الدرس في القرآن تدبر وعظات 8، وسائل تدبر القرآن الكريم (1/4) ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع كيف كان الصحابة يتلقون القرآن بالإيمان ثم بالعمل، متوقفين عند عشر آيات حتى يفقهوا معانيها ويطبقوها. هذا المنهج أورثهم علماً راسخاً وإيماناً عميقاً.
يؤكد المقطع أن ترتيل القرآن وتحسين الصوت بالتجويد من أهم وسائل التدبر، مستنداً إلى آيات وأحاديث وأقوال العلماء. الترتيل يورث الخشوع ويؤثر في القلوب حتى لغير الناطقين بالعربية.
يختتم الشيخ الحلقة بالحمد لله والدعاء لحلقة قادمة، موضحاً عنوان السلسلة: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته. تُنسب الدروس للشيخ أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر.
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات الشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد، أيها المستمعون والمستمعات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذه الحلقة سنتكلم بمشيئة الله تعالى عن وسائل تدبر القرآن الكريم. فاعلم أخي المسلم وأختي المسلمة أن هناك وسائل تفصيلية ذكرها العلماء لمن رام تدبر كلام الله عز وجل، يجمعها قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، تجمع هذه الوسائل هذه الآية الكريمة. وأما الوسائل التفصيلية سنذكرها واحداً بعد الآخر. فالوسيلة الأولى: تلقي القرآن كما تلقاه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين. فقد روى الإمام مالك عن عبد الله بن عمر أنه مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. انظروا يا عباد الله، ثماني سنين يتعلم سورة البقرة. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، كما ذكره ابن جرير في تفسيره. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتعلمون عشر آيات، فإذا تعلموها عملوا بها، فبهذا يتعلمون العلم والإيمان مع القرآن. قال ابن القيم رحمه الله متحدثاً عن الصحابة: كانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، وكانوا يأخذون المعاني أولاً ثم يأخذون الألفاظ لضبط المعاني حتى لا تشذ عنهم. قال جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله من مختصر الصواعق. وحديث جندب رواه ابن ماجه في سننه أنه رضي الله عنه وأرضاه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فازددنا به إيماناً، وصححه العلامة الألباني. وأما رواية ابن عمر التي ذكرها ابن القيم فرواها الحاكم بنحوها، حيث قال أي ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن، وصححه الحاكم. فإذا من هذا الحديث نستنتج أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا لا يكثرون من حفظ القرآن، بل كانوا أولاً يتعلمون العلم، يعني لا يجاوزون العشر آيات، فإذا حفظوها وعلموا ما فيها وعملوا بها أخذوا غيرها من الآيات. لا كحال كثير من الناس اليوم، ربما يحفظ القرآن كاملاً ولكنه لا يفقه شيئاً من معانيه. فالوسيلة الثانية يا عباد الله لكي نتدبر كلام الله عز وجل هي ترتيل القرآن وتحسين الصوت بتلاوته وتجويده. فمما يعين على تدبر القرآن أننا نرتل ونحسن الصوت بتلاوته وكذلك تجويده. قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال ابن عاشور: "ترتيلاً" مصدر منصوب على المفعول المطلق قصد به ما في التنكير من معنى التعظيم، فصار المصدر مبيناً لنوع الترتيل. انتهى كلام ابن عاشور. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن كما أمره ربه. قال قتادة: سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم. رواه البخاري. وعن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. رواه مسلم، أي ربما تكون السورة الصغيرة القصيرة أطول من ماذا بالترتيل؟ من السورة التي أطول منها. قال النووي: قال العلماء والترتيل مستحب للتدبر ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيراً في القلب، ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه، لأن الأعجمي إذا سمع القرآن مرتلا فإنه سيتأثر به وإن كان لا يفهم معنى القرآن، لكن القرآن يدخل في القلوب، فكيف لو كان مرتلا؟ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحسين الصوت عند قراءة القرآن لأن ذلك أدعى إلى الإقبال والخشوع، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». رواه البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن». متفق عليه. قال ابن كثير رحمه الله: ومعناه أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك. انتهى كلام ابن كثير. وحينما استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى الأشعري أثنى على قراءته وقال له: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود». متفق عليه. وعند البيهقي أن أبا موسى قال: لو علمت لحبرته لك تحبيراً. قال ابن كثير رحمه الله: فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، أي أنه يتكلف في ذلك أن يحسن صوته بالقرآن حتى يبدو كأنه خاشع لكي يتأثر من يستمع إليه. وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: في هذا دليل على أن الإنسان لو حسن صوته بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به فإن ذلك لا بأس به ولا يعد من الرياء. انتهى من شرح رياض الصالحين. وقال ابن كثير رحمه الله: والغرض أن المطلوب شرعاً إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة. فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. انتهى من فضائل القرآن. إذن يا عباد الله، من وسائل التدبر هو تحسين الصوت بتلاوة القرآن وتجويده وكذلك مع الترتيل. أما الوسيلة الثالثة فهي الإكثار من تلاوة القرآن. إذا أردنا التدبر فنكثر من تلاوة القرآن العظيم. فهذه الوسيلة أن يجعل المسلم القرآن أنيسه وجليساً ويتخذه رفيقاً لا يمل من كثرة قراءته وترداده، بل كلما ردد تلذذ. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: وإن كتاب الله أوثق شافع وأعنى غناء واهبا متفضلا وخير جليس لا يمل حديثه وترداده يزداد فيه تجملا. قال ثابت البناني: عكفت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة. ومدح الله سبحانه وتعالى التالين لكتابه المكثرين من قراءته فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله: هذه آية القراء. رواه ابن أبي شيبة. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». متفق عليه. ومن وجد في نفسه سآمة ومللاً عند تلاوة القرآن فليتفقد قلبه وليحاسب نفسه. وقد قال بعض السلف رحمه الله: اطلب قلبك في ثلاث مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة. فإن لم تجده في هذه المواطن فاسأل الله أن يمن عليك بقلب، فإنه لا قلب لك. فهذه يا عباد الله الوسيلة الثالثة: الإكثار من تلاوة القرآن. جعلني الله وإياكم من التالين لكتابه المكثرين منه المرتلين له المحسنين بالصوت بتلاوته، ونفعني الله وإياكم بآيات الذكر الحكيم. والحمد لله رب العالمين، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات المدرس بدار الحديث بالشحر