الدرس في القرآن تدبر وعظات 11، وسائل تدبر القرآن الكريم (4/4) ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول هذا المحور الوسيلة الثانية عشرة من وسائل تدبر القرآن الكريم وهي الاستعانة بالسنة النبوية الشريفة لتفسير آيات الكتاب العزيز. ويستشهد المحاضر بأقوال العلماء كابن تيمية والسيوطي والشافعي مع توضيح ذلك بمثال تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ بأنها الشرك.
يستعرض المحور وسائل متعددة تعين على تدبر القرآن منها الرجوع إلى كتب التفاسير الموثوقة اقتداءً بالسلف الصالح كابن مسعود وابن عباس. كما يؤكد على أهمية التدرج في التدبر بالبدء بسور المفصل لسهولة حفظها وفهمها كما أرشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
يبين هذا المحور أن ترك الذنوب والمعاصي وسيلة أساسية لتدبر القرآن لأنها تزيل الران عن القلب مستشهداً بقول الشافعي وابن القيم. ويؤكد على اللجوء إلى الله بالدعاء بأسمائه الحسنى والتقوى ومعرفة أسباب النزول ليكتمل بذلك ذكر عشرون وسيلة للتدبر.
يقدم هذا المحور مقدمة لكتاب أنزلناه إليك مبارك الذي يركز على تدبر آيات القرآن واستخلاص العظات منه. يهدف العمل الذي ألفه الشيخ أبو عبد الرحمن عبد الحافظ العامري إلى تذكير أولي الألباب بمقاصد القرآن وتحفيزهم على التدبر العميق.
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب. القرآن تدبر وعظات. للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري، المدرس بدار الحديث بالشحر. القرآن تدبر وعظات. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم "القرآن تدبر وعظات". وفي هذه الحلقة، بمشيئة الله تعالى، نستكمل وسائل تدبر القرآن العظيم. وهنا في هذا الدرس، إن شاء الله تعالى، سنذكر خمسة وسائل ونختم بها وسائل تدبر القرآن العظيم. الوسيلة الثانية عشرة: الاستعانة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه للقرآن. إذا أردت يا عبد الله أن تعلم وتفهم وتتدبر كلام الله عز وجل، فعليك الاستعانة بكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن السنة جاءت مفسرة للقرآن العظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه". وبيان ذلك، عباد الله، في هذه الآية الكريمة لما نزلت، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم». وهذا الحديث متفق عليه عن ابن مسعود. قال الإمام السيوطي رحمه الله: "قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر". إلى أن قال: "فإن أعياه ذلك طلبه من السنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له". وقد قال الشافعي رضي الله عنه: "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن". قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾، لتحكم بين الناس بما أراك الله. وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنة. انتهى كلام الإمام السيوطي رحمه الله. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن أحسن ما يفتح لك، أو ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة، حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد ثبت بهذا النص أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده"، أي كما في هذا الحديث، حديث أبي هريرة عند مسلم. إذن نعلم يا عباد الله أن الاستعانة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وتفسيره وبيانه للقرآن فيها تدبر للقرآن، فإذا استعنت بذلك فهمت معنى الآية. الوسيلة الثالثة عشرة: هي الرجوع إلى كتب التفاسير. أيضاً مما يعين على فهم كتاب الله وتدبره أن يرجع المسلم إلى كتب التفاسير. قال القرطبي: "وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو. فما أقبح بحامل القرآن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟ وما أقبح أن يسأل عن فقه ما يتلو ولا يدريه؟ فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً". انتهى كلام القرطبي من التفسير. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه". متفق عليه. فانظر، ابن مسعود طلب ماذا؟ طلب فهم القرآن. إذا علم أن هناك شخصاً أعلم منه بما أوتي من القرآن، رضي الله عنه أرضاه، لا يألو أن يذهب إليه ويستفيد منه. قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه وأسأله عنها". رواه ابن جرير. أثر مجاهد هذا أنه عرض المصحف على ابن عباس كم مرة؟ ثلاث مرات، لأجل أن يفهم القرآن. وما أدراك ما ابن عباس؟ حبر القرآن، حبر الأمة، وترجمان القرآن. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني". يعني يردد ذلك إذا لم يفهم الآية، ويطالع في كتب التفاسير، تفاسير السلف. وشيخ الإسلام حافظ كبير وهو يحفظ كذلك، يطالع بالآية ويتأمل فيها: ماذا قال فيها العلماء؟ أما الوسيلة الرابعة عشرة: فهي التدرج في التدبر. من أراد أن يتدبر فعليه أن يتدرج، مما يعين على ذلك أن يأخذ القرآن بطريق التدرج، فيبدأ بالمفصل، كما قال عمر رضي الله عنه: «إن كان أحد منكم متعلماً فليتعلم من المفصل فإنه أيسر». رواه عبد الرزاق. وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه فقال: "باب تعليم الصبيان القرآن". انظر الصبيان إذا تعلموا القرآن من بدء نشئهم. ثم أورث أثر سعيد بن جبير قال: "إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم". وقال: وقال ابن عباس: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم". ومراد ابن عباس بذلك أنه قرأ المفصل، قرأ المحكم لأن آياته محكمة، آيات المفصل. وقال ابن مسعود: «إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن المفصل». رواه الدارمي. المفصل المراد ما جاء من سورة قاف إلى آخر القرآن، أي إلى سورة الناس، هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهناك أقوال أخرى. نعم يا عباد الله، هذه الوسيلة مهمة، وهي أنه يبدأ بالتدرج في فهم القرآن، فيبدأ بالمفصل لأهميته. أما الوسيلة الخامسة عشرة: فهي التخلي عن موانع الفهم من الذنوب والمعاصي. وهذه وسيلة مهمة للتدبر، يا عباد الله، أن يترك الذنوب والمعاصي حتى يعينه الله على الفهم. فمما يعين على ذلك أنه يتخلى عن هذه الذنوب والمعاصي لأنها حجاب في القلب تحجبه عن فهم القرآن، وهو الران الذي ذكره الله عز وجل في القرآن. وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سقل قلبه، فإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». قال العلماء: الذنوب ترين على القلوب حتى تمنعها فهم القرآن. وقد نسب للإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: "شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاصي". قال الإمام ابن القيم رحمه الله معدداً آثار الذنوب والمعاصي: "ومنها حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور". انتهى من "الداء والدواء". إذن هذه وسيلة مهمة، وهي أن يمتنع ويبتعد عن الذنوب والمعاصي ما استطاع. والوسيلة الأخيرة من وسائل التدبر: هي اللجوء إلى الله تعالى وكثرة الدعاء لتحقيق ذلك. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، قال: إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً». فقال: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». رواه أحمد وصححه الألباني. هذه الوسيلة هي اللجوء إلى الله، وأن يكثر من الدعاء أن يعلمه الله عز وجل القرآن وفهم القرآن، كما في هذا الحديث، حديث ابن مسعود، يسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى. هناك وسائل أخرى أيضاً ذكرت في هذا الباب: منها تحقيق التقوى، ومنها معرفة أسباب النزول، ومنها معرفة علم الوقف والابتداء، ومنها قراءة القرآن بفرح وسرور واستبشار. هذه أربع وسائل أخرى، فإذا أضيفت إلى ما تقدم صارت الوسائل عشرون وسيلة. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا والحمد لله رب العالمين، وإلى حلقة قادمة بمشيئة الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب. القرآن تدبر وعظات. للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري، المدرس بدار الحديث بالشحر. القرآن تدبر وعظات. موسيقى. موسيقى.