الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 56، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش تعريف الأمر في اللغة والأصول وصيغه في اللغة العربية، حيث يُعرَّف على أنه استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء وتطرق إلى الصيغ الدالة على الأمر.
يتناول صيغ الأمر في اللغة العربية وآراء المبتدعة والمتكلمين حولها، حيث ذكر أربعة صيغ للأمر ورد على من خالف أهل اللسان في ذلك.
يشرح أنواع الإرادة الإلهية، الشرعية والكونية، ويبين أن الأمر الشرعي يلازم الإرادة الشرعية ولا يلزم الإرادة الكونية، ويستدل على ذلك بأمثلة من القرآن والسنة.
تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، والإكتفاء بما تمت مناقشته حتى الآن.
السلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، باب الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. وقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به إلى آخره، وهو فاسد إلى آخره. قال: وجه فساد الحد الأخير أن فيه لفظة المأمور مرتين، وهي مشتقة من الأمر، فيحصل الدور، فيمتنع الفهم. والمعنى أنه يتوقف معرفة المأمور بمعرفة الأمر، والحد ينبغي أن يعرف المحدود، فيلزم الدور. فالمأمور واقع في الحد مرتين، وهو مشتق من الأمر، فتتوقف معرفته على معرفة الأمر؛ لأن معنى المشتق منه موجود في المشتق مع زيادة، فيكون تعريف الأمر به دورا. فقوله: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، رجع وكَرّر المأمور. والمأمور: طي ما هو المأمور؟ فيحتاج إلى حد جامع مانع. قال: ومفهوم قوله على وجه الاستعلاء أنه إن كان على عكس ذلك فهو دعاء. يعني في تعريف الأمر قال: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. استدعاء يعني طلب الفعل بالقول على وجه الاستعلاء. فقوله على وجه الاستعلاء يدل على أنه إن كان على عكس ذلك، يعني عكس الاستعلاء، فهو دعاء. والمعنى: إذا كان المدعو أعلى من الداعي، فيكون دعاء. وإن كان على التساوي، يعني الداعي في منزلة المدعو، كلاهما في منزلة واحدة، هذا يسمى التماسا. قال: فهو التماس، كما قال الأخضري في سلمه: أمر مع استعلاء، وعكسه دعاء، وفي التساوي فالتماس. واشتراط الاستعلاء الذي مشى عليه المؤلف هو قول الفخر الرازي وأبي الحسين والآمدي وابن الحاجب والباجي. هؤلاء اشترطوا في الأمر الاستعلاء. وقيل: يشترط فيه العلو فقط، وهو قول المعتزلة وأبي إسحاق الشيرازي ومن الصباغ والسمعاني. وقيل: يشترط فيه العلو والاستعلاء معا، وهو قول القشيري والقاضي عبد الوهاب. وقيل: لا يشترط فيه علو ولا استعلاء، فيصح من المساوي وإلا دون. وقيل: لا يشترط فيه علو ولا استعلاء، فيصح من المساوي ودون على غير وجه الاستعلاء. قالوا: مذهب المتكلمين، واختاره غير واحد من متأخر الأصوليين، ونسبه بعض إلى الجمهور، واختاره الزركشي والشوكاني. وهذا العلو أصح الأقوال: أنه لا يشترط فيه علو ولا استعلاء. قالوا: أشار في المراقي إلى هذه الأقوال. وليس عند جل الأذكياء شرط علو فيه واستعلاء. وخالف الباجي بشرط التالي، يعني الاستعلاء. وشرط ذاك رأي ذي اعتزالي، أي العلو. واشترط معا على توهين، يعني ضعف، لدى القشيري وذي التلقين. وفي نسخه: واعتبر واعتبر معا على توهين. سبويه رحمه الله يقول: واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي، وإنما قيل له دعاء؛ لاستعظام أن يقال: أمر أو نهي. وقال: صيغة افعل ظاهرة في اقتضاء الفعل، سواء كان من أعلى أو مساو أو دون، لكن يتميز بالقرينة. نعم، فصيغة الدعاء مثلا: اللهم اغفر لي، ارحمني، هي صيغة فعل الأمر، لكن من باب الأدب، ويقال: دعاء. وإلا فالصيغة صيغة أمر. وهكذا مثلا إذا قال من هو دون إلى من هو أعلى منه، وأمره، يسمى أمرا؛ لأن الصيغة صيغة أمر. قال: والاستعلاء كون الأمر على وجه الغلظة والترفع والقهر. والعلو: شرف الآمر وعلو منزلته. في نفس الأمر، إذا الاستعلاء وصف