الدرس في آداب المشي والركوب 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المشروعية والأدب في المشي حافيا مبنية على أحاديث نبوية تشير إلى مشي الرسول صلى الله عليه وسلم حافيا ومنتعلا. بعض العلماء يرى أن المشي حافيا أحيانا يعتبر من آداب المشي لتعويد الجسد على الخشونة وتقويته.
الإسلام يبيح المشي حافيا في بعض الأحيان مع التأكيد على أهمية لبس النعال عادة وتجنب المشي حافيا في الأماكن التي قد تسبب الأذى. كما يشدد على أهمية عدم الالتفات أثناء المشي لما في ذلك من دلالة على الأدب والاحترام.
الالتفات أثناء المشي بدون حاجة يمكن أن يؤدي إلى الوقوع في المحظورات مثل النظر إلى ما لا يجوز أو التأخر في الطريق وإزعاج الآخرين. كما يمكن أن يسبب حوادث وإصابات للماشي أو الراكب.
الدرس ينتهي بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر الختام الديني للخطبة أو الدرس. يُختم بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كان حديثنا بالأمس حول ما يتعلق بآداب المشي والركوب، وذلك بدءا بذكر آداب المشي، ومر معنا ما يتعلق عن النهي عن مشية الخيالاء، وهي عن التبختر، وذكرنا الأدلة الدالة على ذلك. ثم أشرنا إلى أدب آخر من آداب المشي، وهو كراهية المشي بنعل واحدة، وذكرنا المسائل المتعلقة بهذا الأدب. وذكرنا أن الخلاصة في هذا الباب أن الذي يبتلى بنعل واحدة فهو بين أمرين لا ثالث لهما، إما أنه يصلح الأخرى فيمشي بنعليه، وإما أن ينزعهما فيمشي حافيا، كما جاء ذلك في الصحيحين. وهذا يجرنا إلى ذكر أدب ثالث، ومما له تعلق بالدرس الذي مضى، وهو أن من العلماء من ذكر أن من آداب المشي الاحتفاء أحيانا. ومعنى الاحتفاء أنك تمشي حافيا، لا بأس بهذا، أنك تمشي حافيا أحيانا، هذا لا بأس به. لأن بعض الناس ربما يقول: إذا كان من الحلول حتى لا تقع في النهي عن لبس نعل واحدة أننا نمشي أحيانا حفاة، كيف هذا؟ ولهذا ليس به بأس أن تمشي حافيا، ليس به بأس. ومما يدلك على هذا من الأحاديث النبوية ما رواه الإمام أحمد في مسنده من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمشي حافيا ومنتعلا، كان يمشي حافيا ومنتعلا. وإن كان بعض العلماء يرى أن صواب الحديث لفظه: أنه كان يصلي حافيا ومنتعلا. لكن بعضهم أورده بما سمعت: يمشي حافيا ومنتعلا، تارة هكذا وتارة هكذا. وجاء من حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحتفي أحيانا». ومر معنى أن الاحتفاء أنك تمشي حافيا، فهذا مما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث رواه أحمد، وهكذا أهل السنن. وإن كان بعض العلماء أيضا يشير إلى ضعف هذا الحديث، وأنه لم يصح شيء في هذا الباب. لكن بعض المحققين من أهل العلم يرى أن أحاديث الباب تنهض للحجية، وأنها تخلص إلى أن للمرء أن يمشي حافيا أحيانا. والقصد من هذا المشي إخواني في الله، كما قال العلماء: أن الإنسان لا يعود نفسه على الرفاهية دائما أبدا، بل أحيانا يعود نفسه على الخشونة. وكما جاء عن بعض الصحابة، عن عمر وعن غيره، أنه قال: «اخشوشنوا، اخشوشنوا»، تعلم الكشونة. فأحيانا تحتاج إلى أن تتعلم مثل هذه المسائل حتى يتقوى الجسد. ومن هذا الباب أدخل العلماء مسألة المشي حافيا، فهذا يفعل أحيانا. وهنا مسائل إخواني في الله، على ظل هذه المسألة، وتحت هذا الأدب، ما يتعلق بالمشي حافيا أحيانا، تأتي مسائل. أولاها: عدم الإنكار على من يرونه يمشي حافيا. صحيح الناس قد ما اعتادوا على هذا، لكن كونه معتادا لا يستغربونه. فإن