الدرس في آداب السلام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
إلقاء السلام سُنَّة مُستحبَّة وقُرْبَة مندوبة بإجماع العلماء، وتناول الدرس أحكام السلام وإلقائه.
حديث النبي عليه الصلاة والسلام يبين ترتيب إلقاء السلام، والعلماء فسروا هذه الترتيبات بعلل مختلفة ترتبط بالتواضع وتجنب المشقة وإظهار الإجلال للكبير.
يكفي أن يسلم واحد من الجماعة إذا مرت على قوم قعود، ويكفي أن يرد واحد منهم إذا سلم عليهم واحد، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
من يبدأ الناس بالسلام يكون أولى الناس بالله، واختتم الدرس بتمني أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قبل الشروع أخواني في درس اليوم، أنبه على أو إعلان عن درس سيقام هذه الليلة، بين مغرب، أي بعد صلاة المغرب، إلى أذان العشاء، لأخينا الفاضل محمد المؤذن، وذلك في تحفة الأطفال، وهي الأرجوزة التي تكلمت عن فن التجويد، فيعقد هذا الدرس بإذن الله بدءًا من هذه الليلة، درسٌ في تحفة الأطفال لأخينا محمد المؤذن. والحاضر يبلغ الغائب، ودخولًا في درسنا إخواني في الله، في مسألة الآداب، مضى معنا في درس أمس ما يتعلق بآداب السلام، وذكرنا من أهم مسائله ما يتعلق بفضيلته، وكيف أنه من شعائر الدين، وأن المسلم يحرص عليه كل الحرص على إفشائه وعلى بذله للخاص والعام ولمن يعرف ومن لا يعرف. وأحكام السلام إخواني في الله كثيرة وكثيرة جدًا، لكننا بإذن الله في مثل هذه المجالس، كما بيَّننا، سنتطرَّق إلى أهم المسائل ونجعلها على مباحث، فمن مباحث السلام المباحث المتعلقة بإلقاء السلام، وهناك مباحث خاصة متعلقة برد السلام، وهناك مباحثٌ خاصة متعلقة بصيغ السلام، وكل هذه من المباحث ستمر علينا بذكر أهم مسائلها. فأولى مسائل آداب السلام ما يتعلق بإلقاء السلام، وهذه تحته مباحث كثيرة، منها ما حكم إلقاء السلام الذي عليه العلماء بأن إلقاء السلام تُعتبر من الأمور المسنونة ومن الأمور المندوبة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم على أن يُسلِّم على كل من لقيه. وقد ذكر العلماء في هذا الباب الإجماع، صرَّح بهذا القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره، وابن عبد البر وجماعات من العلماء تكالبت وتواطأت على ذكر الإجماع في أن إلقاء السلام سُنَّة مُستحبَّة وقُرْبَة مندوبة. وهنا أحب إخواني في الله، ونحن إزاء هذا الإجماع المذكور، وأن الحكم إنما فقط يدور على الاستحباب، لا تجعل هذه المسألة مسألة استهوان، لأن من الناس من لربما إذا علم أن أمرًا من الأمور من الأمور المُستحبَّة سرعان ما أهملها وتركها، وهذا لا يتأتَّ في مثل هذا المقام. وقد مرَّ معنى الفضائل الكثيرة التي جعلها الإسلام في إلقاء السلام، وكيف أنها من مُجِبات رحمة الله، وكيف أنها من مُجِبات الجنة، وكيف أنها من تحيَّة أهل الجنة، وكيف أنها من أعظم أسباب الأُلفة، وغير ذلك مما ذُكِر من الفضائل. ومن الطريف أو مما يُناسب ذكره في هذا المقام، ما علَّق به العلَّامة الألباني رحمه الله تعالى على هذه المسألة بصددها، إذ أنه رحمه الله تعالى كأن هذه الإجماعات ما استساغها، كيف؟ يعني يكون الإلقاء السلام مُستحق فقط، وأترك لكم التعليق على كلامه رحمه الله تعالى في تعليقه على صحيح الأدب المُفرد، حيث قال رحمه الله تعالى: «وفي صحة هذا الإطلاق نظر»، أي الإجماع المذكور على أن إلقاء السلام مُستحب. قال رحمه الله تعالى: «وفي صحة هذا الإطلاق نظر عندي؛ لأنه يعني لو التقى المسلمان فلم يبدأ أحدهما أخاه بالسلام وإنما بالكلام، لا إثم عليهما»، ثم طرع علامة السؤال: «لا إثم»، ثم بيَّن رحمه الله تعالى الأدلة التي فيها بيان أن حق المسلم على المسلم السلام، وأن ما أمر به نبينا عليه السلام. وكأنه رحمه الله تعالى يذهب إلى الوجوب، لكن ليس هناك قائل، إذ أن هناك إجماعات قد سبق بها الشاهد من هذا الباب، أنك تحرص على إلقاء السلام وعلى أنها من أهم وأعظم شعائر أهل الإسلام. المسألة الثانية، بعد معرفة الحكم، ننتقل: من الذي يبدأ بالسلام؟ السنة قد بيَّنت وذكرت لنا الأولويات: من الذي يبدأ؟ فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير»، هذا جاء في لفظ الصحيحين. وفي صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «يُسلِّم الصغير على الكبير»، فعند هذه المقامات التي جاءت بها السنة، فإنها هي الأولى بالسلام على غيرها. فقال عليه الصلاة والسلام: «يُسلِّم من ذلكم يُسلِّم الصغير على الكبير»، والعلّة واضحة؛ لأن الصغير ينبغي أن يُكِن للكبير الإجلال والإعظام والتوقير والإكرام، والتوقير والإكرام ليس منا من لم يُوقِّر كبيرنا. ومن باب التوقير الكبير أنك تبتدأ يا أيها الصغير، تبتدأ الكبير بالسلام: السلام عليكم. كذلكم في هذا الباب أن يُسلِّم القليل على الكثير، فمنكم ثلاثة وهؤلاء سبعة، فمن يبدأ بمن؟ القليل يبدأ الكثير بالسلام، قال علماء؛ لأن حق الكثير أعظم، حق الكثير أعظم. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «يُسلِّم المار على القاعد»، المار يُسلِّم على القاعد، قال علماء، وعلّة ذلك قالوا: تشبيهًا للمار كأنه داخل على البيت، أنت إذا دخلت على أهل بيتك تجدهم جلوسًا فتُسلِّم عليهم، وهذا السلام على من في البيت. فقال علماء: وكذلك المار إذا مر وجد أحد الناس جلوسًا فإنه أولى بالسلام على الجالس؛ لأن هيئته كهيئة الداخل على من هُم في بيته فيُسلِّم عليهم، هذا علّة. ومن أهل العلم من أتى بعلّة أخرى قالوا: هذا فيه رفع المشقة، رفع المشقة على القاعد، تخيّل لو أن الأمر العكس، وأن القاعد عليه أن يُسلِّم على المار، كم سيُسلِّم؟ وستجلس في مكان في مجلس في على قارعة الطريق أو عند بيتك أو عند محلك وأنت جالس، كلما مر عليك أحد تُسلِّم عليه، متى سينقضي حديثك؟ أو متى ستنتهي من عملك وأنت ستُسلِّم على كل من مر عليك؟ هذا صعب. قالوا: هنا مشقة، لهذا كان العكس، أن المار هو الذي يُسلِّم على القاعد. وفي الأخير، أن الراكب يُسلِّم على القاعد، قال علماء، وجه ذلك قال: حتى لا يجد الراكب في نفسه التعاظم، إذ أنه مُرتفع على أخيه، فلا يتعاظم بل يتواضع لأخيه الجالس فيُسلِّم عليه، هو الذي يبدأ بالسلام. قال علماء: هذا وجه لهذه العلة، ومنهم من قال وجه آخر؛ لأن الجالس لما يرى الراكب قادم إليه، فربما هذا الجالس توجَّس شرًا من هذا القادم، فإذا قدم الراكب وقال: السلام عليكم، أمنت، وسأتي معنى أن من معاني السلام السلامة، لا يأتي كشر من جهتي. فقال علماء: فهذا من هذه الجهة أن الراكب ينبغي أن يُسلِّم على الجالس. فهذه أخواني في الله ترتيب السنة، ترتيب السنة لهذه الأمور التي سمعتموها تأتي هنا تتفرع مسائل، منها: ما لو انعكس الأمر، ما لو أن الأمر انعكس، مثلاً أنك تجد أن الكبير يُسلِّم على الصغير، أو أن الكثير يُسلِّم على القليل، أو أن القاعد يُسلِّم على الماشي، أو يُسلِّم على الراكب، انعكس الأمر، ما حكم هذا؟ قال علماء: أولاً في هذا الباب ما عليه إثم؛ لأن بعضهم يفعل، يقول: هل علي إثم؟ أنت جالس، جالس فيأتي عليك داخل فتقول: السلام عليكم، مع أنه هذا يسلِّم، السنة السنة هذا الداخل ويُسلِّم عليك، لكن أنت استعجلت مثلاً لأمر من الأمور فقمت بالسلام عليه. فلو تُرِك هذا الباب، ففعلت العكس، قال علماء: أولاً لا إثم، لا تُؤثم، لكن يُقال عنك أنك تركت الأولى، هذا خلاف الأولى، حتى بعض علماء ما استطاع أن يقول هذا مكروه، ابتعد عن هذه اللفظة، قال: إنما هذا ترك للأولى، وإلا الأولى أن تترك الأمور كما جاءك بها السنة، على أنك تجعل الصغير هو الذي يبدأ، وتجعل القليل هم الذين يبدأون، وتجعل المار هو الذي يبدأ، لا تنعكس. إن عكس فلا إثم في هذا الباب، ولكن هذا خلاف الأفضل والأولى التي ينبغي أن يسير عليه الناس في مسألة التي ذكرناها. وهي مسألة جماعة يُسلِّمون على شخص، يعني مار يمرون، مر على قوم قعود، فقلنا أن هذا المار سيُسلِّم على القاعد، لكن أتكلم الآن في مسألة العدد، لا أتكلم في مسألة الصفة والحال، عدد، مر على قوم قعود، لا إشكال أن المار هم الذين يبدأون السلام على القعود، لكن السؤال: هل الكل يُسلِّم؟ خمسة مروا السلام عليكم، خمسة يُسلِّمون على هؤلاء القعود؟ وأن أهل القعود من جلسوا يُردون السلام بالخمس أو بحسب أعدادهم؟ الجواب: لا، الجواب: لا، قال العلماء في هذه صورة، أولًا أن السلام من الجماعة يكفي من الواحد، واحد ينتدب ويُسلِّم على الآخرين، وهذا ويبقى الآخرين على سعة من ترك السلام؛ لأن هذا مندوب عنهم يُسلِّم. وهكذا من كان جالسًا، وإن كانوا مجموعة، فلو أن أحدًا منهم رد كفاه، فهو كذلك مندوب عن الجلوس فيرد السلام، فيرد السلام. وعلى هذا جاءت بها السنة، كما جاء من حديث علي بن أبي طالب قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يُجزء عن الجماعة إذا مروا أن يُسلِّم أحدهم، ويُجزء عن الجلوس أن يرد أحدهم»، واحد بواحد، هؤلاء ينتدبون واحدًا، مررنا بجماعة كنا في طريق فقام أحدنا وسلم، يكفينا هذا، فلا يقول: طيب فلان إيش ما سلم؟ عينا إيش في قلبه شيء؟ بعض الناس هكذا، لا، لا، لا، لا، ما في داعي هذا الكلام ولا هذا التعبير. إذا قام أحد منا ينتدب فسلم عليكم، يكفيكم هذا السلام، وبالمقابل نحن إن سمعنا من الجلوس أحدهم فقط رد علينا، يكفينا هذا، يكفينا هذا. أن ينتدب واحد في إلقاء، وينتدب أحدهم في الرد، هذا الذي جاءت به السنة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث، أو جاء في موطأ مالك، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم، وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم». طبعًا قال علماء: أردوا السلام له صور، يعني إذا كانوا مجموعة جلوس، فسلم عليهم رجل، أسلم رجل عليهم السلام عليكم، فأنتم لكم ثلاثة حالات يا أيها الجلوس، إما أن واحد منكم يسلم يرد السلام بالنيابة، قلنا هذا يجزأ، أو أن الكل يرد السلام، فهذا هو الأكمل والأفضل والأحسن، أو أنهم يسكتوا جميعًا. فإن سكتوا جميعًا أثموا جميعًا؛ لأن كما سيأتي رد السلام واجب بالإجماع، رد السلام واجب بالإجماع، فمن كان في مجلس ومر عليهم أحد الناس وسلم عليهم، فأنتم يا أيها الجلوس بحالات ثلاث، إما أنكم تردوا جميعًا فهذا الأكمل والأفضل، أو يرد أحدكم فهذا مجز، أو أنكم لا تردوا، فإنكم تؤثمون في هذه الحالة. مسألة أخيرة في هذا المقام، ما لو أن شخصان تلاقيا وهما قد تشابه بالوصف، كما قلنا: الراكب يسلم على القاعد، فما لو أن راكب التقى براكب؟ قلنا أن الماشي يسلم على القاعد، فما ظنك لو أن ماشي التقى مع ماشي؟ هذا يمشي وهذا يمشي، وهذا يركب وهذا يركب فالتقيا، مثلًا في هذا الأزمان أنت بدراجة تلتقي بدراجة، أو أنت بسيارة تلتقي بصاحب سيارة، أو أنت تمشي وصاحبك فالتقيتما، فمن الذي يبدأ؟ قال العلماء: هنا ينظر في السن؛ لأنه قد مر معنا أن الصغير يسلم على الكبير، فإن كان هذا في دراجة وأنا في دراجة والتقينا، ينظر أحد من الأصغر، الأصغر يسارع بإلقاء السلام: السلام عليكم، يسلم، سواء كان بدراجة أو بسيارة أو قس على أي هيئة كان، طبق. فإن استوينا أو أن المجال غير متاح لأن أعرف على السن، فحينها نقول: خيرهم من يبدأ بالسلام، خيرهم من يبدأ بالسلام، أن الأصغر هو الذي يبدأ، فإن ما عثرنا ولا عرفنا وتشابهت الأمور أو تساوينا في الأسنان، فهو شاب وأنا شاب، أو هو كبير وأنا كبير، هو كهل وأنا كهل، تشابهنا، فحينها الخيرية تكون لمن كانت له الأسبقية. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام»، إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام. هذه بعض المسائل إخواني في الله متعلقة بإلقاء السلام، وبقيت مسائل كذلك كثيرة متعلقة بهذا المبحث، تترك إن شاء الله في دروس قادمة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.