة، وإنما كما قلنا جاء عن بعض السلف اجتهادًا منه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج متخشعًا متواضعًا كما قال ابن عباس، فجعل بعض العلماء أو بعض السلف من التخشع والتواضع لبس الوضيع، وهذا اجتهاد. قال: وكذلك ما أشبه هذه الأمثلة. وهذه نبذة يسيرة ترشد الموفق إلى السداد، وتحمله على الاستقامة وسلوك طريق الرشاد. ثم إن المؤلف رحمه الله بعدما انتهى من هذا من الإخلاص والصدق، والصدق يعتبر دعامة للإخلاص، أن الإخلاص هو الأصل والصدق داخل فيه، وهو دعامة للإخلاص. معنى أن الصدق يصدق مع الإخلاص، ومن كان صادقًا فهو مخلص، وبعض العلماء يجعل الصدق أرفع درجة من الإخلاص؛ لأن الصدق ما يفعله إلا أهل الإخلاص، والذي ليس عنده إخلاص غالبًا ليس عنده صدق؛ لأنه لا يعامل الله عز وجل بالصدق. فلهذا فالصدق أعظم من الإخلاص، إذا وجد الصدق وجد الإخلاص، وإذا انتفى انتفى الإخلاص، أو أنه يكون الإخلاص قليل أو ليس بذاك الذي أراده الله عز وجل، أو يكون فيه رياء وسمعة، وهذا ليس عمل الصادقين. فالصادق هو الذي يبعد عن كل ما يشوب نيته، كل ما يشوب نيته مع الله جل وعلا. ولهذا فالصادق بخلاف المنافق، فإن الصادق يقابل ضد المنافق؛ لأنه صدق في باطنه وظاهره، لم يخالف باطنه ظاهره، فهو صادق. والمنافق يخالف ظاهره باطنه، حتى ولو كان النفاق عمليًا، فإنه أيضًا يخالف ظاهره باطنه؛ لأن الذي يكذب في الظاهر فإنه يعلم أنه كاذب في الباطن، والذي يخون الأمانة، والذي يعد ويخلف وهو يعلم أنه سيخلف، فهذا كله خالف ظاهره باطنه. ولهذا فإن النفاق العملي يكون عكس النفاق الاعتقادي، فلهذا لم يكن كفرًا، لكنه عمل المنافقين كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فلهذا فهذه الأمور من أعمال المنافقين الذين تظهر في ألسنتهم وجوارحهم، مع أنهم يعلمون كذبها ويعلمون أيضًا أنها ليست على الحقيقة. والصدق فلهذا الصادق يظهر صدقه في الظاهر، وكذلك هو في الباطن مثل الظاهر، فهذا الصادق. والمخلص قد يكون صادقًا وقد يكون غير صادق. فهذا الذي ذكره المؤلف إن شاء الله سيدخل فيه بعد فضيلة الاشتغال بالعلم، وتصنيفه وتعلمه وتعليمه، والحث عليه والإرشاد إلى طرقه، فإن شاء الله نقرأ في الدرس اللاحق.