الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع آداب طالب العلم والمعلم حسب الإمام النووي، حيث يحذر من استغلال المعلم لطلابه ويشدد على أهمية الإخلاص في طلب العلم وتعليمه. النية الخالصة لله تعالى هي أساس طلب العلم وتعليمه.
يذكر المقطع نية الإمام الشافعي في المناظرات، حيث كان يهدف إلى إظهار الحق وليس الانتصار لرأيه، ويشير إلى تواضعه في المناظرات. كان الإمام الشافعي يرغب في أن يظهر الحق على يد من يناظره وليس على يديه.
يؤكد الشيخ على أهمية الأخلاق لطالب العلم، حيث أن العلم بدون أدب وأخلاق لا ينفع صاحبه. يجب على طالب العلم التحلي بالأخلاق الحميدة والتزهد في الدنيا والسخاء والجود ومكارم الأخلاق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: بعدما ذكر أن من آداب العلم، وأن من آداب طالب العلم أن يكون يبتغي بعلمه وجه الله، قال رحمه الله: «ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع في رفق تحصل له من مشتغل عليه من خدمة أو مال أو نحوهما وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التي لو لا اشتغالهم عليه لما أهداها إليه». المراد أن المعلم لا يشين تعليمه بأن يستخدم الطالب في خدمته، أو يجعله مثلًا مثل السائق، أو يجعله يأتي له بالحاجات، وكذا، لكن لو تبرع الطالب من نفسه ما في شيء، لكن هو الذي يقدم له هذه الخدمات، وكذا؛ لأنه يعلمه هذا خطأ، ولا ينبغي أن يكون، وهو خدش في النية، ولو كان مثلًا أيضًا لا يقدم له مثلًا شيء من الهدايا وغيره أيضًا؛ حتى لا يدخل في المحظور. ولهذا انتقدوا الإمام الجرجان لما قال: «ولم أطلب العلم لمهجتي لأخدم من لاقيت، ولكن لأخدم». فانتقد بعضهم عليه هذا البيت؛ لأنه فيه أنه قصد بالعلم أن يخدم، وهذا ليس صحيحًا، وإن كان هذا عند أهل التصوف يعتبر عبادة أنه يخدم شيخه، أي المريد يخدم الشيخ، والشيخ يريد خدمة المريد، وهذا ليس عند أهل السنة، ولا هو أيضًا في السنة. قال: «ودليل هذا كله ما سبق في باب من أراد بعلمه غير الله، فعال من الآيات ولا حديث». وقد صح عن الشافعي رحمه الله أنه قال: «وجدت أن الخلق تعلم هذا العلم على أن لا ينسى بلي حرف منه». وهذا هو الإخلاص أن الإنسان يعلم ولا يقصد أن هذا العلم ينسى، بل أن فلان قاله أو كذا، فلان كتبه، وإنما يريد فائدة، فائدة للناس، فائدة لطلبة العلم. قال: «وقال رحمه الله: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة، وددت إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه». المراد أنه يقول: ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة، على أني أريد أن أغلبه. وهذه نية خفية تحصل في المناظرات والمناقشات أن كل واحد من المناقشين يريد أن ينتصر لرأيه، ويريد أن ينتصر لما يقوله، بل إن بعضهم يلج في الخصومة، وتجده يرى الحق ثم لا يريد أن يغلب، ولا يريد أن يهزم، فيصر على ما يقول، وهذا فجور في الخصومة، وهذا يعتبر أيضًا من الفجور في الخصومة إذا خاصم فجر. فلهذا يقول الإمام الشافعي: «ما ناظرت أحدًا قط على الغلبة»، أي أني أريد أن أغلبه، لكن يقول: «وددت إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه»، فأنا أحب أن يظهر الحق، أن يظهر الحق على يدي غيري، فأنا هذا الحق لا يظهر على يديه، وإنما يظهر على يدي المناظر الذي يناظره. فهذا كان نية الإمام الشافعي رحمه الله في مناظراته، ولهذا غالبًا