رأوا أحدا مثلا يمشي حافيا، هو أحب هذا، قل: أفعل ذلك تعودا وتقوية للجسد، فلا بأس بذلك، لا ينكر هذا عليه، لا يلمز بالسفه أو بخفة العقل كما يفعل بعض الناس. لا تفعل ذلك، لا تستغرب، فهذا أمر مما جاءت به الشريعة، على من يصحح هذه الأحاديث المروية في الباب. فكيف إذا انضاف إلى ذلك، وهذا قد مر علي في بعض التقارير الطبية، مما يتكلم عن طبيعة الجسد، وأن جسم الإنسان أحيانا تكون فيه شحنات كهربائية. ولهذا المسلم بما حاباه الله جل وعلا من شريعة ودين، استطاع أن يتخلص من هذه الشحنات الكهربائية. فكانوا يشيرون إلى مسألة الصلاة، وأن الإنسان إذا سجد فإنه يفرغ من شحنات الجسد إلى الأرض عن طريق الصلاة والسجود. وأشاروا أيضا إلى مسألة الاحتفاء، وأن هذه جاءت من السنة، وفيها فوائد، منها ما ذكروا في هذا التقرير الطبي، على أن الإنسان إن مشى أحيانا حافيا، فإن هذا معين إلى تفريغ الشحنات الكهربائية الذي فيه جسده، والله أعلم. لكن هذا مما يؤيد ما جاءت به السنة، فإن صح هذا الخبر أو لم يصح هذا التقرير، فعندنا أن هذا من فعله صلوات ربي وسلامه عليه، على من يصحح الآثار في هذا الباب. إذن المسألة الأولى: أن الإنسان والناس لا يستغربون مثل هذه الطبيعة، إن رأوا أحدا يمشي حافيا، فهو ليس عرض للتهكم ولا للسفه. الفائدة الثانية: في حق الماشي، فعلى القول أن المشي حافيا لا بأس به، لكن ليس على حساب أن يؤذي نفسه. فإذا كان الطريق ليست مهيأة لهذا، كان يكون فيها شوك أو زجاج أو مما يؤذي الجسد، لا يجوز أنك تحتفي في هذا المكان، وإنما عليك أنك تنتعل. والأصل في هذا الباب النعل، هذا الأصل. لهذا العلماء عندما يعبرون عن هذا الأدب، يقول: لا بأس أن تحتفي أحيانا، بهذا القيد أحيانا، لا تجعل هذه ديمومة. فإن الغالب من فعله عليه الصلاة والسلام: أنه كان ينتعل عليه الصلاة والسلام. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «استكثروا من النعال، استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما تعل». فهذا في إرشاده صلوات ربي وسلامه عليه إلى الاستكثار من النعال. وهذا الحديث أشار جماعة من العلماء إلى أن الأمر يحمل على الاستحباب، كما أشار إلى ذلك الصنعاني رحمه الله تعالى، كما في السبل، حيث قال: فإن الأمر إذا لم يحمل على الإيجاب فهو للاستحباب، استحباب أي تؤجر على هذا. وإن كان جمهور العلماء ذهبوا إلى أن الأمر للإرشاد. ومن العلماء من جعل هذا الحديث: «استكثروا من النعال»، جعله في باب السفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في سفره: «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا من تعل». فهذا هو الأصل، الأصل أنك تستكثر من النعال، لكن أحيانا لا بأس أنك تمشي حافيا، وخاصة إذا جاءت الحاجة. كما مر معنا في درس أمس، من قطع من انقطع عليه نعاله فأخذه بيدك، ومن شحافي عذرك معك. أو أحيانا لربما أنت في بيتك وقد قاربت الصلاة أو قمت الصلاة، فبحثت عن نعليك فلم تجدهما، فلا تضيع الوقت، تذهب عليك الصلاة وأنت تبحث عن النعل. والحمد لله، أم في سعي، خرج عبد الله ماشيا حافيا، فرصة أن تفعل ذلك، فتفعل ذلك أحيانا، فهذا مما لا بأس به. كذلك مما يذكر من آداب المشي إخواني في الله، قال العلماء: عدم الالتفات. فالماشي إذا مشى يحرص على أن يكون وجهته، وأن يكون ناظره اتجاه طريقه الذي يسير فيه، فلا يكثر من الالتفات يمنة ويسرة، يمنة ويسرة. فإن هذا مما يذم، ومما يدل على أن هذا من باب الأدب، أي عدم الالتفات، ما جاء