التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 19

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث النبي لابن عباس

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في حفظ الله والتوكل عليه، ويبين أهمية حفظ أوامر الله وحدوده. كما يشير إلى أهمية الصبر على الابتلاءات.

تحقيق توحيد الله بحفظ أوامره

يتطرق الشرح إلى معنى احفظ الله يحفظك، حيث يشمل الحفظ الوقاية من المضرات والرعاية في المسرات، ويتحقق التوحيد بطلب العون من الله وحده.

معرفة الله تعالى ومراتبها وتأثيرها

يشرح المقطع مفهوم القضاء والقدر وأنواع معرفة العبد لربه، مبينًا أن المعرفة العامة تقتضي الإيمان بربوبية الله، والمعرفة الخاصة تتمثل في حفظ الله ونصره لعبده المؤمن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية، قال: الحديث التاسع عشر، عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: احفظ الله تجده أمامك، تعرف لله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث، رواه الترمذي في الجامع، أي في سننه المسمى بالجامع جامع الترمذي، قال: لكن ليس فيه: وإن اجتمعوا على أن يضروك، بل لفظه فيه: ولو اجتمعوا، وإسناده حسن. أما الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف، يعني: احفظ الله تجده أمامك إلى آخره، قال: فهي عند عبد بن حميد في مسنده، وفي سياقه زيادة على المذكور هنا، وإسنادها ضعيف. وروي الحديث من طرق، فرواية الحديث من طريقي أو من حديث علي رضي الله عنه، يعني في هذه الوصية، وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث أبي بن سعد، وكلها لا تخلو من ضعف، كما ذكر الإمام رجب رحمه الله، يعني في هذه الزيادة الأخيرة في الحديث: احفظ الله تجده أمامك. قال: ورويت هذه الجملة من طرق أخرى تحسن بها، إلا قوله: واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، فليس في طرق هذا الحديث ما يشهد لمجيئها في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، يعني هذه اللفظة لم تذكر في شيء من الأحاديث الواردة في هذه الوصية، وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس. قال: وإن كانت ثابتة في أحاديث أخرى، كما تقدم في كتاب التوحيد، وفي باب ما جاء في منكري القدر. ومعنى ذلك أن هذه اللفظة ثابتة، يعني من قول النبي عليه الصلاة والسلام. قال: والمراد بحفظ الله المذكور في قوله: احفظ الله، حفظ أمره، احفظ الله يعني احفظ أمر الله، أو أوامر الله. قال: والآخر شرعي، وحفظه بتصديق الخبر، وامتثال الطلب، واعتقاد حل الحلال. احفظ الله يعني احفظ أوامر الله، إن كانت هذه الأوامر قدرية، فحفظها بالصبر على ما قدره الله، بالصبر على ما قدره الله من الابتلاءات والمصائب، فالمسلم يصبر عليها، وهذا من حفظه لله، أن يصبر على أوامر الله وعلى أقدار الله جل وعلا. وإن كانت هذه الأوامر شرعية، وهما أمر الله عز وجل به مما يحبه ويرضاه، كالأمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من الطاعات، فحفظها بتصديق الخبر بأن هذا مما أمر الله به، ومما أوجبه الله وشرعه الله، ثم امتثال الطلب بفعل هذه العبادة التي أمر الله بفعلها، هذا من حفظ الله، وحفظ أوامره. وقال: اعتقاد حل الحلال، ما حله الله فإنا نحله، وما حرمه الله فإنا نحرمه أيضا من حفظ الله، حفظ حدوده، أن تحفظ حدود الله، تلك حدود الله فلا تعتدوها، لا تتعدى حدود الله، أي الأوامر، وكذلك أيضا تجتنب النواهي، تلك حدود الله فلا تقربوها، أي النواهي والمحرمات، وكل هذا من حفظ من حفظ الله جل وعلا، أن تفعل ما أمر الله، وأن تترك ما حرم الله جل وعلا. قال: وبين النبي صلى الله عليه وسلم جزاء من حفظ أمر الله في قوله: يحفظك، وقوله: تجده تجاهك، وفي الرواية الأخرى: أمامك، فجزاء من حفظ أمر الله نوعان، أحدهما تحصيل حفظ الله له، وهذه وقاية، والآخر تحصيل نصر الله وتأييده، وهذه رعاية. فالوقاية في دفع المضرات، والرعاية في حصول المسرات، يعني يحصل للعبد كمال الحفظ إذا حفظ الله عز وجل، حفظه الله. احفظ الله يحفظك، احفظ هذا أمر، هذا أمر طلب، ما هو جزاؤه؟ إذا حفظت ماذا لك؟ قال: يحفظك، احفظ الله يحفظك، أي احفظ الله فإن تحفظ الله يحفظك، يحفظك الله عز وجل ماذا؟ بتحصيل حفظ الله له، وهذه وقاية، أن يقيك الله عز وجل المصائب والشرور والمحن والبلايا. وكذلك أيضا من حفظ الله عز وجل لك حفظا خاصا وهو بمعنى النصر والتأييد، وهذه رعاية، أن يرعاك الله عز وجل فيؤيدك وينصرك ويحفظك، فيحصل للعبد كمال الحفظ من الله جل وعلا. وأيضا يحفظه الله عز وجل في دينه، وفي دنياه، وكذلك يحفظه الله عز وجل في دنياه وفي آخرته، إذن احفظ الله يحفظك، هذا الحفظ يشمل الحفظ الدنيوي، ويشمل كذلك الحفظ الديني. الحفظ الدنيوي يحفظك في نفسك، وفي أهلك، وفي أولادك، وفي أموالك، والحفظ الديني يحفظك الله عز وجل في إيمانك، ألا تزيغ، وأن لا تنحرف، وأن لا تزل عن الهدى والصراط المستقيم، هذا مما يدخل في قول عليه الصلاة والسلام: يحفظك، احفظ الله يحفظك. أيضا يحفظك في الآخرة من أهوال الآخرة وشدائدها، فيحصل بهذا للعبد كمال الحفظ إذا حفظ الله جل وعلا. وإيضا يكون الله عز وجل قريبا منك، يعني ينصرك ويؤيدك، إذا سألت الله استجاب الله لك، وإذا تضرعت إلى الله عز وجل بالدعاء لكشف كربة أو قضاء حاجة، كشفها الله عز وجل عنك، وهذا معنى قوله: تجاهك، وتجده أمامك، يعني قريبا منك، لماذا؟ لأنك حفظت الله عز وجل بحفظ أوامره، فحينئذ يستجيب الله عز وجل لك، وتكون من عباده المقربين، ومن أوليائه الصالحين. قال: فالوقاية في دفع المضرات أن يقيك الله عز وجل الشرور والمصائب والابتلاءات، والرعاية في حصول المسرات، أي ما يسرك وما تفرح به من حصول النعم، وكذلك ما تطلبه النفوس وتنعم به. ثم أيضا أوصاه بقول: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وهذا من حفظ من حفظ الله، فإن من حفظ الله أن يحقق العبد توحيد الله عز وجل، فلا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يتقرب بشيء من الطاعات والعبادات إلا لله سبحانه وتعالى. فيكون هذا من ذكر ماذا؟ من عطف الخاص على العام، فاحفظ الله يشمل ذلك أن لا تسأل إلا الله، وأن لا تستعين إلا بالله، ثم خص بالذكر للعناية به وبيان أهميته، فهو من أعظم الأمور التي يجب على العبد أن يحفظها، أي توحيد الله عز وجل، واجتناب الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: وقول: رفعت الأقلام وجفت الصحف، أي ثبتت المقادير وفرغ من كتابتها، ومعنى ذلك أن ما قدره الله عز وجل وكتبه الله لا بد أن يكون، لا بد أن يكون، ولن يقع شيء إلا بتقدير الله عز وجل وإرادته، إلا بتقدير الله جل وعلا وإرادته. فلا يستطيع العبد أن يؤخر أمرا أراد الله عز وجل تقديمه، أو يقدم أمرا أراد الله تأخيره، أو يرفع أمرا أراد الله كونه ووجوده، أو يوجد أمرا أراد الله منعه وحصوله، فإن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل على كل شيء قدير، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. فكل شيء يقع في هذا الكون فهو بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وفي حديث عبادة بن الصامت: «أول ما خلق الله القلم، قال: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». قال: