آداب السلام 1

آداب السلام 1

الدرس في آداب السلام 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آداب السلام ومقارنتها بتحيات الأمم الأخرى

يتناول المقطع أهمية تحية السلام في الإسلام ومكانتها كعبادة تعبدية، ويقارنها بتحيات الأمم الأخرى قبل الإسلام. يُظهر هذا الفصل الأهمية الكبيرة لتحية السلام في الإسلام.

فضائل إلقاء السلام وإفشائه بين المسلمين

يُعد إلقاء السلام من أعظم فضائل الإسلام، حيث جعله الله تحية أهل الإسلام وأهل الجنة. كما أن إفشاء السلام من شعائر الإسلام التي لها أجر عظيم وتدل على إيمان العبد.

تأكيد أهمية إفشاء السلام وأحكامه

يُعد إفشاء السلام من شعائر الإسلام التي يحسدنا عليها أهل الكتاب، وهو دليل على إيمان العبد وله أجر عظيم. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإفشاء السلام وجعله حقًا من حقوق المسلمين على بعضهم.

ختام الدرس والدعاء بالقبول والمتابعة

يختتم الشيخ الدرس بالتأكيد على أهمية المتابعة في الدروس القادمة لشرح أحكام السلام، ويدعو الله أن ينفع بما قيل في الدرس. يشير إلى أنه سيتم التطرق إلى مسائل وأحكام متعلقة بالسلام في المستقبل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، ففي هذا اليوم بإذن الله ندخل في أدب جديد من آداب الإسلام، وهو ما يتعلق بآداب السلام. وهذا المبحث، إخواني في الله، من المباحث المهمة، إذ إن لها تعلقًا بأعظم مظهر من مظاهر الإسلام والمسلمين، ألا وهو التحية والسلام وإفشائه بين الأنام. وتعتبر السلام، إخواني في الله، هي تحية أهل الإسلام، وهي من المظاهر التعبُّدية، ومن العبادات الجلية التي يتقرَّب بها المسلم والمسلمة إلى الله جل في علاه. وهذا الباب، إخواني في الله، اجتمع على مسائل أحكام كثيرة، نحرص على ذكر أهمها وما يتسع له المقام. ومسألة التحية بشكل عام، إخواني في الله، من المسائل التي اعتادت عليها الأمم والشعوب والحضارات. فكانت لكل أمة من الأمم السابقة لها تحية تتعلق بها. فكان مما يُذكر عن العرب قبل الإسلام أنهم كان بعضهم يُحيِّي بعضًا بقوله: «عِمْتَ صَبَاحًا». وكان عند أهل الذِّمَّة السلام عندهم يكون برفع الأكف والأصابع. وأما ما يتعلق بالأكاسرة، عند كسرى وأصحابه وأهل بيته، كانوا يُحيُّون العظماء بأنهم يسجدون أمامهم ويُقبِّلون الأرض. يسجدون ويُقبِّلون الأرض، هذا عند الكسرى. وأما أهل فارس، فكانت التحية عندهم لعظمائهم أنهم كانوا يضعون الأيدي على الأرض، أي: لابد أن يجلس، ويتهيأ في جلوسه، ويجعل يده على الأرض، دلالة على تحيته للملك ولزعيمه. وأما الحبشة، فكان بعضهم يُحيِّي بعضًا بأن يعقد يديه على صدره، يعقد يديه على صدره، وعليه السكينة وعليه الاحترام، هذا عند أهل الحبشة. وأما الروم، فقد كانوا يتحايون فيما بينهم بأن بعضهم يكشف رأسه، ثم يُنكِّسها، إذا كان على رأسه عمامة أو خوذة أو أي شيء، يُزيح الذي على رأسه وينكس رأسه، هذه تحية عند أهل الروم. ولازالت، من ذهب إلى أهل أوروبا، يعرف هذه التحية موجودة، هذه منذ القدم مشوا عليها، إذا لقي بعضهم بعضًا، لربما يُطأطئ برأسه، قد ينزع القبعة ومع رأسه ويُطأطئ، دلالة على أنه يُحيِّي الذي أمامه، والذي أمامه بدوره يُطأطئ برأسه، هذه التحية عند أهل الروم قديمًا ولازالت حتى في أزماننا هذا. وأما في بلاد أهل ملك يمامة ونحو ذلك، وهذا قبل الجاهلية، قبل الإسلام، كان يُحيِّي بعضهم بوضع اليد على الكتف، على كتف الذي يُحيِّيه. وهذا كذلك، لو تذكرون، قد وجد في بعض الأزمان، إذا تلاقى، يأتي هذا المُحيِّي ويضع يده على كتف الذي يُحيِّيه، وإذا أراد أن يُرحِّب به، فإنه يرفع ويجعل يرفع ويضع يده على الكتف، يُربِّتها، دلالة على أن هذه هي التحية التي يُشعر بها أنه يُرحِّب به وأنه يُكثر من السلام عليه. وهذه، إخواني في الله، ولا نستطرد في هذه العادات التي توكَّبت عليها الحضارات. أشاهد من ذلكم أن ما من أمة أو شعب إلا وجُعل فيما بينهم