حرمة دم المسلم

الخطبة بعنوان حرمة دم المسلم، والتي كانت بدار الحديث بمنطقة طيبة 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم قتل النفس وخطورة القتل العمد

يتناول هذا الفصل تحريم قتل النفس بغير الحق وخطورة القتل العمد، مستندًا إلى الآيات القرآنية وتفسيرات العلماء. يُبرز عظم هذا الذنب عند الله سبحانه وتعالى والعقوبات المترتبة عليه.

حرمة دم المسلم وترويعه وتأكيد براءة المسلم من سفك الدماء

يؤكد هذا الفصل على حرمة دم المسلم وعظم جريمة سفك الدماء، وتحريم ترويع المسلم. يُظهر أن الإسلام يبرأ من الأفعال الشنيعة التي تتنافى مع تعاليمه.

دعاء بالصلاح والتوفيق وتمجيد الله

يتضمن هذا الفصل دعاءً يطلب فيه العبد من الله إصلاح دينه ودنياه وآخرته، ويتبعه تمجيد لله وتسبيحه والصلاة على النبي محمد، ويختتم بالحمد لله والصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إلا الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، أي ما كان للمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن على أي وجه كان إلا على سبيل الخطأ. ويقول جل وعلا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال إمامنا ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "من أجل ذلك أي قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، أي من قتل نفسًا بغير حق من قصاص ونحوه فهو كقتله للناس جميعًا، فمن قتل نفسًا بريئة فكأنما قتل جميع الناس، ومن أحياها فكأنما أحيا جميع الناس". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "ومن أحياها قال بأن لم يسفك دمًا حرامًا"، وقال مجاهد رحمه الله: "إحياؤها أن يكف عن قتل النفس المحرمة". وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال ابن كثير رحمه الله: "هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن ارتكب هذا الذنب العظيم وهو قتل المؤمن بغير حق". ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا، أربع عقوبات شديدة عظيمة لمن سفك دمًا حرامًا. وهكذا أخبر الله جل وعلا بحرمة دم المسلم، وقد قرن ذلك بالشرك في عبادة الله جل وعلا، فنهى عنهما في مواضع في كتابه. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُوا مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا في مواضع أخرى مما يدل على عظم هذا الذنب عند الله سبحانه وتعالى. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، أي أن الأصل في دمه الحرمة، فلا يجوز لأحد أن يعتدي على أخيه المسلم بسفك دمه إلا في هذه الثلاث. الثيب الزاني إذا زنى الرجل وهو ثيب، ومعنى ثيب أنه قد تزوج بزواج صحيح ووطئ فيه، فإنه إذا وقع في الزنا فحكمه أن يرجم حتى الموت. وهكذا النفس بالنفس إذا قتل نفسًا معصومة فإنه يقتل قصاصًا. والتارك لدينه المفارق للجماعة من اعتدى عن دين الإسلام فإنه يقتل كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: «من بدل دينه فاقتلوه». وإقامة هذه الحدود لولي أمر المسلمين لا لأحد من الناس وأفرادهم. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: "وما هن يا رسول الله؟"، قال: «الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق». الحديث، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وهكذا أيضًا في حديث عبد الله بن عمر كذلك في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: «الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين واليمين الغموس». وقال عليه الصلاة والسلام كما في السنن من حديث البراء رضي الله تعالى عنه: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المؤمن معنقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب الدم الحرام بلح»، رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. ومعنى معنقًا صالحًا أي خفيف الظهر سريع المشي إلى ما فيه الخير. وقوله: "إذا أصاب الدم الحرام بلح" أي انقطع ووقع في الهلاك بسبب ارتكابه لهذا الذنب العظيم. وقال بعض أهل العلم: إن معنى الحديث أن المؤمن مهما وقع في شيء من الذنوب والمعاصي فإن رحمة الله جل وعلا تسعه، ورحمة الله جل وعلا قريبة منه إن شاء الله، فإذا وقع في القتل فإنه يضيق عليه. وفي معنى ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به أن القاتل بعيد عن رحمة الله جل وعلا، مما يدل على عظم هذا الذنب عند الله سبحانه وتعالى. حتى هذه الدنيا بما فيها لزوالها وذهابها وفنائها أهون على الله جل وعلا من قتل امرئ مسلم، مما يدل على عظم حرمة دم المسلم. وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». وفي حديث أبي هريرة في مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، علمنا من هذه الأدلة وغيرها كثير عظم حرمة دم المسلم، وأن سفك الدم الحرام جريمة عظيمة وجريمة كبرى وكبيرة من كبائر الذنوب التي ينبغي للمسلم أن يجتنبها وأن يبتعد عنها. بل إن ترويع المسلم محرم ولو كان ذلك على سبيل المزاح، فقد جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا». هذا الحديث كان الصحابة رضوان الله عليهم في سفر، فنام بعضهم وقام بعضهم، فأخذ حبلًا يريد أن يخيف أخاه من باب المزاح، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا». فإذا كان هذا على سبيل المزاح والضحك فكيف إذا كان على سبيل الجد والحق؟ فإن الأمر عظيم وكذلك جد كبير وخطير. ولذلك فإن ما قد يقع بين الناس من سفك للدماء والتهاون في ذلك فإن ذلك ذنب عظيم وجريمة كبيرة. وما وقع عباد الله قبل يومين في يوم الأربعاء الماضي الخامس عشر من ذي الحجة عام 1441 للهجرة الموافق الخامس من أغسطس عام 2021 ميلادي من ذلكم الانفجار العظيم الذي وقع في عاصمة لبنان بيروت، ذلكم الانفجار الذي هز العاصمة وأمات من أمات من الناس، سفك الدماء وروع آمنون ودمرت مساكن ومنشآت، فإن ذلك لا شك أنه ذنب عظيم وأنه جريمة كبرى وجريمة عظيمة في حق المسلمين وفي حق الآمنين. فقد جاء الإسلام بتحريم ترويع المسلم وتخويفه وبيان حرمة دمه وماله. فإن مثل ذلك مما يتنافى مع دين الإسلام، وكذلك يتعارض مع هذا الدين الحنيف الذي جاء بالحنيفية السمحة وحفظ للمسلم حقوقه في أمواله ودمائه وأعراضه. فلذلك يبرأ المسلم من مثل هذه الأفعال الشنيعة وهذه الأفعال الفضيعة التي لا تنال الإسلام بصلة، بل هي من أفعال الظالمين وأفعال المجرمين والمعتدين. فحسبنا الله جل وعلا ونعم الوكيل. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.