الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتضمن شرح أبيات من قصيدة إمام بن القيم حول الابتعاد عن الدنيا والاستعداد للآخرة ومعاني الذل والخضوع لله. يتناول الشرح معاني بعض الأبيات الشعرية وتفسيرها.
يشرح المقطع أبياتا شعرية حول الرضا بقضاء الله والابتعاد عن الدنيا، ويبين أهمية الانتساب لله بالعبودية وتشريف النبي بهذا الوصف في القرآن الكريم.
يتناول المقطع دعاء النبي وطلب الرحمة والمغفرة من الله، ويبين احتياجه إلى رحمة الله ومغفرته رغم طاعته وعبادته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام بن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة على حذر منها وأمري مبرم. قال إمام بن عثيمين رحمه الله: قوله "مبرم" وفي نسخة "محكم". قال: وهذا عكس ما نحن فيه الآن، فنحن الآن ما نبيت ولا ربع ليلة على حذر منها، بل نحن دائما على أمن وطمأنينة إليها -يعني الدنيا- وكذلك أيضا الاستعداد للآخرة، وهذا هو حال الكثير إلا من رحم الله، فإنه يبيت وهو آمن من الافتتان بالدنيا والركون إليها والاغترار بها. قال رحمه الله: هل أرد ماء الحياة وأرتوي على ضمأ من حوضه وهو مفعم. قال: قوله "ماء الحياة" هو بلا شك شريعة الله عز وجل، يعني أن من إبرامه لأمره أن يرتوي من حكم الشريعة، وهو قوله "أمري مبرم". ثم قالوا: هل أرد ماء الحياة وأرتوي على ضمأ من حوضه وهو مفعم. ومعنى "مفعم" أي ممتلئ. ثم قالوا: هل تبدو أن أعلامها بعدما سفت على ربعها تلك السوافي فتلك السوافي فتعلم. ومعنى "سفت" يعني ذرت، سفت الريح التراب تسفيه سفيا أي ذرته، وقول "على ربعها" يعني الدار أو الدار بعينها، تلك السوافي أي الرياح التي تسفي التراب. قال الشمع الثيمين رحمه الله: قوله "هل للتمني" وقوله "أعلامها" أي علامتها. وقال رحمه الله: فهل أفريشا خدي ثرى عتباتهم خضوعا لهم كيما يرق ويرحموا. قال رحمه الله: قوله "خضوعا" أي ذلا، والمراد بالذل هنا عبادة الله عز وجل، لأن أصل العبادة هو الذل والمحبة، كما قال ابن القيم رحمه الله: "عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابديه"، فالعبادة هي غاية الذل مع غاية المحبة. فقال: والمراد بالذل هنا عبادة الله عز وجل، ومن تواضع لله عز وجل كان أقرب الناس إلى رحمة الله. ثم قال رحمه الله: وهل أرمي النفسي طريحا ببابهم وطير مناي الحب فوقي تحوم. يعني رحمه الله أن هذا لتمني أن يصل إلى هذه الحال، يعني أن يصل غاية في الذل والخضوع والتعبد لله سبحانه وتعالى. ثم قال: فيأسف تفنى الحياة وتنقضي وذا العتب باق ما بقيتم وعشتم. قال رحمه الله: يتأسف رحمه الله هنا أن الحياة تفنى وتنقضي، وما زالوا يعتبون عليه أن يلومونه فيما يفعل، أي المعنى يلومونه فيما يفعل من نصحه للمسيئين وعتبه عليهم وإنكاره عليهم ونصحهم بعدم الاغترار بالدنيا والركون إليها والتعلق بها، والحث على التعلق بالآخرة والاستعداد لها. هذا معنى وقد يكون المعنى كذلك أن الأيام تنقضي والمسيئون لا يعتبرون ولا يتعظون بمرور الأيام والليالي وانقضاء هذه الحياة وانتهائها، وهم مستمرون على حالهم من الغفلة والبعد عن طاعة الله جل وعلا والاستعداد للآخرة. ثم قال رحمه الله: فما منكم بد ولا عنكم غنى وما لي من صبر فأسلو عنكم ومن شاء فليغصب سواكم فلا أذى إذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم وعقب اصطبار في هواكم حميدة ولكنها عنكم عقاب ومأثم. قال رحمه الله: قوله "عقب اصطبار في هواكم حميدة" أي أنني إذا صبرت وتصبرت في هواكم ومحبتكم والميل إليكم فإني أرى ذا حميدا، وقوله "ولكنها عنكم عقاب ومأثم" أي أنني لو صبرت عنكم لكنت آثما، وهو يعني يصف بهذا حاله، يصف حاله في صبره