الدرس في آداب السلام 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن صيغة السلام في الإسلام، حيث يوضح أن الصيغة الكاملة والأفضل هي "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". كما يشرح أن صيغة الجمع "السلام عليكم" يمكن استخدامها للفرد أو الجماعة.
يناقش هذا الفصل آراء العلماء حول جواز الاكتفاء بلفظ السلام دون إضافة "عليكم" أو غيرها، كما يتناول حكم استبدال تحية الإسلام بتحايا أخرى مثل "صباح الخير" أو "مرحبا".
يتناول هذا الفصل حكم الإشارة باليد أو الرأس كبديل عن السلام، ويبين أن ذلك لا يجوز ويكره لأنه يشبه باليهود والنصارى، مع استثناء حالات معينة مثل البعد أو الانشغال أو الصمم.
يذكر هذا الفصل بعض المسائل المتعلقة بصيغة السلام التي لم يتم التطرق إليها بعد، ويعد بمناقشتها في دروس قادمة، ويختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في آداب السلام، وكان الكلام في دروس سابقة حول مباحث إلقاء السلام، وعرفنا من خلاله ما يتعلق من هذا الذي يشرع في حقه أن يلقي السلام، ومن ذا الذي لا ينبغي أن يلقى السلام عليهم، وذكرنا كذلك ما يتعلق بصفة إلقاء السلام من الجهر والتكرار والإعادة وغير ذلك من المسائل التي مرت معنا. وننتقل بإذن الله إلى مبحث آخر من مباحث السلام، وهو ما يتعلق برد السلام، وقبل العروج على هذا الباب، إخواني في الله، نقف وقفات مع مبحث وهو يتعلق بإلقاء السلام وبرده، ألا وهو ما يتعلق بصياغة السلام. وهذا الباب، إخواني في الله، من الأبواب المهمة التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة، إذا هذه الشعيرة الإسلامية، شعيرة إلقاء السلام، وأنها ينبغي أن تنضبط بضوابط شرعية. أولى هذه المسائل، إخواني في الله، أن نتعرف على صيغة السلام، ما هو السلام الذي ينبغي أن نستخدمه في تحية بعضنا لبعض؟ قال العلماء: السلام هو أن تقول لمن تلاقيه: السلام عليكم. فإن أردت الزيادة، قل: السلام عليكم ورحمة الله. وإن أردت الأفضل والأكمل أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فهذا هي الصيغة الفضلى في إلقاء السلام. وقد قال وصح عن نبينا، كما روى ذلك الإمام الترمذي بإسناد صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته». وهذه إشارة من نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أفضل الصيغة التي ينبغي أن تستخدم في التحايا، ويدلك على فضيلة هذه الصيغة ما تجنيه من ورائها من الأجر الكثير. فإن هذه الصيغة كلما زدت في ألفاظها فإنك تزداد بذلك أجرًا، فقد جاء في السنن من حديث عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه نبينا السلام وقال: عشر. ثم جاء آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه نبينا صلى الله عليه وسلم السلام وقال: عشرون. ثم جاء آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثون. ما الذي أراد نبينا بقوله: عشر، وعشرون، وثلاثون؟ قال العلماء: أراد بذلك الأجر والحسنات، فلما تقول: السلام عليكم، لك عشر حسنات، وإن زدت: ورحمة الله، فلك عشرون حسنة، وإن أتممت ببركاته، فإن لك ثلاثون حسنة. وهذا فضل عظيم. وقد بينا وأذكرنا ذلك في أوائل مباحث فضل السلام على أنك تتحصل على ذلك من ورائه الأجر، وذكرنا في دروس خلت على أن السلام يشرع لك أنك تعيده، وأنك تكرره، وأنه عبادة كلما أفشيت السلام فإنك تزداد بذلك أجرًا. الشاهد من هذا الباب، إخواني في الله، أننا نعرف أن صيغة السلام هو أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تأتي مسألة قد يقول أحد الناس: أنا أحيانًا أدخل على فرد، على شخص واحد، فهل أذكر له صيغة الجمع أم لي أن أفرد فأقول: السلام عليك بالإفراد؟ قال العلماء: لفظ السلام عليكم هو لفظ عام، لك أن تطلقه على الجمع، وأن تطلقه على الفرد، حتى الفرد الواحد أذكر له يا عبد الله صيغة الجمع. دليل ما مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل السلام عليكم». فدل ذلك على أن صيغة الجمع هذه تنفع أن تأتي به سواء واجهت فردًا أو واجهت جماعة. ومع ذلك، قال العلماء: فإن قلت: السلام عليك، وأردت هذا الشخص الفرد، ليس في ذلك بأس، وأن هذا يجوز، فلا بأس أن تقول للشخص الواحد: السلام عليك أو السلام عليكم. مسألة كذلك متعلقة بصيغة السلام، إخواني في الله، فهل يمكن أنك تقول: السلام فقط؟ تكتفي بلفظ السلام، يعني أحيانًا يقع هذا في بعض المجتمعات والأعراف، مثاله: يأتي أحد الناس ويدخل على مجمع الرجال يقول: السلام يا رجال، أو السلام يا رجال السلام فقط، لم يضف عليها عليكم ولا بركات ولا شيء، السلام مفرد، هل هذا ينفع؟ هل هذا مجزئ؟ هل هذا يجوز أم لا؟ على خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من يرى أن هذا ليس بسلام، لأنهم يرون أن أقل السلام أن تقول: السلام عليكم، فقولك: سلام يا رجال، هذا لا يعد السلام ناقص، فلا يعترفون به. لأن كما قلنا الحد الأدنى السلام عليكم. وطائفة من أهل العلم من يرى جواز ذلك، ويرى أن هذا جائز، وهؤلاء استدلوا بما كان من حوار الملائكة مع إبراهيم عليه السلام، قالوا: ﴿سَلَامٌ﴾ قال: ﴿سَلَامٌ﴾ كلمة واحدة. وعلى هذا علق الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى على هذه المسألة، وخاصة عند هذه الآية في فتاويه، فقال رحمه الله تعالى: وكذلك الابتداء يقول المسلم: سلام، يعني: سلام عليكم، أو السلام، يعني: السلام عليكم، ولا بأس بهذا، ولا بأس بهذا. فمن أهل العلم من يستدل بهذه الآية على أنه يمكن أن تكتفي بقولك: سلام، سلام يا رجال، سلام يا شباب، فالبعض يرى أن هذا مجزئ، وإلا فأكثر العلماء يرون على عدم الاكتفاء بلفظ السلام، بل لا بد أن تذكره بأقل صيغة وهي السلام عليكم، وهذا الأفضل وهذا الأكمل. والأخوة الخروج عن الخلاف الذي دار بين العلماء، بقي كذلك من مسائل الصيغة السلام أن من الناس من يغير الصيغة برمتها، فلا يحيي الناس بالسلام، وإنما يحييهم بمرحبا، أهلا وسهلا، وصباح الخير، صباح النور، مساء الخير، مساء النور، إلى غير ذلك من التحايا. هل هذا يجوز أنك تستبدل التحية تحية الإسلام بهذه التحايا؟ لأن البعض يقول: المهم أني ألتقي بإخواني بتحية، سواء بالسلام أو بغير السلام، هل هذا صحيح؟ الجواب: هذا ليس بصحيح، وكلمة العلماء قاطبة على أنه لا يجوز أن تستفتح أحدًا بأي لفظ من ألفاظ الترحيب إلا بعد أن تأتي بالسلام. قل: السلام عليكم، ثم عبر بما تكنه في نفسك من ألفاظ التهنئة والترحيب، السلام عليكم، أهلا وسهلا ومرحبا بمن حضر، بمن جاء، بمن قدم، إلى آخر ذلك. فهذه فتاوى العلماء، ويستدلون على ذلك من استدلالاتهم ما كان في أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام في رحلة الإسراء والمعراج، أنه لما أعرج به إلى السماء، ما كان يمر على ملأ أو على قوم إلا وسلم عليهم فردوا عليه السلام وقالوا: مرحبا. ردوا عليه السلام وقالوا: مرحبا، فأفاد العلماء من هذا الحديث ومن غيره من الأحاديث الكثيرة على أن ألفاظ الترحيب تكون بعد إلقاء السلام، بعد إلقاء السلام، فبعد ذلك يجوز. أما الذي نراه في كثير من المجتمعات أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، لا يجوز. إذا واجه جماعته: صباح الخير، صباح النور، إلى غير ذلك، هذا لا يجوز. وانبع على لفظة، وهذا ينبع عليها بعض العلماء، وهي قضية صباح الخير، صباح النور، بعض العلماء في هذه اللفظة الخاصة، يعني يحاول أن يستبعدها أصلًا ويرفضها جملة وتفصيلًا، جملة وتفصيلًا، أي لا تذكرها لا قبل السلام ولا حتى بعد السلام. وهذه العادة عند بعض الناس إذا جاء في وقت الصباح أو في وقت النهار تقول لمن تلقاه: صباح الخير، يرد عليك: صباح النور، وفي المساء تقول: مساء الخير، يرد عليك: مساء النور. بعضهم يبعدها ولو أنك سلمت فلا تأتي بها. وعلتهم في هذا الباب أن هذه الصيغة أصلًا مأخوذة من عقيدة مجوس، من تحية أهل المجوس الذين يعظمون النور ويجعلونه إلهًا من الآلهة التي تعبد. وهكذا بعضهم يعظم أمر الظلمة ويجعله إله الشر، فقالوا: هذه عقيدة عند أهل المجوس، فالتحايون بهذه التحايا. ولهذا بعضهم يستبعدها أصلًا بل ويكرهها. ولها ذكر ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى، قال: مطلب على أنه يكره التحية بصباح الخير، تكره هذه التحية. لكن قال: بخلاف صبحك الله بالخير، هذه نعم، هذه لا بأس أن تقولها، مثل السلام عليكم، صبحكم الله بالخير، قالوا: لا بأس، هذه التحية أفضل، لماذا أفضل؟ لأنها فيها محالفة، زد على أن فيها دعاء، صبحك الله بالخير، فيها دعاء تجعل أخيك المسلم. بخلاف اللفظ الأول، هذا قول، رأي طائفة، وإلا فإن أكثر العلماء يرون: لا بأس، لا بأس أن تأتي بقولك: صباح الخير، صباح النور، يرون ما في شيء، لكن الكل متفق على أنها بعد السلام عليكم، بعد السلام عليكم. فهذه المسألة، إخواني في الله، تكون في البال كذلك من المسائل المتعلقة بصيغ السلام، مسألة الإشارة، الإشارة بالكف، الإشارة بالأصابع، الإيماء بالرأس، إشارة إلى أنك ألقيت السلام، بعض الناس يوفر على نفسه أن ينطق بهذه الصيغة السلام عليكم ورحمة الله، وما في داعي، فاختصرها بماذا؟ بالكف يرفع اليد، أو بالأصابع، أو يحرك رأسه. وكذلك الآن عندما في أصحاب السيارات يضرب الهون إذا مر عليك، يعني يسلم عليك، قس على ذلك، هذه الأنواع من أنواع الإشارات، ويجعلونها بدلًا عن السلام، أو تحل محل السلام، هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز، هذا لا يجوز التحية بمثل هذه الإشارات، وأنها مسقطة للصيغة الشرعية، هذا لا يجوز. بل صرح العلماء بالكراهة، أن هذا يكره، وأن هذا لا يعد السلام، أنك ما سلمت أصلًا، أنت ما سلمت أصلًا. وقال العلماء: وجه الكراهة في هذا الباب أن فيها التشبه باليهود والنصارى، وقد روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود بالإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى بالكف». وهذا الحديث وإن رواه الترمذي فإنه قد أعله بعلة، إلا أن شيخ الألباني رحمه الله تعالى ذكر لهذا الحديث شواهدًا تشهد بصحته، ويؤيد هذا المعنى ما رواه البخاري أيضًا في الأدب المفرد عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: كانوا يكرهون التسليم باليد، يكرهون التسليم باليد، قال الألباني: صحيح الإسناد. فشاهد من هذه الآثار، إخواني في الله، فيها على أنه ما ينبغي أن تكتفي باليد، كما وإذا رأى كثير، فأجد أحد يمر على أصحاب، يقول ويمشي يشير بأصبعه بيده، أو يحرك رأسه هكذا، معنى قد سلم عليك، هذا ما يجوز، هذا لا يجوز، وإنما الصيغة يعبد الله أنك تقول: سلام عليكم. ترفع هذا فلا بأس، لكن متى يجوز أن ترفع اليد، ومتى تحرك اليد؟ هذا إذا كنت في بعد، إذا كنت في بعد، مثلًا بعيد، وأن صوتك لن يصل لن يصل إلى هذا الذي تسلم عليه، فحينها أشر إليه لكي تعلم أنه قد سلم عليك، كأن تكون بعيد، تؤشر هكذا أو تؤشر هكذا، أشر بأي إشارة باليد. فقد ثبت هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على نسوة فأشار إليهن بيد، أي سلم عليهن ببعده، صلوات ربي والسلام عليه، فهذا يكون، فالمسألة، إخواني في الله، على هذا التفصيل، كونك تأتي إلى أحد قريب منك فتكتفي بالإشارة دون النطق، لا. لكن الإشارة تنفع إن كنت في بعد، وألحق العلماء أن الإشارة تنفع في كل من تسلم عليه وهو متلبس بحالة لا يمكن أن يرد عليه، فلك أن تكتفي بالإشارة، مثال: رجل يصلي، قد مر ذلك معنا، لك أن تشير إليه لأنه مشغول بصلاته، أو الأصم، الأخرس، تشير إليه لأنه ما يسمعك، فتكتفي بالإشارة إليه. ومع الإشارة، إخواني في الله، لابد أن تتلفظ بلسانك، لفظ اللسان شرط، لفظ اللسان شرط، أنت في سيارة، أو أنت في دراجة، فمر عليك أو مرت بأحد وأنت مستعجل، لا بس أنك تضرب الهون أو البوق لكي تشعروا أنك قد سلمت عليهم، بس هذا لا، مع اللسان السلام عليكم، وعطِّم الهون حتى تبلغهم أنك قد سلمت عليهم. ولأن السرعة أو البعد لن يسمع سلامك، فالإشارة تكون أمارة، الإشارة هي أمارة عن السلام عليهم، أما أن تجعل الإشارة هي السلام، لا، الإشارة ليست بسلام، وإنما هي معينة إلى أنك ألقيت السلام، فهذا، إخواني في الله، بعض ما يذكر في هذه المسائل. وبقي كذلك مسائل متعلقة بصيغة السلام، كالسلام على من اتبع الهدى، أو كذلك تغيير بعض ألفاظ السلام، أو الزيادة في بعض صيغ السلام، أو ما معنى السلام، هذا كذلك تلحق في هذه المسائل، وتتكلم إن شاء الله في دروس قادمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.