الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 352، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل حديث زيد بن أرقم حول حرص ابن آدم على الدنيا، ويتناول قضية نسخ بعض الآيات القرآنية. كما يشير إلى آراء العلماء حول هذا النسخ.
يتناول هذا الفصل خطورة الطمع وحرص الإنسان على الدنيا، ويبرز أهمية التوبة والقناعة والتوكل على الله، مشيراً إلى رحمة الله التي تغفر الذنوب لمن تاب.
يشير هذا الفصل إلى تخريج الحديث وتعدد مصادر روايته، حيث رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر، كما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا رب بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبيد، وهو التنافس الكوفي، قال: وابن المنذر، وابن المنذر يقول الشيخ: الظاهر أنه إسماعيل بن عمر أو محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وكلاهما من شيوخ الإمام أحمد، لكن يقول الشيخ: الذي يظهر أنه إسماعيل بن عمر، لأن الإمام أحمد كان يجله ويكنيه. قال: حدثنا يوسف بن صهيب، قال أبو المنذر في حديثي: حدثني حبيب بن يساط عن زيد بن أرقم قال: «لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». قال: هذا حديث صحيح. والحديث خرجه البزار كما في كشف الأستار. فهذا الحديث قد جاء عن جماعة من الصحابة، عن ابن عباس وعن أبي بن كعب، وأنه كان فيما يقرأ في القرآن من القرآن في سورة الأحزاب. ولهذا قال بعض العلماء: إن القرآن الذي كان يقرأ به أبي فيه زيادات في سورة الأحزاب وفي غيره. وهذه أيضا كذلك في سورة البينة. وهذا قال بعض العلماء: إن أبي إما أنه ما كان يعلم النسخ، أو أنه يبقيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياها، فلهذا أبقاها في مصحفه ولم يخرجها، وإلا قد محاها النبي عليه الصلاة والسلام من مصاحف التي كان يكتبها عليه الصلاة والسلام. فلهذا لم يكتبها أبو بكر ولا عثمان، لأنهم علموا أنها قد نسخت. ولهذا قال زيد: «لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، أن كان هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ لفظها وبقي الحكم. وإن كان هذا ليس حكما، لكنه إخبار عن طمع ابن آدم وشراهته وحرصه على الدنيا، حتى أنه لو أعطي واديان من ذهب أو فضة فإنه لتمنى أن يكون له آخر. لأن الإنسان غالبا ما يقنع إلا من رحمه الله عز وجل. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام بيّن حرص المرء وطمعه، أنه مثل الذئب الجائع، بل ذئبان جائعان أرسل على حضيرة فيها غنم، فإنهما لا شك أنهما يفسدان أشد الإفساد. فكيف إذا كان الذئب إذا أرسل وهو شبعان، بطنُه شبعان إذا أرسل إلى الحضيرة، لا شك أنه لا يتركها ويفسد فيها. فكيف إذا كان ذئب جائع، بل ذئبان جائعان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام؟ فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام ومثل نفس الإنسان الطماعة كهادع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديثه بالدرداء وغيره: «ما ذئبان جائعان أرسلا إلى حضيرة غنم بأفسد من حرص المرء على دينه بشرفه وحرصه أو طمعه، وأنا على شرفه وجاهه، وأنا يحرص على أن يضيع دينه، لكنه يتحصل على الدنيا ويتحصل على الجاه والشرف ويتحصل على الرئاسة ويتحصل على غيرها من هذه الأمور التي تكون من زينة الدنيا ومن عرضها». فلهذا فهو يطمع كلما ارتقى مثلاً في مسؤولية، طمعاً يكون أكثر منها لأجل أن يتحصل أكثر. وكذلك أيضاً في تجارته، كلما أعطي كثيراً من الفائدة أراد فائدة أكبر منها وأكثر. وهكذا لا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب، أي إذا مات فتذهب هذه النفس الطماعة والنفس التي تقوده إلى الشر وتقوده إلى الحرص على الدنيا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب»، ثم قال: «ويتوب الله على من تاب». وهذا من رحمة الله جل وعلا أن فتح التوبة في كل عمل، ولو كان هذا العمل من أعظم الإجراء، يفتح الله عز وجل لعبادي التوبة. ومعلوم أن التوبة فتح لها باباً عظيماً إلى أن تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في حديثه بموسى في صحيح مسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». فهذا أمر عظيم. يقول الله عز وجل أيضاً: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾، مهما كانت هذه الذنوب. فإذا تاب العبد إلى الله، تاب الله عز وجل عليه. جاء عن ابن عباس البخاري مسلم أن قوماً جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قتلوا فأكثر، وزنوا فأكثر، فقالوا: يا رسول الله، ما هلنا من توبة؟ قتلوا وأكثروا في القتل، وزنوا فأكثروا. فأنزل الله عز وجل: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾. وأنزل الله سبحانه وتعالى أيضاً الآية الثانية التي في الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون إلى آخر الآية﴾. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات ليبين لهم أن لهم توبة. فما دام المشرك يتوب الله عز وجل عليه، فباب أولى غيره. فرعون الذي تكبر وأيضاً تجبر، فتح الله عز وجل له التوبة لعله يتذكر أو يخشى. وكذلك ذلك الملك الذي أحرق أهل الإسلام، أيضاً جعل الله عز وجل له توبة. ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾. وكم من من آذى أهل الإسلام وآذى المسلمين ثم تاب بعد ذلك وصار من أهل الإسلام، من من يدافع عن الدين، وحسن التوبة. فلهذا ربنا جل وعلا رحيم، يتوب الله عز وجل على من تاب، فيذهب هذا الشرح ويذهب هذا الطمع، التوبة إلى الله. وإلا سيكون هذا الرجل محل فساد، هذه الشرح وهذا الطمع والحرص، وهذه الأمانية الكاذبة التي يمشي خلفها، وهو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مما خطى خطاً وجعل نقطةً قال: هذا ابن آدم، ثم خطى خطاً طويلاً وقال: هذا أمله، وخطى خطاً عريضاً أو مربعاً يخرج منه هذا الخط الطويل، وخطى بجانب الخط المربع خطوطاً صغيرة، فقال: هذا الإنسان، وهذا أمله، وهذا أجله، وهذه الأعراب. كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود قال: وهذه الأعراب إن سلم من عراض نهشه عراض آخر. أنا هكذا وهو ذاهب إلى هذا الخط الطويل الذي هو أمله، يمشي في هذا الأمل حتى تتناهشه هذه الأعراب، وإما أن يموت فلم يخرج من هذا العمل الطويل الذي كان يتبناه. فلهذا لهذا أيضاً جاء عند أحمد وأبي داود من حديث أنس النبي صلى الله عليه وسلم: جعل نقطة قال: هذا ابن آدم، وجعل نقطة بعيدة قال: هذا أمله، وجعل نقطة قريبة قال: وهذا أجله، فجعل الأجل قريب والأمل بعيد. فإذا اتبع ابن آدم هذا الأمل فإنه يأتيه الموت ويبغته دون أن يحقق ما كان في أمنياته. فلهذا فالمسلم ينبغي عليه أن يوطن نفسه على شرع الله جل وعلا، ويوطن نفسه على القناعة. وإلا الطمع قتله والحرص قتله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما أتاه». وقنعه الله بما أتاه. رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر، وهو أيضاً عند أحمد وأبي داود عن أبي هريرة. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.