على عبادة الله جل وعلا وطاعته وتذل لله سبحانه وتعالى بالصبر على العبادة والطاعة والإقبال على فعل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، ويرى أن هذا حال حميد أن يصل مثل هذه الحال من الذل والعبادة والخضوع لله سبحانه وتعالى والميل إلى طاعة الله والبعد عن معصية الله جل وعلا والاستعداد للآخرة وترك زهرة الحياة الدنيا. ثم قال رحمه الله: وما أنا بالشاك لما ترتضونه ولكنني أرضى به وأسلم. يعني رحمه الله أنكم إذا أوقعتم بي شيئا رضيتموه لي، فإنني لا أشكو ولكن أرضى وأسلم، وهكذا المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره ولا يشكو لأحد. ثم قال رحمه الله: وحسب انتسابي من بعيد إليكم ألا إنه حظ عظيم مفخم. قال رحمه الله: يعني أن الإنسان إذا نسب إلى ربه وقيل فلان عبد الله، فهذا أفضل له، يعني أن ينتسب بالعبودية لله سبحانه وتعالى، وهو يفتخر بذلك، وحسب انتسابي من بعيد إليكم، أي أن يقال أنه عبد لله جل وعلا، ألا إنه حظ عظيم مفخم، يعني حظ عظيم أن يوصف العبد بالعبودية لله جل وعلا، فكأنه يقول ما دمت عبدا لله جل وعلا وإن كنت بعيدا فأنا أفتخر بذلك. ولهذا لما أراد الله عز وجل تشريف نبيه عليه الصلاة والسلام وصفه بالعبودية في أعظم المواضع، وفي أعظم الأحوال، ففي باب النبوة وتحدي الكفار ذكره وصفه بالعبودية: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبࣲ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾، وهكذا أيضا لما ذكر الله عز وجل إسراء نبيه عليه الصلاة والسلام ذكره وصفه بالعبودية: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا﴾، وهكذا أيضا في مقام إنزال الكتاب والقرآن: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ﴾، ففي هذه المواضع وفي غيرها وصف الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بوصف العبودية تشريفا وتكريما وكذلك تعظيما. قال رحمه الله: ولهذا قال المغرم عن معشوقته "لا تدعني إلا بيا عبدها"، فإنه أشرف أسمائي، يعني عبدي، أو هذا اللفظ فيه العبودية، وإن كان هذا طبعا لا يجوز ومحرم، لكنه يريد يعني أن يبين أن الانتساب بالعبودية لله جل وعلا من أعظم ما ينتسب به العبد إلى ربه، ولا يجوز مثل ذلك لغير الله جل وعلا. قال رحمه الله: إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشرا وجهه يتبسم وها هو قد أبدى الضراعة سائلا لكم بلسان الحال والقال معلم. قال: يعني رحمه الله أنه إذا قيل إن هذا عبد لله تهلل وجهه وتبسم، وقوله "الضراعة" هي شدة الطلب والالتجاه، يقال فلان يتضرع لله، يعني يسأله وينكسر بين يديه ويتذلل بين يدي الله جل وعلا ويلتج إليه، وقوله "بلسان الحال" هو ما يعبر عنه الفعل، يقال هذا فعل الإنسان يدل على بلسان الحال على كذا وكذا، قال: وقوله "والقال معلم" أي ما يعبر عنه اللسان، يقال هذا بلسان المقال، هذا بلسان المقال ما يعبر عنه بالنطق، وما يعبر عنه بالفعل يسمى بلسان الحال، ويريد بهذا أن هذا الانتساب -أي انتساب العبودية لله جل وعلا- تحقيقه بسؤال الله جل وعلا، وكذلك أيضا بالفعل، بالقيام بطاعة الله وعبادته، بفعل الفرائض واجتناب النواهي. ثم قال رحمه الله: أحبته عطفا عليه فإنه لمضمن والمورد العذب أنتم أحبته عطفا عليه فإنه لمضمن والمورد العذب أنتم. يعني يا أحبته اعطفوا عطفا عليه، فإنه في ضمأ، والمورد العذب أنتم، فهو يحتاج إلى الرحمة والشفقة والمغفرة، فيطلب ذلك من الله جل وعلا، وهو يتضرع إليه ويلتج إليه ويسأله، ويقوم بفعل ما أمر، ويجتنب ما نهى، حتى ينال بذلك رحمة الله جل وعلا والمغفرة والتجاوز عما حصل منه. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.