تحية يتحايون فيها بعضهم لبعض. بينما أهل الإسلام حباهم الله جل وعلا بهذه التحية، ألا وهي: «السلام عليكم». «السلام عليكم». وهذه المسألة، إخواني في الله، ونحن في خضم ذكر آدابها، اجتمعت على الكثير من المسائل والأحكام. وقبل الشروع في ذكر المسائل والأحكام المتعلقة بهذا الباب، أود أن أشير إلى أهم الفضائل التي جعلها الله سبحانه وتعالى لهذه التحية، إذ إنها ليست فقط تحية يُلقيها بعضنا لبعض عند اللقاء، ليس هذا فحسب، بل إنها تهدف إلى فضائل عظيمة وإلى ثمار عديدة، ليس أجرها فقط في الدنيا، وإنما كذلك يكون في الآخرة، بل وفيها عزة المرء في دينه. فمن هذه الفضائل، الإخوان في الله، والتي أذكرها سردًا في هذا المقام، إشارة إلى عظم هذا الباب الذي نحن بصدده، منها أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه التحية هي تحية أهل الإسلام: «السلام عليكم». وهذا منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، فقد جاء ذلك في الصحيحين أن آدم عليه السلام عندما سلم على الملائكة «السلام عليكم»، فردت عليه الملائكة السلام، فقال الله: «هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك»، تحيتك وتحية ذريتك من بعدك، فهي تحية أهل الإسلام منذ أن خلق الله آدم عليه السلام. وكذلك هذه التحية: «السلام عليكم»، هي كذلك تحية أهل الجنة، أهل الجنة يتحايون فيما بينهم بهذه التحية، هي نفسها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، «سلام عليكم»، فهي تحية أهل الإسلام، وتحية كذلك أهل الجنان. وكذلك هذه التحية، إخواني في الله، تدل على أعظم شعائر الإسلام، فيخص من خصائصه، ويكذلك من أعظم شعائره، يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، قال عليه الصلاة والسلام، وقد سئل: «أي الإسلام خير؟» قال عليه الصلاة والسلام: «تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، هذا الشاهد: «تقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». وسيأتي معنا من مباحث آداب السلام هذا الخطأ الذي قد أشيع وأذيع بين كثير من الناس، أنه لا يسلم إلا على من يعرف، أما الأدب السامي الذي ينبغي عليه أن يكون المسلم، أن يفشي السلام لمن يعرف ومن لا يعرف. فـ«تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، هذا من أعظم خصائص وفعال أهل الإسلام. كذلك من فضائل السلام، إخواني في الله، أن الله سبحانه وتعالى جعلها من أعظم الموجبات التي تدخل الناس الجنان. الكثير من الناس لا يبحث عن عمل يقربه إلى ربه جل وعلا، وبه يدخل الجنة، اعلم يا عبد الله أن التحية وإلقاء السلام تعتبر من الطاعات والعبادات التي يدخل بها الناس إلى الجنان، وهذا جهله كثير من الناس، ولهذا ظهر فينا الضعف والكسل والتهاون بهذه الشعيرة العظيمة. فقد روى الإمام الترمذي، رحمه الله تعالى، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». هذا حديث عبد الله بن سلام، رضي الله تعالى عنه، فيه يخبر عليه الصلاة والسلام بأهم الأعمال التي بها يدخل المرء الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أفشوا السلام»، وهذا شاهدنا: إفشاء السلام، وهو إشاعة السلام بين الناس، هنا وهنا، في الداخل في الخارج، بالقريب بالبعيد، إفشاء السلام، فهو من أعظم الأسباب التي بها يدخل المرء إلى الجنة. كذلك من فضائل السلام، إخواني في الله، أنها من الأسباب التي تجلب المحبة والألفة بين المسلمين، تجلب المحبة والألفة بين المسلمين. فكان السلام يعتبر رمزًا من رموز الصداقة وإلقاء المحبة والمودة. وغفب في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، إفشاء السلام يوجب المحبة، يوجب المحبة. ولهذا سيأتي معنا في مباحث إلقاء السلام، أن النبي أشار إلى أن المتهاجرين والمتخاصمين إذا تخاصموا، فإن من خيرهم من يبدأ بالسلام، لأنه هو الذي بدأ بعربون المحبة والصداقة، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام. فالشاهد