من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى لم يلتفت، إذا مشى لم يلتفت. رواه الحاكم في مستدركه، وصححه الألباني رحمه الله. وقد ذكر الشراح أن المقصود بعدم الالتفات في مشيه: هو ما كان للفرجة، ما كان للفرجة. أما إن كان للحاجة فلا بأس، كونك تحتاج لهذا، كونك تبحث عن عنوان، تبحث عن محل، تنظر يمينا، هذا لا بأس، هذا بحاجة أن تنظر، ليس من المعقول أنك تمشي هكذا وتجعل العناوين تمر عليك. لكن المقصود بذلك: أنك تلتفت لغير حاجة، فهذا مما قال العلماء: أنه ليس من الآداب. وقال أهل العلم في هذه المسألة: ما العلة أن نبينا كان إذا مشى لم يلتفت، وأن هذا يعد من آداب المشي؟ قال العلماء: لعدة أمور تتمخض من هذا الأدب. منها: أن لا ينشغل الإنسان بفضول النظر، هذا ليس به فائدة أصلا، فرجة يمين، يسار، يمين، هذا ليس هذا يجرك إلى أن تدخل بما يسميه العلماء بفضول النظر. وقد ذم العلماء هذا الخلق، ما يكون من فضول النظر، ما يكون من فضول الكلام، وهو الشيء الذي لا ينفع، هذا لا ينفعك، فلا تشتغل بما لا ينفعك. الأمر الثاني: بل ربما أوقعك هذا الالتفات إلى محظور، إلى محظور، كأن تلتفت إلى فيقع ناظرك إلى ما لا يجوز النظر إليه، كالنظر إلى النساء أو النظر إلى بيوت الناس. وقد مر معنا - لو تذكرون - في آداب الطريق، عندما أشرنا إلى أن من حق الطريق غض البصر. أشرنا إلى ما ذكره العلماء: أن العورة هي على صورتين اثنتين، عورة من وراء الثياب، وعورة من وراء الأبواب. فما وراء البيوت عورة، فلربما عندما تلتفت هنا وهنا، فلربما يقع ناظرك إلى أبواب الناس وإلى نوافذهم، فتنظر إلى الداخل. صحيح قد تكون هذه نظر فجأة، لكن ما يدريك؟ لعلك ستستديم النظر. لكن لو أنك لم تنشغل، لم أوقعك، أوقعت نفسك في هذا الحرج. كذلك أن كثرة الالتفات يا عبد الله في مشيك، لربما أدى إلى أن تؤخر من وراءك، وهذا واضح. أحيانا أنت تمشي في طريق فترة ازدحام، وتجد من كان في الصف الأول أو المقدم في المشي يلتفت، والذي يلتفت سيتأنى، سيؤخر من وراءه، وأنت مستعجل، لربما على أمر طارئ، سواء كان هذا في المشي أو حتى في الركوب. في الركوب تجد أحيانا أنت مستعجل، وتجد شخصا أمامك، فتعطيه الهون على أن يبتعد، فإذا بك ترى من الذي أخرهم؟ النظر ينظر هنا، ينظر هنا، على حساب أنك تؤخر أناسا، وما ينبغي أن يتأخروا. فهذا من الإخلال، من سببه عاد، أنك لم تتأد بهذا الأدب، وهو عدم الالتفات. كذلك أن فيه مضرة لربما الماشي، ويلتفت عند مشيه، سيؤذي نفسه، كأن يصطدم بشيء، يصطدم بشيء. وهذا كثير، يمشي فيلتفت، إذا هو أمام جدار، اصطدم به، وهكذا. قل في حق الراكب. وأخبرت فيما أخبرت به عن رجلين، أخبرني بذلك أحد الإخوة، عن شخص كان في دراجته يسير، فإذا به شخص بجانب الطريق أشار إليه أو كلمه، فالتفت إليه في طريقه ويمشي. قال: فما أحسست بنفسي إلا وأنا في المشفى، كيف هذا؟ أي لما التفت رجع، اصطدم بسيارة، وهو لم يشعر بشيء، إنما هو شعر آخر نظر إلى زميله الذي في قارعة الطريق، فما إلا بالسيارة أمامه، لأنه ما انتبه إليها، أنه قد انشغل بالتفات هذا، فآذى نفسه، فما شعر إلا وهو في المشفى مرقدا. فهذا كله إخواني، للإخلال بهذا الأدب، هو الالتفات بعدم الحاجة. فإن كان ولابد، حاول يا عبد الله أن تجتنب قارعة الطريق، أو تجنب أن تكون في وسطه، فتؤذي نفسك وتؤذي من وراءك. فهذا إخواني في الله مما يذكر من مسائل هذا الأدب، وهو عدم الالتفات في أثناء المشي. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.