الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبين فضل العلم وأثره الإيجابي على الناس من خلال أقوال النبي وأفعاله، حيث يُظهر أهمية العلم في هداية الناس ونشر الخير بينهم. يُوضح أن العلماء العاملين لهم دور كبير في حفظ العلم ونشره.
يشرح هذا المحور حديث النبي عن أربعة أصناف من الناس تجاه العلم، ويبين معاني هذه الأصناف ودلالاتها في فهم الدين والاستفادة من العلم. يُوضح أن هناك من استفاد من العلم ونفع نفسه وغيره، ومن أعرض عنه ولم ينتفع به.
يتناول هذا المحور شرح الحديث النبوي الشريف حول معنى الغبطة والحسد، ويفرق بينهما في سياق نعمتي العلم والمال. يُبين أن الغبطة محمودة عندما يستخدم الإنسان نعمة العلم أو المال في الخير، بينما الحسد مذموم عندما يتمنى المرء زوال نعمة الآخرين.
يُظهر هذا المحور أن الإنسان إذا علم الناس واهتدى إنسان بعلمه فهو خير له من حمر النعم، مشيرًا إلى أن حمر النعم تعتبر من أفضل الأشياء عند العرب. يُبين أن نفع العلم يدوم ويتفوق على قيمة المال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكر الإمام النووي -رحمه الله- بعض الأدلة في فضل العلم وأهله، وأيضًا من يتعلم هذا العلم. فذكر حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن معاوية؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، رواه البخاري ومسلم. قال -رحمه الله-: عن أبي موسى عبد الله بن قيس العشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك الماء ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»، رواه البخاري ومسلم. هذا الحديث رواه حماد بن أسامة، أبو أسامة الكوفي -رحمه الله- عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-. قد رواه البخاري ومسلم وجميع أهل الكتب الستة. وجاء كذلك هذا الحديث يرويه أبو موسى -رضي الله عنه-، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم الناس في قبولهم لهذا الهدى والنور الذي أرسل به -عليه الصلاة والسلام- وهو العلم؛ قسم الناس إلى أربعة أقسام. قسمان قبلوا هدى الله -جل وعلا- وأخذوا من هذا العلم ونهلوا منه وعلموا الناس أو انتفعوا به؛ فطائفة انتفعت به ولم تعلم، وطائفة انتفعت به وعلمت وعلموا الناس. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس»، وهؤلاء هم العلماء العاملون حفظوا العلم ثم نشروه بين الناس «فشربوا منها وسقوا وزرعوا»، أي الناس طلبوا هذا العلم وانتفعوا به. وأيضًا ذكر طائفتين، وهما اللتان وصفها بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان»، القيعان: الأرض الصلبة التي لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله حول طائفتين على قول بعض الشراح؛ قسمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى طائفتين: منهم من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. فوصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا»، أي أعرض عن العلم وأعرض عن دين الله -جل وعلا-. ومنهم من لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به؛ رده، فالطائفة الأولى أعرضت عن شرع الله -جل وعلا- وأعرضت عن العلم الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-. والطائفة الثانية بل عاندوا وكذلك ردوا ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- بل عادوا. فهؤلاء أربع طوائف: طائفتان قبلتا الماء وانتفعا بهذا العلم العظيم ونفعا أنفسهما، والأخرى نفعت نفسها وكذلك نفعت الغير. وطائفتان منهم لم تقبل هدى الله الذي أرسل به النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم ترفع به رأسًا. وهذا مثال يقال لمن لم يلتفت إلى الأمر. فلهذا فهما طائفتان: طائفة أعرضت عن شرع الله وعن العلم، لم تتعلم ولم تلتفت إلى هذا العلم. وطائفة أخرى ردت هذا العلم وأيضًا عادت أهله ولم تقبل هدى الله الذي أرسلت به. وبعض العلماء يقول: إن هذا القسم يعتبر قسمًا ثالثًا؛ قيعان تبلع الماء تبلعه ولا تنسك الماء، بل تبلعه ولا تنبت الكلأ. وجعلها طائفة واحدة. وذكر الحافظ أن الأفضل أن تكون طائفتين. قال: وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»، رواه البخاري ومسلم. قالوا: المراد بالحسد الغبطة، وهي أن يتمنى مثله. ومعناه: ينبغي ألا يغبط أحدًا إلا في هاتين الخصلتين الموصلتين إلى رضا الله -جل وعلا-. وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن جابر، خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه-. وجاء هذا الحديث أيضًا في الصحيحين من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر، سالم بن عبد الله بن عمر. وجاء كذلك أيضًا في البخاري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا حسد إلا في اثنتين». وهنا الحسد مراد به كما قال المؤلف الغبطة؛ الغبطة أن يغبط أحد إلا في اثنتين: في رجل أتاه الله مالًا فسلطه في هلكته في الحق؛ أن يتصدق به، وأيضًا يأكل أهله الحلال منه، وكذلك أيضًا ينفق هذا المال في أماكنه. ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها؛ الحكمة هي العلم والسنة، أعطاه الله -عز وجل- السنة والعلم كما جاء في بعض رواية أبي هريرة؛ فهو يقضي بهذا العلم ويعلم الناس به. فهذا رجل ممن يغبط على هذا. وقد جاء في حديث بكار بن الأمام أنه قال: «إنما الدنيا لأربعة» وذكر منهم «رجل أعطاه الله -عز وجل- علمًا ومالًا، علمًا ومالًا فهو يسخر ماله بعلمه». فقال رجل آخر: «لو أن لي مثل ما لفلان لفعلت مثل ما فعل». فقال: «فهما في الأجر سواء». ورجل أعطاه الله مالًا ولم يعطه علمًا، أعطاه مالًا لكنه لم يعطه العلم؛ فسخر ماله في هلكته، أن أهلكه في الباطل وفي هلاكه جعله في هلاكه وجعله في الحرام. فقال الرجل: «لو أن لي مثل ما لفلان لفعلت مثل ما فعل». فقال -عليه الصلاة والسلام-: «فهما في الوزر سواء». فمثل هذا لا يغبط، لكن يغبط الأول. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فهما في الأجر سواء»، فيتمنى الإنسان أن يكون مثله. ولكن الفرق بين الغبط والحسد أن الغبط يتمنى زوال هذه النعمة على صاحبه، أما الغبط فهو تمني أن يكون مثله؛ أن يتمنى أن يكون مثله. فهذه غبطة. قال: وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لعلي -رضي الله عنه-: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، رواه البخاري ومسلم. خرجاه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-. وفيه أن الإنسان إذا علم الناس واهتدى إنسان بعلمه فهو خير له من حمر النعم؛ حمر النعم هي الإبل، سميت حمر النعم لأنها من أفضل الأشياء كانت عند العرب، فتسمى حمر النعم.