الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المؤلف أن دعاء غير الله من أعظم أنواع الشرك الأكبر، مستدلاً بآيات قرآنية كثيرة متكاثرة ونصوص نبوية صريحة في النهي عنه والوعيد عليه. يقارنه بعبادات أخرى كالتذبح والسجود التي أجمع العلماء على أن صرفها لغير الله كفر، مبيناً أن من جعله شركاً أصغر فقد جهل حقيقة التوحيد.
يناقش المقطع أدلة القرآن الصريحة على أن دعاء غير الله واتخاذ الملائكة والأنبياء أرباباً ووسائط هو شرك أكبر وكفر بإجماع المسلمين. يستشهد بآيات تنفي الشفاعة إلا بإذن الله وتؤكد أن كشف الضر بيده وحده.
ينقل المقطع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير من يجعل بينه وبين الله وسائط كالحجاب عند الملوك، مبيناً أن هذا تشبيه للخالق بالمخلوق. يستدل بآيات تؤكد أن الدعاء والخشية والتوكل لا يكون إلا لله وحده، ويختتم بأن النبي ﷺ حقق هذا التوحيد وسد ذرائع الشرك.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن ما سبق يحقق معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، ويعد باستكمال توضيح معناها في الدرس القادم. يختتم بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد: فذكر المؤلف رحمه الله في الرد على أنه يلزم هذا الذي يقول أن دعاء غير الله ليس شركاً أكبر، يلزم أولاً أنه يقر أنه عبادة. فإذا أقر أنه عبادة بلا حجة، والآيات فيقال: ما الفرق بين السجود وكذلك الدعاء؟ ما الفرق بين الدعاء والسجود؟ لا فرق، هذا عبادة وهذا عبادة، وصرفها لغير الله شرك بالله، كما أن من سجد لغير الله شرك، كذلك من دعا غير الله أيضاً أشرك. وكذلك أيضاً يقال له: أن العلماء ذكروا أيضاً في المذاهب حكم المرتد، وذكروا فيها أنواعاً كثيرة، كل نوع منها يكفر به الرجل ويحل دمه وماله، ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء. أنا أشياء كثيرة يقولون أنها كفر وردة، لم يأتِ مثل ما جاء في الدعاء. بل قال: بل لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه. وهذا لا شك في صحته. فليس هناك عبادة من العبادات جاءت النصوص متكاثرة فيها على أنها شرك بالله، وأن من دعا غيره فهو مدموم، ذمه الله في كتابه وفي سنة رسوله. فجاءت آيات كثيرة، لو جمعها الإنسان لجاءت أكثر من ثلاثين آية في تحريم دعاء غير الله والتحذير من ذلك. فهذه الآيات كلها يقال بعد ذلك: أن الدعاء يجوز إذا كان للرجل الصالح؟ فأين نذهب بهذه الأدلة؟ قال رحمه الله: ولا يشتبه هذا إلا على من لا يعرف حقيقة ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من التوحيد، ولم يعرف حقيقة شرك المشركين الذين كفرهم النبي عليه الصلاة والسلام وأحل دماءهم وأموالهم، وأمره الله أن يقاتلهم حتى لا تكون فتنة، أي لا يكون شرك، ويكون الدين كله لله. فمن أصغى إلى كتاب الله علم علماً ضرورياً أن دعاء الموتى من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين. فكيف يسوغ لمن عرف التوحيد الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل ذلك من الشرك الأصغر، ويقول: قد عجم النص الصريح على كفر فاعله؟ هذا كلام لا يعرف الأدلة. قال: فإن الأدلة القرآنية والنصوص النبوية قد دلت على ذلك دلالة ظاهرة، ليست خفية. ومن أعمى الله بصيرته فلا حيلة فيه. من يضلل الله فلا هادي له، ويذرهم في طغيانهم يعمهون. وأيضاً فإن كثيراً من المسائل التي ذكرها العلماء في مسائل الكفر والردة، وانعقد عليها الإجماع، لم يرد فيها نصوص صريحة بتسميتها كفراً. ألا إن ليس كل شيء يسمى مثلاً كفراً، لا بد أن يكون نصه صريحاً، وإنما يؤخذ من استنباطها العلم من العمومات. قال: وإنما استنبطها العلماء من عمومات النصوص، كما إذا ذبح المسلم نسكاً متقرباً به إلى غير الله، فإن هذا كفر بالإجماع، كما نص على ذلك النووي وغيره. أنا من ذبح نسكاً يتقرب بها إلى غير الله، إما إلى جن أو إلى ولي أو إلى كذا، فهو كفر بالإجماع، نص عليه النووي في كتابه المجموع، وكذلك أشار إليه في الأبكار الظاهر على ما أظن. قال: وكذلك لو سجد لغير الله. فإذا قيل: هذا شرك لأن الذبح عبادة والسجود عبادة، فلا يجوز لغير الله. فما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾. قال: فهذا صريح في الأمر بهما وأنه لا يجوز صرفهما لغيره. أن الصلاة والنسك لا يجوز أن تصرف لغير الله. فيبقى أن يقال: أين الدليل المصرح بأن هذا كفر بعينه؟ هذا فيه أنه يكون لله، أنه يؤمر أن يجعل هذا لله، لكن أين؟ لأنه من باب الإلزام لهذا الرجل الذي قال بأن دعاء غير الله ليس من الشرك الأكبر، وليس فيه نص صريح على كفر فاعله. فيقال له الآن: الصلاة والنسك والذبح عبادتان، إذا أمر الله عز وجل أن تصرف له. فقال المؤلف هنا: فيبقى أن يقال أين الدليل المصرح بأن هذا كفر بعينه؟ عندنا فقط أن من ذبح لغير الله، لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديك. فهل في هذا نص صريح على أنه كفر؟ قال: ولازم هذه المجادلة الإنكار على العلماء في كل مسألة من مسائل الكفر والردة التي لم يرد فيها نص بعينها. لكن كما تقدم أن جعلها عبادة هذا يدل على أنه لا يجوز تصرفها لغير الله. قال: مع أن المسألة المسؤول عنها قد وجدت فيها النصوص الصريحة من كلام الله وكلام رسوله، وأوردنا من ذلك ما فيه الهدى لمن هداه الله. أنا هذه الصلوات، مع أن أقصد الصلاة عبادة عظيمة، لم يأتِ مثلاً دليل صريح أن من لم يصلِ لله فهو مشرك، أو من صلى لغير الله فهو مشرك. ليس هناك دليل عندنا على هذا. لكن أجمع الناس على أنه من سجد لغير الله سجود عبادة فهو مشرك. هذا مع أنه ليس هناك نصوص. والدعاء عندنا نصوص كثيرة كثيرة جداً في القرآن، تدل على من دعا غير الله، بل صرح بشركهم. ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾. إلى قوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾. قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى والعزير والملائكة والأنبياء، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. فانظر إلى هذه الآية، صرح أن من اتخذ الملائكة والنبيين أرباباً فهو قد كفر. أي أمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون. وكيف يتخذهم أرباباً؟ أي أنهم يتبعونهم ويطيعونهم فيما حرم الله فيحلونه لهم، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيتبعونهم. فهذا هو اتخاذهم أرباباً. قال: فبين الله سبحانه وتعالى أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر. فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين. قال الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾. إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾. كل هذه الآيات في نفي الشفاعة التي يطلبها المشركون من أوليائهم وأصنامهم. وقال جل وعلا: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. وقال: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. فقال: وهذا كله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، مثل ما ذكرنا في أول الأمر أن بعض هؤلاء، بعض أهل القبور، يقولون: أننا مذنبون ومخطئون، فلا بد أن نجعل بيننا وبين الله وسائط. فهم يرفعون لله أعمالنا، نحن ندعوهم وهم يدعون الله. قال: وهم يسألون الخالق كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب. وهذا كما ذكرنا قبل أنهم شبهوا الله عز وجل بالملوك الظلمة. قال: فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تابوا وإلا قتلوا. وهذه كما قلنا يصرحون بها، أو يصرح بها أرباب القبور، على أنهم يطلبون المدد وغيره، ويدعون ويستغيثون بغير الله توسلاً إلى هذا الولي حتى يشفع لهم عند الله. وهذا هو الذي كان يفعله مشركوا قريش وغيرهم. قالوا: هؤلاء مشبهون، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أنداداً. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى. أنا يقول شيخ الإسلام: أن في القرآن رد على هؤلاء، وقد ذكر المؤلف آيات كثيرة في هذا. قال: فإن هذا دين المشركين، أرباب الأوتان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقرب بها إلى الله تعالى. وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى، حيث قال: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. وقال: وقال جل وعلا: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾. أي: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر والنهي، وليؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم، ليس بالمسألة والتضرع. وقال: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾. وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه، أن إذا فرغت فانصب، أي: إذا انتهيت من مشاغلك فانصب إلى ربك واعبد ربك، وإلى ربك فارغب، أي: أخلص له العبادة. قال: وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه، وحسم مواد الإشراك به، حيث لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه. قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. وقال: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾. وقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾. فبين أن الطاعة لله والرسول، وأما الخشية والتقوى فلله وحده. أنا فرق بينه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾، الطاعة تكون لله ورسوله، لكن لما ذكر الخشية والتقوى قال: ﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾. فبين أن الإيتاء لله والرسول، وأما التحسب فهو لله وحده. قالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله، لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله، لأن الأمور بيد الله جل وعلا. ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنه موارد الشر. إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله. سيذكر بعد ذلك شيء مما يوضح معنى هذه الكلمة. وإن شاء الله نكمل في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.