الدرس في آداب السلام 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرع إلقاء السلام على الصغار في بعض المواضع وعلى العامة لتحقيق التعارف ونشر السلام. يُعد إلقاء السلام من آداب الإسلام وسببًا للتواضع.
يُعد إلقاء السلام على الجميع من آداب الإسلام ويُعتبر سببًا للتواضع وإخلاص العمل لله. كما أنه من وسائل تحقيق التعارف ونشر السلام بين الناس.
يستحب إلقاء السلام عند دخول البيوت حتى لو كانت فارغة، ويمكن قول السلام عليكم أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لتحقيق البركة والسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في كتاب الآداب، وفي المبحث الأول، وهو المبحث الذي يتعلق بآداب إلقاء السلام. ومر معنا أن من آداب إلقاء السلام مراعاة الترتيب والأولوية التي أوضحتها السنة، فالراكب هو الذي يسلم على القاعد، والماشي يسلم على الجالس، والقليل يسلم على الكثير، والصغير يسلم على الكبير، فهذه أولويات جاء ذكرها بالسنة. وقد مر معنا في درس أمس، وبذكر ما يتفرع عنها من مسائل. وأيضًا كذلك مما يشرع إلقاء السلام عليهم، يشرع أيضًا أنك تسلم على الصغار. قلنا أن الأصل أن الصغير يسلم على الكبير، لكن أحيانًا تجد نفسك أيها الكبير في مقام أنت الذي ينبغي أن تبدأ بالسلام، كأن تمر على غلمان صغار، فأنت مار وهم جلوس، أنت قليل وهم كثير، فحينها يشرع في حقك أنك تبدأ الصغار بالسلام. واستدلوا لذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: مر نبينا عليه الصلاة والسلام على غلمان فسلم عليهم. فهذا من هديه عليه الصلاة والسلام. وقال علماء في ذلك فوائد عظيمة. ومن تلكم الفوائد أن الإنسان يعرف حق نفسه وحظ نفسه، فلا يتكبر على عباد الله ولو كانوا صغارًا، فهذا هو هضم للنفس. وكذلك فيه فائدة أخرى، وهو التعويد وتعليم الصغار لآداب السلام، فإن الصغير إذا رأى مثل هذا الخلق وهذا الأدب يتعلم ويغتدي بمن هو أكبر منه فيسلم على غيره. فهذه هي المصالح العظيمة التي تكون من وراء مشروعية السلام على الصغار. وأيضًا مما يشرع في باب السلام، على إلقائه سلام العامة، ونعني بالعامة أنك تسلم على جميع الخلق، سواء كنت تعرفهم أو لم تكن تعرفهم، فالكل ينبغي أن تسلم عليهم. فقد ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال عليه الصلاة والسلام: تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. فهذا هو إفشاء السلام الذي يريده ربنا جل وعلا أن يكون بين أهل الإسلام، أنك تنشره ليس فقط لخواصك ولأصحابك، بل لمن هم أعم من ذلك، كل مسلم ينبغي أنك تنشر له السلام، فتسلم عليه عرفته أو لم تعرفه. وللأسف أن نجد أن هذا الخلق وهذا الأدب قد اندثر، فأصبح الناس إذا أراد أن يسلم قبل أن يسلم ينظر في الذي أمامه أو ينظر في هؤلاء الملأ، إن كان يعرفهم سلم وإن لم يعرفهم صرف عنهم، ليس هذا من آداب الإسلام. وقد جعل نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الظاهرة من أمارات الساعة، جعلها من أمارات الساعة. فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة»، أي ما تعطى التحية إلا لمن أعرف، فمن لا أعرفهم فلا أسلم عليه. إذا ظهرت هذه دلالة على قرب قيام الساعة. وهذا يدلك على أن من الأخلاق الذميمة ومن الصفات الرذيلة التي لا ينبغي أن يتخلق بها المسلمون. وجاء في رواية قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة»، أنك تخص بالسلام لأناس دون أناس. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أن هذا الأدب وهو أنك تلقي السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف له فوائد عظيمة. فمن هذه الفوائد قال العلماء: أن في ذلك إخلاص العمل لله، إخلاص أنت لربما تسلم على بعض الناس تعرفهم لمصلحة، لكن حينما تسلم على شخص أنت ما تعرفه ماذا يدل؟ يدل على أنك أخلصت الأمر لله جل وعلا. وفيه كذلك استعمال التواضع، أنك تتواضع، وهذا الذي جعل الكثير من الناس من يعرض عن السلام لمن لا يعرفه. نقول ليش أتواضع؟ ليش أتنازل له؟ من هذا الرجل غريب ما أعرف، لماذا أنا أتنازل لمرتبته الله أعلم به وبنسبه، فيستحقرهم فيدبر عنه. لكن الإنسان إذا كان يلقي السلام على من عرفه وعلى من لم يعرف دل ذلك على تواضعه وعلى حسن سريرته. وفيه كذلك إفشاء للسلام وهو إشهار لشعير من أعظم شعائر الإسلام. وفيه كذلك الاستئناس أن يأنس المسلمون بعضهم ببعض. ثالثًا ممن يشرع في حقهم أو ممن يشرع في حقك أن تلقي السلام عليهم، أن تسلم على أهل بيتك متى ما دخلت إلى بيتك، فليكن أول ما تستفتح به عند دخولك إلى بيتك وإلى منزلك أنك تلقي السلام على من هم في الداخل. وقد بين ذلك نبينا، بل وذكر فضيلة هذا الفعل وما يترتب عليه من غنيمة. فقد قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت ذلك عند الترمذي من حديث أنس بن مالك وصححه شيخ الألباني رحمه الله تعالى: «يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك». فأحرص عبد الله كأن تخرج من المسجد وأردت أن تدخل إلى بيتك، السلام عليكم، سلم ما في شيء، أهلك على أمك على أبيك على إخوانك على أولادك، سلم على من في البيت. وجاء كذلك من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة كلهم ضامن على الله، فاعل...» لكن المقصود هنا على معنى المفعول، «من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله». فهل هذا فقط خاص بأهل بيتك؟ الجواب لا، بل وكذلك تسلم على كل أهل بيت، فإن دخلت مثلًا على بيت والدك سلم، دخلت مثلًا على بيت أختك زيارة في العيد أو في رمضان سلم، دخلت على ديوان سلم، دخلت على غرفة ضيوف سلم، دخلت بيت أيًا كان سلم على أهله. ويدل هذا العموم ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام من حديث قتادة: «إذا دخلتم بيتًا فسلموا على أهله»، فإذا خرجتم فأودعوا أهله بالسلام، أي عند الدخول وعند الخروج، كلما دخلت بيتًا سلم على أهله على أهل هذا البيت كائنًا من كان. وبهذا تعلم إخواني في الله أن من السنن في دخول البيوت أنك تسلم على أهله سواء كان على أهلك أو على أهل غيرك. أخيرًا إخواني في الله، ونختم بهذا المقام بهذه المسألة، وهي مما يتفرع مما ذكر، إن دخلت بيتًا لكنك لم تجد أحدًا هل تسلم أم لا؟ ذهب جماعة من العلماء إلى استحباب إلقاء السلام في المكان وإن لم يكن يوجد فيه أحد. واستدلوا أولًا بعموم قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ بيوتًا نكرة، والنكرة هنا في سياق الشرط فهي تفيد العموم. قال ربنا: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، طبعًا هنا الأنفس على قولين عند العلماء، ما معنى الأنفس هنا؟ منهم من حمل على ظاهرها أنك تسلم على نفسك إذا دخلت بيتًا تسلم. والأدلة الثاني بعد الآية ما كان عليه فعل الصحابة، فقد أثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا دخل بيتًا ولم يجد فيه أحدًا سلم. وثبت ذلك عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه إذا دخل بيتًا سلم وإن لم يكن فيه أحدًا. فالصحيح في هذا الباب أنك إن دخلت بيتًا في بيتك ما في أحد سلم. بقي مسألة وهي التي تتعلق بهذا الباب، ما الذي تقول؟ كيف تسلم على نفسك؟ ثبت عن ابن عمر أنه كان يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. لهذا جنح جماعة من العلماء إلى هذه الصيغة، كما يقول دخلت إلى المسجد ما في أحد، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ولا تنتظر الرد. فهذا نعم صح عن ابن عمر أنه كان يتلفظ به، وصح عن بعض التابعين أنه كان يأتون بهذه الصيغة. ومن أهل العلم من يرى أن السنة هي الذي ينبغي أن تنشأ في هذا الباب، وأن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تأتي بالسلام العادي من غير أن تتقيد بأي صيغة. فالحاصل إخواني في الله، الشاهد في هذه المسألة الأخيرة وهو أنك إن دخلت بيتًا ليس فيه أحد يشرع أنك تسلم، وأنت بالخيار إما أن تمسك بظاهر اللفظ تقول: السلام عليكم، أو أنك تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.