للأمر أن يكون بغرضة وقهر ورفع صوت. والعلو وصف للآمر، وصف للآمر أن يكون أعلى منزلة من المأمور، كأمر الولد ولده، والسيد لعبده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وللأمر صيغة مبنية تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرت عن القرينة، وهي افعل للحاضر، وليفعل للغائب، هذا قول الجمهور إلى آخره. اعلم أن الصيغة الدالة على الأمر أربع، وكلها في القرآن، وهي: أولا، فعل الأمر، نحو: أقم الصلاة. أقم الصلاة هذه صيغة أمر، فعل الأمر أقم الصلاة. تقول مثلا: أكتب الدرس، احفظ الدرس، اجتهد في دروسك إلى آخره، هذا فعل الأمر. الثاني: المضارع المجزوم بلام الأمر، فقول تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فليحذر هنا يحذر فعل مضارع، لكن قرن بلام الأمر، فتدل على الأمر. فليحذر فيه أمر بالحذر. فالفعل المضارع إذا قرن بلام الأمر دل على الأمر. تقول مثلا: ليحفظ الطلاب دروسهم، يعني يحفظوا. قال: ثالثا: اسم فعل الأمر، نحو: عليكم أنفسكم، عليكم اسم فعل الأمر بمعنى إلزموا أنفسكم. في اسم فعل الأمر يدل على الأمر. ومثل قول المؤذن: حي على الصلاة، حي بمعنى أقبل، بمعنى أقبل. قال: رابعا: المصدر النائب عن فعله، نحو: فضرب الرقاب، فضرب الرقاب ضرب مصدر نائب عن فعله، وهو اضرب. والأصل: اضرب الرقاب، فناب هذا المصدر عن فعله، فدل على الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وزعمت فرقة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم أن الكلام معنى قائم بالنفس، فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والصرف إلى آخره. قال: اعلم أن كثيرا من المتكلمين يزعمون أن كلام الله معنى قائم بذاته، مجرد عن الألفاظ والحروف. والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة. ولهذا ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسي ولفظي. فالأمر النفسي عندهم هو ما ذكرنا، يعني المعنى القائم في النفس مجرد عن الألفاظ والحروف، هذا يسمى عندهم الأمر النفسي. والأمر اللفظي هو اللفظ الدال عليه، كصيغة فعل. فعندهم صيغة افعل ليست فعل الأمر، تدل على الأمر، وإنما دال على ما في النفس. قال: فأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر، فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرا. ولو قال رجل لعبده: اسقني ماء، عد أمرا، وعد العبد مطيعا بالامتثال. وهذا واضح. الصيغة الأمر باتفاق أهل اللسان أنها صيغة افعل، هذه صيغة متفق عليها على أن صيغة أمر. وإذا قال الرجل لعبده، يعني السيد لعبد: اسقني ماء، عد هذا أمرا. فإذا امتثل استحق عد مطيعا. إذا امتثل هذا الأمر عد مطيعا، وإن لم يمتثل عد عاصيا. قالوا: هذا واضح. قالوا: ومن الواضح أيضا أن لا يقدح في كون افعل صيغة أمر كونها ترد لغير ذلك، كالندب في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على القول به، يعني على أن الأمر بالمكاتبة على سبيل الندب. وله هناك من العلماء من يقول بالوجوب، بالوجوب إذا علم فيهم خيرا، فيجب أن يكاتبه، هو ظاهر الآية. قال: والإباحة في قوله: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وإذا حللتم فاصطادوا، فالأمر فيها للإباحة، يعني إذا حللتم من إحرامكم، حل لكم الاصطياد. قال: والإكرام في قوله: ﴿أُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، أي الجنة، يقال لأهل الجنة: أدخلوها بسلام آمنين، من باب الإكرام، والصيغة صيغة أمر. والإهانة في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، أنا عندي في النسخة: إنك أنت العزيز الحكيم، والصواب الكريم عندك ذلك. قال: والتهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، هذا على سبيل التهديد، بدء قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال: والتعجيز في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾، هنا المراد به التعجيز، يعني بيان