أن إلقاء السلام من الأسباب التي توجب المحبة والرضا بين المسلمين. وكذلك هذه الشعيرة، إخواني في الله، وهي الشعيرة السلام، من الشعائر التي هي محل حسد أهل الكتاب لنا، نعم، أهل الكفار، وخاصة من اليهود والنصارى، حسدونا على أشياء كثيرة، حسدونا على الدين كله، وكذلك حسدونا على بعض شعائر الدين، لأن هذه الشعيرة التي حسدنا عليها اجتمعت على خير عظيم. وكان من أعظم ما حسدنا عليه من قبل أعداء الدين، ومن قبل اليهود خاصة، مظهر السلام، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد، من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «ما حسدتكم اليهود على شيء، كما حسدتكم على التأمين والسلام»، هذا المظهر يحسدنا اليهود عليه، وأيضًا على إلقاء التحية، إلقاء السلام، كان كذلك محل حسد اليهود لنا، لما يعرفونه من عظم هذا الخلق وهذا الأدب السامي. كذلك من فضائل السلام، إخواني في الله، أنه دليل على إيمان العبد، دليل على إيمان العبد الذي وقر في قلبه. روى الإمام البخاري في صحيحه، من قول عمار بن ياسر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان»، ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: «الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». هذه الخصلة من خصال الإيمان، والذي من حرص عليها مع باقي الخصال، فقد جمع الإيمان كله، كما قال عمار، رضي الله تعالى عنه. وكذلك هذه شعيرة السلام، وإفشاء السلام، وإلقائه، يُعتبر من حقوق المسلمين بعضهم لبعض، ولهذا أوجبها نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صحيح البخاري، من حديث البراء بن عازب، قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميط العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار القسم»، شاهدنا: «وإفشاء السلام»، هذا مما أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون متداولًا فيما بيننا، أن نفشي السلام. ومر معنى أن يفشاء السلام، بمعنى إشاعة السلام، بين أهلك، بين قرابتك، بين أصحابك، بين زملائك، وبين من تعرف ومن لا تعرف، فلا تقصرها بأحد، فهذه من الأمور التي جعلها الله من حق المسلمين على بعض. وأخيرًا، إخواني في الله، كذلك من فضيلة السلام عظم الأجور التي يجدها المرء في إلقاء السلام والتحية على إخوانه، وسأتي هذا المعنى في الدروس الكثيرة في هذا الباب. من ذلك ما جاءت به السنة، على أن من قال: «السلام عليكم»، فله بذلك عشر حسنات، فتخيل يا عبد الله هذا الأجر تناله إذا سلمت على شخص واحد: «السلام عليكم»، عشر حسنات، بغض النظر الثاني رد أو لم يرد، لك الأجر، فما ظنك باثنين: عشرين حسنة، سلمت على ثلاثة: ثلاثين حسنة، إذا سلمت على عشرة: مئة حسنة، انظر لِيسر العمل، وهو أنك تتلفظ بهذه الكلمات: «السلام عليكم»، وما أسهلها وأيسرها على الألسن، لكنها ثقيلة على القلوب، لأن الشيطان يضعفك ويبعدك عنها. لكن لو أنك اعتدت على هذا، ولهذا أثر عن بعض السلف، وأثر هذا عن بعض الصحابة، أنه لربما يخرج عمدًا إلى الأسواق، فيمر على المحلات، حتى إنه أنكر هذا عليه: «ما عندك في الأسواق وأنت لا تشتري ولا تبيع ولا تساوم على سلعة؟ ما معك في السوق؟» فقال: «إنما أخرجني السلام، أحب أن أسلم على الناس»، أجر، أجر، أجر، ثم يرجع إلى بيته. فهذه، إخواني في الله، فضيلة عظيمة، وهذه من أعظم فضائل السلام، أنك تنال من ورائها الأجر الكثير والحسنات الوفيرة. فهذه، إخواني في الله، ما يذكر في هذا الباب، ولا فضائل السلام كثيرة، وهناك أحاديث تركت في هذا الباب لأنها ستمر معنا. فهذا تمهيد لهذا الباب العظيم، وهو ما يتعلق بآداب السلام، بذكر فضائله، وبذكر ما يتعلق بأجره ومناقبه. وإن شاء الله، في دروس قادمة، سنتطرق وإياكم إلى أهم المسائل والأحكام المتعلقة بالمسلم والمسلم عليه، وبصيغ السلام، وبآدابه، وغير ذلك من أحكامه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.