الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث عن تحذير ابن القيم من التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة، ويشرح كيف أن حب الدنيا يصيب الإنسان بالنشوة ثم بالهلاك.
يشرح كيف أن الدنيا لا قيمة لها عند الله مستدلًا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويشير إلى أن الكفار يتنعمون في الدنيا لأنها لا قيمة لها.
يشرح ضآلة الدنيا مقارنة بالآخرة مستشهدا بحديث رواه مسلم، ويوضح غنى الله تعالى بحديث قدسي يبين عدم تأثر ملكه بإعطاء المخلوقات ما يشتهون.
يتضمن ختامًا بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر التأكيد على أهمية النبي في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله، بقصيدته الميمية، وهو يتحدث عن تعلق الإنسان بالدنيا والغفلة عن الآخرة: «سقتهم كؤوس الحب حتى إذا نشوا سقتهم كؤوس السم والقوم نوم». والنشوة هي أول السكر، إذا سكر الإنسان شرابه مسكرًا، فأول ما يشعر بالسكر سمي نشوة، فهو يشبه من تعلق بالدنيا وأحبها حتى صار حاله كحال من سكره بشرب المسكر وأصابته النشوة، ثم بعد ذلك وقع في حب الدنيا والتعلق بها، وسقي السم بعد ذلك حتى يصيبه الهلاك. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: يعني أن الدنيا تغريهم وتغرهم، وإذا بها تخدعهم وتمكر بهم، يعني هكذا كحال السكران الذي أول ما يشرب السكر يشعر بالنشوة وطرب، فإذا زاد زال عقله حتى صار كالمجنون الذي لا يعقل ما يتكلم به وما يفعله. قال رحمه الله: «وأعجب ما في العبد رؤية هذه العظائم والمغمور فيها متيم، وما ذاك إلا أن خمرة حبها لتسلب عقل المرء منه وتسلمه قوله». وتسلمه أي تقطع، صلم الشيء صلما قطعه. وقوله: «والمغمور فيها» يعني المنهالك في الباطل. قال رحمه الله: «وأعجب من ذا أن أحبابها الأولى تهين وللأعدى تراعي وتكرمه». قال رحمه الله: هذا هو المشكل، فأحيانًا يكون المتيم بها والمحب لها من أقل الناس حظًا فيها، فتجده لا ينام الليل من طلب الحياة الدنيا، وتجده دائمًا شاردًا في فكره وعقله وقوله وفعله، فلا ينام ولا يستريح، ومع ذلك كله هو من أقل الناس حظًا فيها، يعني ما نال من الدنيا ما يريد ويطلب ويرغب ويسعى ويجتهد من نيل حطام الدنيا، مع بذله وآخر جهده في العمل في هذه الحياة الدنيا ونيل حطامها والرغبة فيها والتعلق بها، ومع ذلك ليس عنده منها إلا الشيء القليل، وليس له من حظها إلا الشيء اليسير. قالوا: هذا شيء مشاهد ومجرب، إذن فكيف تجعل هذه الحياة الدنيا أكبر همك ومبلغ علمك، وأنت فيها من أشقى الناس؟ فإن هذا من العجب. هكذا تعجب الإمام ابن القيم رحمه الله كيف أن حال إنسان على مثل هذا الحال من التعلق بها والانهماك فيها، وهو يعني من أقل الناس حظًا من نيل حطامها. قال رحمه الله: «وذلك برهان على أن قدرها جناح بعوض أو أدق وألأم، وحسبك ما قال الرسول ممثلًا لها ولدار الخلد: والحق يفهم كما يدري الإنسان في اليم إصبعًا وينزعها منه، فما ذاك يغنم». فهو يشير رحمه الله إلى حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء». والحديث رواه الإمام الترمذي، وهو حديث صحيح. يعني لو كانت الدنيا عندها منزلة عند الله، لو كانت الدنيا لها منزلة عند الله، لما سقى منها الكافر شربة ماء، لكن لما كانت الدنيا لا قيمة لها عند الله ولا منزلة لها، كان الكافر يتنعم فيها، الدنيا جنة الكافر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن»، تجد الغالب أن الكفار يتنعمون في هذه الدنيا، عندهم الأموال وعندهم الدور والقصور وأحسن المراكب وإلى آخر ذلك، لأن الدنيا جنتهم، ولأن الدنيا لا قيمة لها عند الله، فهم يعني يتنعمون فيها ويفعلون فيها ما شاءوا. فلو كانت لها قيمة ومنزلة لم يسق منها الكافر شربة ماء، لكن لما كانت لا قيمة لها كما سمعنا، تنعم فيها الكافر وكانت جنتة. وهكذا أيضًا أشار إلى ذلك في قوله: «كما يذل الإنسان في اليم إصبعًا وينزعها منه، فما ذاك يغنم». يعني ما قال الرسول مثلًا بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع». الحديث رواه مسلم من حديث المستورد بن شداد رضي الله تعالى عنه. إذا وضع الإنسان إصبعه في الماء، ماذا يأخذ من الماء؟ لا شيء. وهكذا الدنيا، يعني ما حال الدنيا هذه في الآخرة؟ أنها لا شيء، لا تساوي شيء في الآخرة، مهما ملك الإنسان فيها، ما ملك من متاع الدنيا فإنه لا يساوي شيء عند الله جل وعلا في الآخرة. قال رحمه الله: يعني أن مثل الحياة الدنيا في الآخرة كرجل جعل إصبعه في اليم ثم نزعه، فهل يرجع من ذلك بشيء؟ الجواب: أنه لا يرجع بشيء، بل إنه إذا وضع إصبعه في البحر ثم أخرجه لم ينقص بذلك البحر. وهذا كقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، وسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر». والحديث في صحيح الإمام مسلم. وهذا دليل على عظم غنى الله جل وعلا، لو أن الله عز وجل أعطى كل إنسان مسألته، الأول والآخر من الإنس والجن، أولكم وآخركم من لدن آدم إلى أن يرفع الله جل وعلا الأرض ومن عليها جميعًا، جميع هذه المخلوقات إنسها وجنها، إذا قاموا في صعيد واحد وسألوا الله ما أرادوا وما اشتهت أنفسهم، وأعطى الله جل وعلا كل سائل ما أراد، ما نقص ذلك مما عند الله إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر، ماذا يأخذ المخيط إذا وضعته في البحر وأخرجته؟ ماذا يأخذ من البحر؟ لا شيء. وهكذا لا ينقص ذلك مما عند الله سبحانه وتعالى شيئًا. قال رحمه الله: وهذا من باب تأكيد الشيء بما يشبه النفي. ثم انتقل الإمام ابن القيم رحمه الله بعد ذلك إلى ذكر شيء من الأمنيات. نترك ذلك إن شاء الله في مجلس قادم، إذن الله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.