الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي الذي يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كيف سيتعرف على أتباعه يوم القيامة بعلامات الوضوء. يُظهر الحديث فضيلة أمة محمد وميزة أتباعه الصالحين يوم القيامة.
يُبرز فضل الصحابة ومكانتهم العالية بسبب صحبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، ويشير إلى فضائل الوضوء والصلاة وأهميتهما في الإسلام. يُوضح أن الصحابة لهم منزلة لا يدركها أحد من بعدهم.
يختتم الحديث عن ورود النبي محمد الحوض يوم القيامة وتعرف على إخوانه بآثار الوضوء، ويشير إلى منع بعض الأقوام من الوصول إليه بسبب أفعالهم. يسأل الله أن ينفع السامعين بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهما، أي في البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وددت أنا قد رأينا إخواننا»، قالوا: «أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»، فقالوا: «كيف تعرف من لم يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟»، فقال: «أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غرل محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟»، قالوا: «بلى يا رسول الله»، قال: «فإنهم يأتون غرلًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا». هذا الحديث، إخواني في الله، والذي في الصحيحين، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب في بيان فضل الإسلام. وهذا الحديث قد مضى معنا شبيهًا منه وقريبًا من لفظه في حديث ابن مسعود، كما مر معنا في درس أمس أو درس الماضي، وذكرنا فيه بعض المسائل حول الحوض الذي يعطاه نبينا صلى الله عليه وسلم في ساحة المحشر، ويرد إليه المؤمنون. ذكرنا كذلك ما يتعلق بالأقوام الذين هم محسوبون على أمته عليه الصلاة والسلام، ثم يمنعون عن الحوض. ومرت معنا كذلك ما يتعلق بهؤلاء، قيل: إنهم من كان من ملته ثم ارتد، وقيل: إنهم من كان من أهل النفاق، كان معه وهو قد أبطن الكفر والنفاق. فهؤلاء وهؤلاء وغيرهم، كما مر معنا، يمنعون من أن يردوا على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: «ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال»، أي يمنعون كما يذاد البعير الضال. البعير الضال هو الذي ضل عن صاحبه، فيهجم على أحواض الناس. أنت عندك حوض، مجمع ماء لك ولبهائمك ولمن هم من ملحقاتك، كالزراعة وغير ذلك، فإذا جاء بعير من بعيد يريد أن يشرب، تمنعه، تزجره فتمنعه. وهكذا هؤلاء الأقوام، فإنهم إذا دنوا إلى حوض رسول الله يمنعون من أن يردوا الحوض. وكما قلنا وأغضى ذكرنا هذه المسألة، لكن هذا الحديث، إخواني في الله، فيه ألفاظ وفيه مسائل مضافة عما ذكر. فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وددت لو أني رأيت إخواني»، وهنا «وددت» بمعنى تمنيت وأحببت لو أني أشاهد أصحابي وألقاهم وأراهم، وعنى بإخوانه الذين سيأتي من بعده. فاستغرب الصحابة كيف أن النبي سيتعرف على أناس لم يرهم أصلا، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام بأنه سيعرفهم بسيماهم. والسمة التي سيتعرف بها على إخوانه، وهم من سيأتي في آخر الزمان، أنهم يأتون بنور، يأتون بنور من آثار الوضوء، فقال: «غرلًا محجلين». والغرة هو البياض الذي يكون في وجه الخيل، والتحجيل هو البياض الموجود في أطراف الخيل. أخبر عليه الصلاة والسلام أن الذي عنده خيل في هذا البياض، هل هذا الخيل بهذا الرمز سيختلط بالخيل البهم الدهم وهي السوداء؟ ما سيختلط على أحد، تعرف هذه البياض ولو كانت في حشد من الخيول السوداء. فأخبرهم نبينا أن الذي يفرق بين خيله الغر المحجلة بين الخيل البهم الدهم، قال: «أنا سأفعل كذلك، فإنهم لن يختلطوا عليه يوم القيامة». هذا الحديث، إخواني في الله، فيه من الفوائد ومن المسائل أولى فيه فضيلة لآخر الزمان. صحيح أن كلمة آخر الزمان أصبحت مربوطة دائمًا بالمآسي، بالفتن، بالمعضلات، بكساد الأخلاق والأعمال وكثرة الأهواء، هذا الأصل، لكن كذلك مع آخر الزمان هناك أمل، هناك فضائل. فقد أخبر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث عن فضيلة لآخر الزمان، وهو أن له إخوة لعلو قدرهم، أن النبي تمنى لو أن رآهم. وما هذا إلا لعلو أمره وهولا من سيأتي في آخر الزمان. والأحاديث التي أخبر فيها نبينا عن فضائل آخر الزمان كثيرة، وليس هذا المقام مقام تعدادها. لكن حسبنا ما جاء في السنن من حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أن «من ورائكم أيامًا، القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيه أجر خمسين منكم»، يعني الذي يعمل العمل الصالح، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يضاعف له الأجر، هذا في حق من سيأتي في آخر الزمان، هذه فضيلة عظيمة. وهنا مسألة، قال العلماء: وهي عندما شبه نبينا هؤلاء بالإخوة، لما قال الصحابة: «أولسنا إخوانك؟» قال: «لا، أنتم أصحابي، وأما إخواننا فـ...»، ذكر الحديث. قال العلماء: ومقصود بالإخوة هنا المشابهة، أي هؤلاء شابهوا الصحابة. فبحث العلماء ما هو وجه الشبه بين الصحب الكرام وبين من يأتي في آخر الزمان؟ لأن من معاني الإخوة هم إخوانه، الإخوة تأتي بمعنى المشابهة. كما جاء في «الشيبتني هود وأخواتها»، هود وأخواتها، ما معنى أخوات هود؟ أي شبهات بهود، الذي فيها الزواجر والوعظ. فالإخوة التي سماهم نبي بإخواني في آخر الزمان، إذن سموا بالإخوة لوجود الشبه لهذا الزمن الذي هو فيه مع هذا الزمن المتأخر. فما وجه الشبه؟ حاول العلماء، كابن الجوزي وغيره، أن يذكروا أوجه الشبه بين الجيل الذي ظهر فيهم نبينا وبين الجيل المتأخرين. فكان من أوجه الشبه في هذا الباب، منهم من قال: إن النبي ظهر على أناس، وأن الهدى جاء إلى أقوام وقلوبهم معلقة بالأصنام والأوثان، ومع ذلك جاهدوها حتى آمنوا بالله وبشرعه. وهكذا في آخر الزمان تكون القلوب معلقة بالأهواء، معلقة بالمعاصي، معلقة بالدنيا، فيأتيهم الهدى من الله جل وعلا، ومع ذلك التمسوا وأخذوه. قال: هذا من أوجه المشابهة بين الجيل الماضي وبين الجيل القادم. هذا وجه من أوجه الشبه. كذلك من أوجه الشبه، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى قوم في بداية أمرهم كانوا على ضعف وعلى قلة. قالوا: وهكذا في آخر الزمان، من يكون متبعًا للسنة يكون في حال من الضعف. ويؤيد هذا المعنى قول عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». فهذا من أوجه الشبه، ولهذا سماهم نبينا بإخواننا، فهم إخوة بمعنى المشابهة. وذكر العلماء أوجه شبه كثيرة في هذا المقام. إذا في هذا الحديث، إخواني، فضيلة لمن يأتي في آخر الزمان. ويتفرع من هذه المسألة أن ليس المقصود بآخر الزمان أن كل من ظهر في آخر الزمان يلحق بهذا الفضل، لا، بل هذا لميزة فيه أناس، أناس تميزوا ببعض الأعمال. ولهذا من أحب أن يتحصل على الأجور التي فيها مضاعفة للثواب، فليتتبع هذه الأعمال والصفات لمن تكون في آخر الزمان، فيطبقها في نفسه حتى يرتفع قدره عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم تأتي مسألة، إخواني في الله: هل معنى هذا أنه يوجد في آخر الزمان من هو أفضل من الصحابة؟ هل يمكن هذا؟ أن يوجد في آخر الزمان من هم أفضل من الصحابة؟ نعم، ذهب جماعة من أهل العلم إلى احتمالية ذلك، قد يوجد من بعض الناس من يتصف ببعض الصفات من يرفع من قدره حتى يكون أفضل من بعض الصحابة. لكن هذا القول مرجوح، والذي عليه جماهير العلماء على أنه ما هناك أحد يستطيع أن يسابق الصحابة أبدًا، ما هناك أحد. وهذا هو الصحيح في هذا الباب، وهذا الذي كما قلنا عليه جماهير العلماء لعدة أمور. أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تميزوا بصفات وبمميزات لا يوجد أبدًا في من تأخر. ومن ذلك أفضلها وأعظمها ما كان من الرؤية لنبينا عليه الصلاة والسلام، الصحبة، هذه منقبة وفضيلة ومرتبة لا أحد يدركها إلا من كان صحابيًا، وانتهى بابها وانتهى أمرها