ما كان الإمام الشافعي رحمه الله يظهر في المناظرة مع أنه كان يرى أو كانت نيته على خلاف ذلك. ولهذا كانت مناظراته أكثرها طيبة جدًا، وفيها تواضع، كان يتناظر مع محمد بن حسن، ويُناظر بعض الحنفية أيضًا كالكِسائي وغيره. قال رحمه الله: «ولم أجلس مجلسًا قط وفي أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح». فهذا كله من تواضعه رحمه الله، ومن تواضع لله رفع. ما جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة: «من تواضع لله رفع». فكان الإمام الشافعي رحمه الله التواضع لمن يناظر فيظهره الله عز وجل. ويقول: «ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم، أن أكون أو أن أدخل عليه نية أنه أفضلهم، وأنهم أعلمهم، وأنه كذا»، قال: «إلا لم أقم حتى أفتضح». المراد افتضح أنه يحصل شيء من عدم المعرفة، أو أنه يسأل عن سؤال فلا يستطيع أن يجيب، أو غير ذلك من هذه الأشياء. قالوا: منها أن يتخلق بالمحاسن. معنى ذلك من هذه الآداب آداب طالب العلم، وهو الآن يذكر آداب طالب العلم، لكن يذكر شيئًا من آداب المعلم، وهذا ليس من باب خلق، وإنما أراد رحمه الله أن المعلم والطالب كلهما يحتاج إلى العلم، وكلاهما طالب علم؛ لأن الإنسان ما ينقطع عن طلب العلم، فإذا انقطع عن طلب العلم فاته أشياء كثيرة، ومهما بلغ الإنسان في علمه فهو طالب علم لازال. ولهذا كما تعلمون لما سئل أبو بكر الإمام أحمد: إلى متى وأنتم تطلبون العلم؟ قال: «من المحبرة إلى المقبرة»، من المحبرة إلى المقبرة، أنا منذ أمسكنا القلم لا نفتر أبدًا، ولا نتخلى عن هذا القلم حتى نصل إلى القبر، أي حتى الموت. وقيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ قال: «لعل الحديث الذي يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار لما أسمعه بعد». فلهذا لا ينفك الإنسان عن طلب العلم مهما بلغ شأنه، ومهما أيضًا بلغ علمه، فإنه إن تخلى عن طلب العلم قل ذلك العلم الذي معه وذهب. قالوا: من ذلك أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، وحث عليها؛ أن الأخلاق الجميلة طالب العلم لا بد أن يكون عنده أخلاق. ولهذا كان السلف رحمهم الله يقولون: «تعلمنا الأدب قبل العلم»، فلما تعلمنا زدنا أدبًا. أو كما قال ابن سيرين وغيره، فلهذا كانوا يتعلمون الأدب، الأخلاق الجميلة، أخلاق الإسلام، يتعلمونها لكي يتخلقوا بها. طالب العلم إذا لم يكن به أخلاق، أو عنده أخلاق لا ينفعه علمه؛ لأنه لم يعمل بهذا العلم، ولا يؤثر أيضًا هذا العلم لعدم وجود الأخلاق التي تؤثر في الناس. ولهذا يقول الإمام عبد الله بن المبارك: «إنه لو بلغ الرجل عنده علم الدنيا، وليس عنده أدب، ورجل عنده علم قليل وعنده أدب، فهو خير منه». أو كما قال رحمه الله: «العلم بأدب أفضل من علم كثير». علم قليل بأدب أفضل من علم كثير بلا أدب؛ لأنه لا ينفع الإنسان إذا كان ما عنده أخلاق، ما عنده أدب، فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح. فلهذا يكون عنده أخلاق، والخلال الحميد، والشيم المرضية التي أرشد إليها الشرع، من التزهد في الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، عن التزهد والورع، هذه الأمور إن شاء الله تعالى نذكرها في الدرس اللاحق، فهي أيضًا لطالب العلم. وكذلك من الأمور المهمة التي ينبغي أن يحرص عليها؛ حتى لا يشغل بعكسها وبضدها، إن شاء الله نكتب بهذا والله تعالى أعلم.