عجزهم أن يدفعوا الموت عن أنفسهم، إلى غير ذلك من المعاني؛ لأن صيغة افعل حقيقة متبادرة في استدعاء الفعل وطلبه، مع أنها تستعمل في معنى آخر مع قرينة أبين أن المراد بذلك المعنى الآخر. وهذا لا إشكال فيه كما أوضحه المؤلف. يعني كون صيغة الأمر تأتي لمعاني أخرى لا ينفي دلالتها على الأمر، وأن هذا هو الأصل في استعمالها أنها تدل على الأمر. فإن دلت قرينة أخرى على أن المراد بها غير الأمر، حملت عليه. قال المؤلف رحمه تعالى: فصل ولا يشتوط في كون الأمر أمرا إرادة الأمر إلى آخره، يعني وقوع المأمور به. قال: اعلم أن التحقيق في هذا المبحث أن الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية. والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية. الأمر الشرعي تلازمه الإرادة الشرعية، يعني ما أمر الله سبحانه وتعالى به شرعا، تلازمه الإرادة الشرعية، يعني أنه مما يحبه الله ويرضاه. ولا تلازمه الإرادة القدرية، يعني لا يلزم مما أمر الله سبحانه وتعالى به شرعا أن يقع، فقد يقع وقد لا يقع. بخلاف الإرادة الكونية القدرية، فإنها لا تلازمه الإرادة الشرعية، فقد يقع كونا وقدرا ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ككفر الكافر، ومعصية العاصي، هذه أرادها الله كونا، ولم يريدها شرعا؛ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. قال: فالله أمر أبا جهل مثلا بالإيمان، وأراده منه شرعا ودينا، ولم يريده منه كونا وقدرا؛ إذ لو أراده كونا لوقع؛ لأن الإرادة الكونية القدرية معنى المشيئة، وما شاءه الله لابد أن يكون، ما شاء الله كان. قال: إذ لو أراده كونا لوقع، فالله أراد إيمان أبي جهل شرعا؛ لأن الإيمان يحبه الله ويرضاه، ويأمر به، لكن لم يريده كونا؛ لهذا لم يقع. ولو شاء الله ما أشركه، يعني لو شاء الله ذلك كونا، لما وقع منهم الشرك. ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها. وقالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، لكن لم يشاء الله سبحانه وتعالى وقوع الإيمان منهم. فإن قيل: ما الحكم في أمره بشيء وهو يعلم أنه لا يريد وقوعه كونا وقدرا؟ هل الجواب أن الحكم في ذلك ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع؟ وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونا وقدرا. وقد صرح بأن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾. كما قال الله سبحانه وتعالى عن: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، يعني الله حاليا يذبح ابنه أمر. قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، مع كون هذا الأمر لم يرده الله سبحانه وتعالى كونا أن يقع. ومع ذلك أمر به، فالحكمة الابتلاء: هل يستجيب أو لا يستجيب؟ هل يفعل ما أمر الله به أم لا؟ قال: فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرا إلا بإرادة وقوعه، يعني قالوا: لا يكون الأمر أمرا إلا بإرادة وقوعه. وأما إن لم يرد وقوعه فلا يكون أمرا. وقد جرّهم هذا الضلال إلى قولهم: أن معصية العاصي ليست مشيئة الله؛ لأنه أمر بتركها، ولم يرد إلا الالتزام الذي أمر به؛ قالوا: لا يكون الأمر أمرا إلا بالإرادة، فنسبوا إليه تعالى العجز، واستقلال الحادث بالفعل دونه، يعني الحادث المخلوق يستقل بالفعل، يعني بفعل الأشياء دون إرادة الله ودون مشيئة الله سبحانه وتعالى، عن ذلك علوا كبيرا. قال: وقد يشاهد السيد وقد يشاهد السيد، السيد يأمر عبده اختبارا لطاعته ونيته: أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به. فهو أمر دون إرادة وقوع المأمور به، لا لبس فيه كما ذكره المؤلف رحمه الله، يعني هذا ظاهر. إذا قال السيد مثلا لعبده: يفعل كذا، وهو ما يريد أن يفعل هذا الأمر، ويقع، لكن ينظر: هل يستجيب له ويطيعه في هذا أم لا؟ فإذا أطاعه عفى عنه، ولم يجعله يفعل هذا الشيء. مع ذلك يسمى أمرا. نعم، طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.