وانتهى فضلها، فلا أحد يدركهم من الخلوف ومن المتأخرين أبدًا. يقول عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن رآني، ولمن رأى من رآني، ولمن رأى من رآني». سبحان الله، انظر على ماذا كان الفضل على الرؤية فقط، طوبى لمن رآني، وهم الصحابة هؤلاء فقط، ولمن رأى من رآني، ولمن رأى من رآني. هذه الصحبة لا يعادلها شيء أبدًا. زد على ذلك أن للصحابة رضي الله تعالى عنهم من الذب عن حمى الرسول عليه الصلاة والسلام ما ليس لأحد، وقفوا بجنبه جهادًا وغزوًا وحراسة، بذلوا أموالهم ودماءهم وأرواحهم في سبيل الله وفي سبيل نصرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يتأتى لأحد من بعده. كذلك مسألة الهجرة والنصرة، ومنها انبثق أن صحاب على قسمين: المهاجرون والأنصار. ونحن من أي صف؟ لا نحن لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، وهو من أعظم الناس أجرًا عند الله جل وعلا. كذلك ما قاله العلماء: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من فضلهم أنهم ضبطوا لنا الدين وحفظوا لنا الشريعة وبلغوا الدين والإسلام، وهذا ما كان لنا وما كان لأحد المتأخرين. زد على ذلك من فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن ما نحن عليه من الخير ومن الفضل ومن الأجر والحسنة كل يعود إليهم. من دل على هدى فله أجره وأجر من عمل به، وهذا الفضل الذي نحن فيه، القراءة القرآن وتسميع الأحاديث والتعليم، الأعمال الصالحة، إنما جاء من جهة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ أنهم أخذوه من رسول الله ثم بلغوه الأمة. فكل عمل أنت تعمله يرجع أجر لمن علمك، ثم لمن علم علمك، ثم ثم ثم، سينتهي المطاف إلى الصحابة ولابد. فكيف يأتي المتأخر ويدركهم؟ ما أحد سيدركهم. وبهذا تعلم أن الصحابة هم أفضل الخلق، وما هناك أحد متأخر يستطيع أن يساوي فضلهم فضلًا أن يسابقهم أو ماذا أن يفوق عليهم. وهذا الذي كما قلنا عليه جماهير العلماء. وفي الحديث أيضًا فضيلة الوضوء، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم سيتعرف على أمته، وطبعًا الأمم يوم القيامة كثيرة، تخيل الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه ساحة الحشر قد مريأت بالأمم والشعوب والحضارات. فأراد نبيه أن يتعرف على أصحابه، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: «فانظروا أيمن مني، وانظروا أشأ مني، وانظروا من أمامي، فأعرفكم بآثار الوضوء، الغر والتحجيل». فقال علماء: إذن هذه العلامة الخاصة بأمة محمد يوم القيامة. معنى الغر والتحجيل أن أثر الوضوء وما يكون في الوجه وما يكون في اليدين وما يكون في السيقان في الأرجل يشع نورًا يوم القيامة، فيعرفهم نبينا واحدًا أن هذا من أتباعه وذاك من أتباعه وذاك من أتباعه، وهذا من أمته بهذا الأثر الذي يتميز به أبناء هذه الأمة المحمدية. ففيه فضيلة لأمر الوضوء، وأن الإنسان يحرص على الوضوء قدر الإمكان فعلًا وكذلك تطبيقًا، أنك لا تتهاون يا عبد الله فتخدش من أمر الوضوء، بل يكون كاملًا مكملًا حتى يكون عليك سيمة تحجيل والغرة. وهذا إلى ماذا يجر؟ يجر يا إخواني في الله إلى فضيلة الصلاة، فالطهارة والوضوء ما هو إلا الشرط لمبنى من مباني الإسلام ألا وهو الصلاة. فمن كان ليس من أهل الوضوء، بمعنى أنه ليس من أهل الصلاة، ومن كان من أهل الوضوء عنده غرة وتحجيل، إذن هو من أهل الصلاة. فهذه الآثار، إخواني في الله، ستؤول وتعود إلى إقامة الصلاة. فحري بعبد الله أن يحرص على إقامة الصلاة، فإذا كنت كذلك فلك الفضل العظيم. ومن ذلك أنك ستكون من هذه الأمة التي سيعرفها نبينا بآثار الغرة والتحجيل. هذا ما يذكر، إخواني في الله، من بعض المسائل المتعلقة بحديث أبي هريرة، والذي فيه نبينا سيتعرف على إخوانه يوم القيامة بآثار الوضوء. ثم أشرنا إلى ما كان من منع أقوام من أمته يمنعون عن الحوض، وذلك لأسباب حالت بينهم وبين وروده. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.