وقوله: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، مجتمَل على عمل وجزاء، أما العمل فمعرفة العبد ربه، تعرف إلى الله هذا عمل طلب، يطلب منك أن تتعرف إلى الله في الرخاء، يعني في حال الراحة والأمن وعدم الخوف، تتعرف إلى الله بالإقبال على طاعته وعبادته وخشيته. قال: وأما الجزاء فمعرفة الرب عبده، وهذا هو المطلوب أن يعرفك الله، أن يعرفك الله حتى يحفظك وينصرك ويؤيدك ويسددك. قال: وأما الجزاء فمعرفة الرب عبده، وهذا لا شك أنه جزاء عظيم، جزاء عظيم أن يعرفك الرب جل وعلا. قال: فالمبتدئ للعمل العبد، والمتفضل بالجزاء هو الله سبحانه وتعالى، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، يعني إذا أصابتك المصيبة ووقعت لك الكارثة، هنا تتضرع إلى الله عز وجل فيستجيب الله لك، لأن الله عز وجل يعرفك، أنت لما تتقرب إليه وقت الرخاء بالطاعات والقربات والأعمال الصالحات، فعند الشدائد لا يخذلك الله جل وعلا. قال: وما معرفة العبد ربه نوعان، أحدهما معرفة الإقرار بربوبيته، وهذه المعرفة يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، هذه معرفة عامة، إقرار العبد بربوبية الله، يشترك فيها المسلم والكافر. فكما أن المسلم يقر بربوبية الله، وأن الله المتفرد بالخلق والملك والتدبير، كذلك الكافر يقر بذلك، أن الله عز وجل هو ربه وخالقه ورازقه، كما قال الله عز وجل عن المشركين: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هم يعترفون ويقرون بربوبية الله جل وعلا، إلا من طمس على بصيرته وعلى قلبه فأشرك في ربوبية الله، وأنكر ربوبية الله جل وعلا، وأمثال هؤلاء هم في الحقيقة ينكرونها بألسنتهم مع إقرارهم بها في قلوبهم، كحال فرعون، من كان على شاكلته. أليس فرعون أنكر وجود الله عز وجل وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، قال الله عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ولما غرق أغرقه الله، قال: ﴿آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. طيب بالأمس يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولما عاين الموت وعاين الهلاك وأدرك أنه راحل من الدنيا، قال: ﴿آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال الله عز وجل: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، ما ينفع الآن؟ فالمقصود أنه أنكر بلسانه، لكن هو يقر بذلك بقلبه، بدلالة أنه لما حضره الموت وعاين الهلاك نطق بذلك بلسانه، واعترف بربوبية الله جل وعلا. قال: والثاني معرفة الإقرار بألوهيته، وهذه المعرفة تختص بأهل الإسلام، ليس الأبرار منهم فيها كالفجار، فمعرفة الأبرار أكمل، هذه معرفة خاصة، معرفة الإقرار بألوهيته، يعني أن الله عز وجل هو الإله الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه، وهذه يختص بها أهل الإسلام والإيمان، بخلاف أهل الشرك، فإنهم يكفرون بألوهية الله، ويتخذون آلهة مع الله جل وعلا. قال: ومعرفة الله عبده نوعان أيضا، أحدهما معرفة عامة تقتضي شمول علم الله عبده واطلاعه عليه، وهذه عامة كل عبد من عباد الله، الله عز وجل يعرفه ومطلع عليه، يعني هذه المعرفة معرفة اطلاع وعلم بحال العبد، وما يصدر منه من قول أو فعل، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. قال: والآخر معرفة خاصة تقتضي معرفة الله عبده بالنصر والتأييد، وهي المقصودة في هذا الحديث، وهي المقصودة يعرفك الله، أو يعرفك بالشدة، يعني معرفة خاصة، فيؤيدك وينصرك ويدفع عنك كربتك ويرفع عنك مصيبتك، هذه معرفة خاصة تكون للمؤمن الذي عرف الله عز وجل في حال الرخاء. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.