الدرس في شرح العقيدة التدمرية 9، ألقاها
يُبين شيخ الإسلام كيف يستدل العقل على إثبات الصفات الإلهية مثل القدرة والإرادة والعلم من خلال دلالة الفعل الحادث والتخصيص والإحكام. وجود المخلوقات يدل على القدرة الإلهية.
يشرح المقطع أدلة الأشاعرة على إثبات صفات الله مثل الإرادة والعلم والحياة، ثم يبين ردود شيخ الإسلام على هذه الأدلة، خاصةً على استدلالهم على صفات أخرى مثل السمع والبصر والكلام.
يؤكد النص على إمكانية إثبات صفات الله مثل الرحمة والمشيئة والحكمة من خلال الدليل العقلي والسمعي، ويستدل على هذه الصفات من خلال مفعولات الله ومأموراته ونعمائه على العباد.
يتم الرد على المعتزلة الذين ينكرون الصفات ويقرون بالأسماء، بأن إثبات الأسماء وإثبات الصفات لا فرق بينهما، وإنكار الصفات يؤدي إلى إنكار الأسماء أيضا.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن قالت تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى انتقل إلى أمر آخر مما قد يتعلق به من أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وهو أن قد يستدل بدليل العقل أن المثبت لبعض الصفات دون بعض قد يستدل بدليل العقل على إثبات بعض أو على إثبات ما أثبته من الصفات، وأيضا على نفي ما نفاه من الصفات. فقال: فإن قال هذا الذي أثبت البعض ونفى البعض تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم. الفعل الحادث، أي الفعل المحدث، دل على القدرة، أي وجود المخلوقات وإحداث المخلوقات دل على القدرة. قال: والتخصيص دل على الإرادة، ودليل التخصيص هذا من أشهر أدلة الأشاعرة، وأصله فلسفي، قال شيخ الإسلام: إن أول من قال به هو ابن سيناء، وكان غرضه من ذلك نفي استواء الله عز وجل على عرشه ومباينته من خلقه سبحانه وتعالى. فقالوا: كل جسم متناه، وكل متناه فله شكل معين، وكل ما له شكل معين فلابد له من مخصص يخصصه به، وهذا المخصص هو الإرادة، أي إرادة الله جل وعلا. قالوا: هذا الدليل يدل على الإرادة، إذن يقولون أثبتنا صفة الإرادة بدليل التخصيص. قال: والإحكام دل على العلم، والإحكام بمعنى الإتقان، نحن نجده ونشاهده في الأشياء والمخلوقات متقنة، وهذا الإتقان يدل على العلم، إذ أن موجدها جعلها على هذا الإتقان العجيب. قال: وهذه الصفات مستلزمة للحياة، إذ لا يكون ذا قدرة وذا إرادة وذا علم إلا من كان حيا، إذن نثبت صفة الحياة من هذه الصفات. ثم انتقلوا فقالوا: والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رادا عليهم: لك جوابان، أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين. فهب أن ما سلفته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت. قال: والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم. قال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم دل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة. قال: وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه. قال: والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته، وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة، تدل على حكمته البالغة، كما يدل التخصيص على المشيئة، وأولى بقوة العلة الغائية. قال: ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة، وهذا اعتناء القرآن بالعلة الغائية يدل على أهميتها وأولى أنها أظهر. قال: وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلة، قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما، قيل لك: ولا نجد في الشاهد مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم، فانف الأسماء بل وكل شيء، لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.