الدرس في كتاب الصلاة 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المساجد لها منزلة عظيمة في الإسلام حيث يجتمع المسلمون لأداء الصلاة وتعلم العلم. أمر النبي ببناء المساجد وتنظيفها وتطييبها.
النبي حذر من اتخاذ القبور مساجد مثلما فعل اليهود والنصارى، ويجب هدم المساجد المبنية على القبور. الصلاة عند القبور تعتبر من اتخاذها مساجد وهو أمر محرم.
النبي نهى عن الغلو في مدحه واتخاذ القبور مساجد، وجاء ذلك سدا لذريعة الانحراف عن التوحيد وعبادة غير الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، باب المساجد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح إرساله. هذا الباب باب المساجد، والمساجد جمع مسجد، وهو في اللغة اسم لمكان السجود، وشرعا كل موضع في الأرض فإنه مسجد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا﴾ كما في الصحيحين. والمراد بها المواضع التي أعدت للصلاة والعبادة، فإن المساجد في الإسلام لها منزلة عظيمة وشأن كبير، فيجتمع المسلمون في بيوت الله جل وعلا، فيصلون الفرائض التي فرضها الله عز وجل في جماعة، ويتعلم الجاهل من العالم، وينتفع بعضهم من بعض. وهكذا أيضا هي محل نشر العلم وتعليم العلوم الشرعية وإقامة الحلقات والدروس العلمية. ذكر المؤلف رحمه الله في أول هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، يعني الحارات والقرى والأحياء التي يسكنها الناس، قالوا: وأن تنظف وتطيب، تنظف من الأذى والأوساخ والنجاسات، فلا تلقى فيها شيء من النجاسات ولا أشياء من الأوساخ والأذى من أوراق أو تقليم أظفار أو نتف شعر أو نحو ذلك من الأشياء القذرة، ينبغي أن تنزه المساجد عن ذلك لأنها بيوت الله، ينبغي أن يعتنى بها كما يعتني المسلم بيته. قال رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، متفق عليه. وزاد مسلم: والنصارى، يعني في رواية لهما من حديث عائشة: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». فهذه الأحاديث فيها بيان تحريم اتخاذ القبور مساجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قاتل الله اليهود»، معنى لعنهم، واللعن من الله الطرد من رحمته، وأيضا يأتي بمعنى الهلاك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، أي أن اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد، غلوا في أنبياء الله جل وعلا فاتخذوا قبورهم مساجد. واتخاذ القبور مساجد إما ببناء المساجد عليها، وهذا أمر محرم لا يجوز، ولا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، القبر هو الموضع الذي يدفن فيه الموتى، وأما المسجد فهو الموضع الذي يتعبد الله جل وعلا فيه، فإذا بني المسجد على القبر يجب هدم المسجد، وإذا أدخل القبر في المسجد يجب نبش القبر وإخراجه ودفنه في مقابر المسلمين. وأيضا من اتخاذ القبور مساجد الصلاة عندها والتعبد لله جل وعلا عندها، فإن ذلك من اتخاذها مساجد، فكل هذا لا يجوز. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بفعل اليهود هؤلاء أنهم اتخذوا قبور الأنبياء مساجد، هو يحذر من ذلك عليه الصلاة والسلام. وفي حديث عائشة لما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، «كان يضع قميص على وجهه فإذا اغتم كشفه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت: «يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، لكن خشي أن يتخذ مسجدا». فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود والنصارى من اتخاذ القبور مساجد، وهؤلاء شرار الخلق كما أخبر عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «أولئك شرار الخلق عند الله»، شرار الخلق الذين يغلون في أنبياء الله أو في الصالحين ويتخذون قبورهم مساجد ويعظمون قبور الصالحين بعبادة عندها وفعل الطاعات. عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». هكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن تقع في مثل هذا الأمر، وحصل ما خاف منه النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أنه وجد في هذه الأمة من يتخذ القبور مساجد، يعظم قبور الأموات والصالحين والأولياء كما يزعمون، فيفعلون العبادة عندها ويذبحون لها وينذرون لها، بل منهم من يصلي إليها كما يفعل الروافض، وهكذا أيضا قد يفعل ذلك أولياء المتصوفة. فإذا قال قائل: وهذا قد يقوله بعض المبتدعة إذا عورضوا ونهوا عما يفعلون من تعظيم الأولياء والصالحين واتخاذ القبور مساجد، قالوا: هذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد. فيقال لهم: النبي صلى الله عليه وسلم ما دفن في المسجد، وإنما دفن في حجرة عائشة، والحجرة كانت خارج المسجد، فلما وسع المسجد في أيام الوليد بن عبد الملك في سنة ست وثمانين من الهجرة وأدخلت الحجرة في المسجد، ومع ذلك فالصحابة رضي الله عنهم والتابعون في ذلك الزمن بنوا جدارا طويلا بحيث أنه لا يستطيع أحد أن يستقبل الحجرة عند صلاته، ثم بني جداران من الجهة اليمنى واليسرى حتى صار الحجرة مثلثة، فلا يستطيع أحد أن يستقبل قبر النبي عليه الصلاة والسلام، كل ذلك سدا لذريعة الغلو والشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.