كتاب الصلاة 28

الدرس في كتاب الصلاة 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم رفع البصر في الصلاة وأحكام رفع البصر خارجها

رفع البصر إلى السماء في الصلاة محرم وقد يصل إلى حد الإثم، بينما يجوز عند الدعاء خارج الصلاة عند بعض العلماء. ينبغي للمصلي النظر إلى موضع سجوده لتحقيق الخشوع.

شرح حديث النبي عن شروط صحة الصلاة

يفسر الحديث النبوي حول عدم صحة الصلاة بحضرة الطعام أو مدافعة الأخبثين، ويشترط تقديم الطعام أو قضاء الحاجة قبل الصلاة للمحافظة على الخشوع. النفي هنا يعني نفي الكمال وليس الصحة.

أحكام التعامل مع التثاؤب في الصلاة

يجب كظم التثاؤب عند حدوثه في الصلاة، ويقدم بعض السنن النبوية للتعامل مع التثاؤب مثل وضع اليد على الفم وعدم التكلم أثناء التثاؤب. التثاؤب من الشيطان.

ختام باب الحث على الخشوع وانتقال إلى باب المساجد

يختتم الإمام ابن حجر الحديث عن باب الحث على الخشوع ويشير إلى الباب التالي وهو باب المساجد، ويشكر الله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب الحث على الخشوع: قالوا عن جابر بن سمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم» رواه مسلم. وجاء أيضا عند الإمام مسلم، حديث أبي هريرة بلفظ «ينتهي أن أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لا تخطفن أبصارهم». قول عليه الصلاة والسلام «لينتهين» فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد، وباللام، والقسم الواقع بجواب القسم، والتقدير: والله لينتهين، والله لينتهين، فهو خبر يراد منه الأمر، خبر يراد منه الأمر، أي لينتهي أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، يعني هم في أثناء الصلاة يرفعون أبصارهم إلى السماء. قال «أو لا ترجع إليهم» يعني يذهب الله عز وجل بأبصارهم، وهذا وعيد شديد، وعيد شديد يدل على حرمة هذا الفعل، وهذا هو الصحيح أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة محرم، لنهي النبي عليه الصلاة والسلام، والأصل في النهي أنه للتحريم. وهكذا أيضا مع ذكر هذا الوعيد الشديد بذهاب الأبصار «أو لا ترجع إليهم»، وفي الرواية الأخرى «أو لا تخطفن أبصارهم»، فيدل هذا على تحريم ذلك. هل تبطل الصلاة بذلك إذا رفع المسلم بصره إلى السماء؟ جمهور أهل العلم أنها لا تبطل، جمهور أهل العلم أنها لا تبطل. وذهب الإمام ابن حزم إلى البطلان. والصحيح أنها لا تبطل، لكنه يأثم بهذا الفعل. والعلم في هذا النهي أنه ينافي الخشوع، ينافي الخشوع، أن ينبغي أن يكون المصلي خاشعا في صلاته، لا يتلفت سواء يمينا وشمالا، أو يرفع بصره إلى السماء، مع ما فيه كذلك من الإعراض عن الله، لأن المصلي إذا قام فإنه ناج ربه، وإن الله قبل وجهه كما جاء في الحديث، فهو بهذا يعرض عن جهة القبلة برفع بصره إلى السماء، إذن إلى أين ينظر المصلي؟ إلى أين ينظر المصلي في صلاته؟ جمهور أهل العلم إلى أنه ينظر إلى موضع السجود، ينظر إلى موضع السجود. وقالوا بأن هذا هو حال الخاشع في صلاته، أنه ينظر إلى موضع سجوده. واستدلوا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة لم يخالف بصره موضع سجوده. والحديث رواه الإمام ابن خزيمة والحاكم، وقد ضعفه بعض الأئمة كأبي حاتم، قالوا حديث منكر. واستدلوا أيضا ببعض الآثار، وبعض المراسيل، كمرسل ابن سيرين عند الإمام عبد الرزاق في «المصنف» أنه قال: يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء حتى نزل قول الله عز وجل ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، قال: فرمى ببصره إلى موضع سجوده. وذهب الإمام مالك إلى أنه ينظر أمامه. وقد يستدل لهذا بحديث أنس، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم فتقدم وتأخر، فلما سئل عن ذلك أخبر أنه عرضت عليه الجنة والنار، فهذا يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر أمامه. وعلى هذا فالصواب أنه يجوز النظر إلى موضع السجود، ويجوز كذلك أن ينظر المصلي أمامه، أن ينظر أمامه، فكل الأمرين جائز، وإن كان الأحرى إلى الخشوع أكثر هو النظر إلى موضع السجود، النظر إلى موضع السجود. والرواية لأبي هريرة التي فيها نهي رفع البصر إلى السماء عند الدعاء، عند الدعاء، هذا في الصلاة، يعني لا يجوز أن يرفع بصره إلى السماء سواء عند الدعاء أو في غير الدعاء. لكن خارج الصلاة، فما حكم رفع البصر أو الأيدي إلى السماء عند الدعاء؟ فبعض أهل العلم كرهه، وبعضهم أجازه، بل أكثرهم أجاز ذلك، يعني أن الداعي عند الدعاء يستقبل السماء، قالوا بأن السماء قبلة الدعاء، أن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. والذين قالوا يكره ذلك قالوا بأنه لا دليل على أن السماء قبلة الدعاء، هذا أولا. والأمر الثاني أنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يستقبل القبلة عند الدعاء، كما في صلاة الاستسقاء، ودعائه عليه الصلاة والسلام، فإنه استقبل القبلة، والحديث في الصحيحين. ولأن القبلة ما يستقبلها العابد في صلاته، أو ذكره لله جل وعلا، أو دعائه، وليس القبلة ما ترفع إليه الأبصار أو ترفع إليه الأيدي. وعلى هذا فالصحيح أن القبلة هي قبلة المصلي والداعي الذي يدعو يستقبل كذلك القبلة، كما أن المصلي يستقبل القبلة. قال رحمه الله: وله عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». وله أي للإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». لا صلاة، هذا النفي هل يراد به نفي الصحة أو نفي الكمال؟ الأصل أن النفي يحمل على نفي الصحة، فإذا دل الدليل على صحة هذا العمل فإنه يحمل على نفي الكمال. فقول عليه الصلاة والسلام «لا صلاة بحضرة طعام» قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى بحضرة الطعام، بحديث عمر بن أبي سلمة في البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل من كتف الشاة، فلما حضر وقت الصلاة قام وتركها، قام وتركها. فدل هذا على أن النفي هنا نفي للكمال، أي لا صلاة كاملة، لا صلاة كاملة بحضرة طعام، يعني عند حضور الطعام، إذا حضر الطعام والإنسان يشتهيه ويريده، يشتهيه ويريده وهو قادر على أكله وراغب فيه، فحينئذ يقدم الطعام على الصلاة، لماذا؟ من أجل المحافظة على الخشوع، حتى يقوم من الصلاة وهو خاشع، يصلي بحضور قلب، ما يكون قلبه معلقا بالطعام، فيصبح جسد قائم والقلب عند الصحون، فيذهب لب الصلاة وروحها. فقول عليه الصلاة والسلام «لا صلاة بحضرة طعام» إذا كان يشتهيه، إذا كان ما يشتهي الطعام موجود جاء، لكن ما يريده يقوم يصلي، يقوم يصلي. طيب إذا كان لا يقدر على أكله لكونه صائما مثلا، كذلك فإنه لا يتخلف عن الصلاة، بل يقوم يصلي. أما إذا كان موجودا وهو راغب فيه، فله أن يأكل حتى ولو قلّت الصلاة، فيستمر حتى يقضي حاجته منه. وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأكل والقارئ يقرأ في الصلاة، فيستمر في طعامه. وقول عليه الصلاة والسلام «بحضرة طعام» إذا كان الطعام لم يحضر بعد، الطعام مثلا ما زال في النار يطبخ، هل يتخلف عن صلاة الجماعة؟ الجواب لا، لأن الطعام حينئذ غير حاضر، الطعام غير حاضر، يصلي، وإذا انتهى من الصلاة يكون الطعام قد نضج وصار صالحا للأكل، لا بأس. أما وهو في النار، ليس هذا عذرا، العذر إذا كان الطعام موجودا، إذا كان الطعام موجودا، فحينئذ يقدم الطعام. وإذا صلى والطعام موجود وهو يشتهيه، فقد يكره له ذلك، والصلاة صحيحة مع الكراهة، لما سيحصل فيها من نقص الخشوع وحضور القلب. قال «ولا هو يدافعه الأخبثان» يعني كذلك لا صلاة مع مدافعة الأخبثين، والمراد بهما البول والغائط، إذا كان يريد أن يبول أو يتغوط، فلا يصلي في مثل هذه الحال، يبدأ أولا بقضاء حاجته، يبدأ بقضاء حاجته من البول والغائط، ثم بعد ذلك يدخل في الصلاة، حتى ولو فاته شيء من الجماعة، بل وفاتته الجماعة كلها، فهو معذور، فهو معذور، لماذا؟ من أجل المحافظة على الخشوع، لأنه إذا صلى وهو يدافع الأخبثين، سيصلي متضايقا، سيذهب الخشوع وحضور القلب، يكون همه أن ينتهي من الصلاة حتى يذهب يقضي حاجته، فإذا هذا ينافي المقصود من الصلاة وهو الخشوع. ولهذا يبدأ بالخلاء، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام «إذا أتى أحدكم إلى الصلاة وأراد الخلاء، فليبدأ بالخلاء» كما في مسند الإمام أحمد. قال «ولا هو يدافعه الأخبثان» إذا كانت المدافعة يسيرة لا بأس، إذا كانت المدافعة يسيرة وقليلة لا بأس. فإن زادت في الصلاة، فإن له أن يخرج ويقضي حاجته ثم بعد ذلك يدخل إلى الصلاة. إذا ضاق الوقت بالنسبة لمدافعة الأخبثين، إنسان قام من النوم وبقي من وقت الصلاة شيء قليل، إذا ذهب يقضي حاجته خرج وقت الصلاة، فهل يصلي وهو يدافع الأخبثين أو يذهب يقضي حاجته ثم يصلي ولو خرج وقت الصلاة؟ فجمهور أهل العلم قالوا: يصلي وهو يدافع الأخبثين محافظة على الوقت. وذهب الإمام ابن حزم وبعض الشافعية إلى أنه يقضي حاجته أولا ثم يصلي ولو خرج الوقت، ولو خرج الوقت، وهذا أظهر، لماذا؟ لحديث «ولا هو يدافع الأخبثان»، ولأن المستيقظ من النوم يكون وقت الصلاة ووقت استيقاظه، من نام عن صلاة نسيها فوقتها حين يذكرها. وأمر ثالث أن في حبسه للأخبثين ضررا، في حبسه للأخبثين ضرر يتضرر بسبب ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «لا ضرر ولا ضرار»، فيقضي حاجته، ومع ذلك يصلي هذه الصلاة. طيب إذا هل يلحق بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين غيرهما؟ الجواب نعم، الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، فما كان مثل ذلك مما يشغل المصلي عن صلاته، فلا هو أن يترخص بترك الجماعة، ما لم يكن ذلك يعني عمدا وديدنا. فمثلا لو أن إنسانا يعمل في البناء أو الصبة، لو ذهب يصلي وترك الأسمنت سيتجمد ولا يمكن بعد ذلك الانتفاع منه، وقد يصلي وهو منشغل به، فحينئذ يكمل عمله ثم بعد ذلك يصلي. وهكذا الخباز مثلا لو وضع خبزا في التنور أو في الفرن وجاء وقت الصلاة، يعني لو ذهب سيبقى منشغلا قلبه بهذا الخبز، نقول: أولا انتهي من هذا العمل، ثم بعد ذلك تذهب فتصلي. طيب هذا بمعنى «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان»، وكل ذلك من أجل المحافظة على الخشوع. قال رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» رواه مسلم والترمذي، وزاد في الصلاة، يعني زاد الترمذي «إذا تثاءب في الصلاة»، أو «التثاؤب في الصلاة من الشيطان». رواية الترمذي «التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع». ورواية الإمام مسلم مطلقة غير مقيدة في الصلاة. فقول عليه الصلاة والسلام «التثاؤب من الشيطان»، التثاؤب ما يحصل للإنسان من انفتاح فمه من غير إرادة منه، هذا يسمى التثاؤب، ويكون غالبا إما من كسل أو رغبة في النوم أو نحو ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام «التثاؤب من الشيطان»، ومعنى «تثاؤب من الشيطان»، أي أن حصول التثاؤب الغالب يكون من ثقل البدن والكسل والخمول، وهذا مما يحبه الشيطان، مما يحبه الشيطان، فكأن حصول هذا التثاؤب منه، لأنه هو الداعي إلى الميل إلى الشهوات والملذات والكسل والخمول، وعن الطاعات والعبادات، فهذا من عمل الشيطان، مما يحبه الشيطان. فقوله «فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» يعني يكظم، فإذا جاء التثاؤب تقفل، حاول أن تسد هذا التثاؤب، تكظمه بضم الشفتين، هذه سنة عند التثاؤب أن تكظم التثاؤب بضم الشفتين. وجاء بحديث أبي سعيد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه»، تقفل فمك بيدك، «فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل»، هذه سنة ثانية أن تضع يدك على فمك. وجاء بحديث أبي هريرة قال «إذا تثاءب أحدكم فلا يقل آه، فإن الشيطان يضحك»، الشيطان يضحك عليك، إذن السنة الثالثة أنك لا تتكلم في أثناء التثاؤب، بل تسكت حتى ينتهي التثاؤب، إذا كنت تقرأ أو تتكلم مع أحد، وكذا إذا جاءك التثاؤب فاسكت، اسكت، وضع يدك على فمك. لماذا يضحك الشيطان؟ لأن الإنسان مع التثاؤب يعني يكون منظره ليس من المنظر الحسن، منظره ليس من المنظر الحسن، مع كذلك ما يكون فيه من الكسل، فهذا يحبه الشيطان ويعجبه، فيضحك، يضحك على الإنسان في مثل هذه الحال. فأنت ترد وتكظم هذا التثاؤب ما استطعت، تكظم هذا التثاؤب ما استطعت، ولو حصل هذا في الصلاة كذلك، وهو المقصود من ذكر الحديث في هذا الباب، وهو آخر حديث في باب الحث على الخشوع، أنك تكظم وتسد التثاؤب حتى لا يستمر أو يزيد عليك ويكثر، فيكون مما يذهب الخشوع وحضور القلب في الصلاة. وكذلك أيضا أن تضرر الإنسان لما ينفتح فمه، قد تدخل شيء من الحشرات، الذباب إلى فمه، بسبب ذلك، فتقفل، تسكر الفم، والبعوض يدخل إلى الداخل، فتقفل فمك وتس، وتسلم من حصول شيء من ذلك، تسد الباب على الشيطان. وكذلك أيضا تسلم من حصول شيء من الضرر، ودخول الحشرات. طيب هذا آخر باب أو حديث ذكره الإمام ابن حجر رحمه الله في هذا الباب، باب الحث على الخشوع، وبعده إن شاء الله باب المساجد. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.