الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوم القيامة يحمل أهوالاً عظيمة، ويأتي الله عز وجل للفصل بين العباد ويحكم بينهم. الأنبياء يلعبون دوراً في الشفاعة للناس يوم القيامة.
النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للناس يوم القيامة بعد إذن الله، ويأتي الناس إليه للشفاعة بعد أن يذهبوا إلى الأنبياء الآخرين. الله ينزل للفصل بين عباده بنزول حقيقي يليق بجلاله.
يوم القيامة، يُقضى بين العباد ويُؤخذ المظالم، حيث تُنقل حسنات الظالم إلى المظلوم، وإذا نفدت حسناته أخذت سيئات المظلومين وطرحت عليه. الظالم يخسر حسناته ويتحمل سيئات المظلومين، مما يؤدي إلى عذابه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله، بقصيدته الميمية، فهو يذكر شيئا من أهوال يوم القيامة، قال رحمه الله: «ويأتي إله العالمين لوعده، فيفصل ما بين العباد ويحكم، ويأخذ للمظلوم ربك حقه، فيا بؤس عبد للخلائق يظلم». قال العلامة العثيمين رحمه الله: قوله «ويأتي إله العالمين لوعده، فيفصل ما بين العباد ويحكم»، قال: أي أن الله عز وجل يأتي للفصل بين عباده، بعد أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه في خلقه. فإن الناس يوم القيامة يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيتكلم بعضهم مع بعض، فيقولون: أطلبوا من يشفع لنا إلى ربنا ليريحنا من هذا الموقف، يعني في عرصات القيامة، في ذلك الموقف العظيم. قال: فيأتون إلى آدم عليه السلام، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إلى موسى عليه السلام، ثم إلى عيسى عليه السلام، فلا يجدون من هؤلاء من يشفع لهم، على اختلاف بينهم في أعذارهم، كل واحد يعتذر في الشفاعة. فآدم يعتذر بأنه أكل من الشجرة وقد نهى عنها، وكذلك نوح يعتذر بأنه كانت له دعوة دعاها على قومه، وإبراهيم يعتذر بأنه كذب ثلاثة كذبات كما جاء في الحديث، وكذلك موسى يعتذر بما حصل منه من قتل النفس، إلا عيسى عليه السلام فإنه لا يذكر عذرا، ومع ذلك فإنه يحيل بأمر الشفاعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وكل واحد من هؤلاء الأنبياء يقول: «نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري»، لعظم ذلك اليوم، كما جاء في الحديث في صحيح البخاري ومسلم، أن الأنبياء يقولون: «إن الله عز وجل غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله»، ثم يذكر عذره. قال: فلا يجدون من هؤلاء من يشفع لهم، على اختلاف بينهم في أعذارهم، إلا عيسى عليه السلام، فإنه لا يقدم عذرا، لكنه يبين من هو أولى بها منه، أي بالشفاعة، فيقول: «اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». قالوا: هذا داخل في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، فالمقام المحمود، أي الذي يحمده الناس عليه، هو هذا المقام، الشفاعة العظمى في يوم القيامة، التي هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها»، ثم يذهب ويستأذن من الله عز وجل أن يشفع لهم، فيأذن الله له، ثم يقال له: «ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع». ويفتح الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام بمحامد لم يكن يعلمها من قبل، فيثني على الله ويحمده بما هو أهل له، ثم يسجد لله جل وعلا، فيقال له: «ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع». قال: فيشفع إلى الله، فيشفع إلى الله أن يقضي بين عباده. قال: فيأتي الرب عز وجل للقضاء بين عباده، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يعني أن ملائكة كل سماء تكون كلها مصطفة، فينزل ملائكة السماء الدنيا ويحيطون بالخلق، ثم الثانية من ورائهم، ثم الثالثة من ورائهم إلى السابعة. ثم ينزل الرب عز وجل، وهذا النزول نزول حقيقي يليق بجلال الله جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: «فيأتي للقضاء بين عباده نزولا لا نعرف كيفية، ولكن نؤمن به ونعرف معناه». وأما الكيفية فلا يمكن أن نعرفها، لأنها تابعة لذات الله، وذات الله تعالى غير معلومة الكيفية، وكذلك كل صفاته. الله عز وجل أخبرنا بأنه ينزل وأنه يجيء، لكن ما أخبرنا كيف يجيء وكيف ينزل، فإنه نؤمن بهذه الصفة، وأنها ثابتة، وأنها حقيقية، وأن معناها كذا وكذا، لكن كيفيتها الله أعلم، لا نعلم كيفية هذه الصفة، كما أننا لا نعلم كيفية ذاته جل وعلا، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. قال: فينزل الرب عز وجل ليقضي بين عباده ويفصل بينهم، فيقضي للمظلوم من الظالم، فيقضي للمظلوم من الظالم. قال: ثم ندب المؤلف رحمه الله الناس للعبد الذي يظلم الخلائق، قال: «ويأخذ للمظلوم ربك حقه، فيا بؤس عبد للخلائق يظلم»، وذلك لأنه يأخذ من حسناته وتعطى للمظلوم، فإن لم يبق من حسناته شيء، أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه، ثم يطرح في النار. لأن الحساب هو أخذ المظالم يوم القيامة بالحسنات والسيئات، ما في دراهم ولا دنانير، ولا ذهب ولا فضة، ولا أراضي ولا بهيمة أنعام يوم القيامة، وإنما المقاصة والقصاص بين الناس وأخذ الحقوق وردها بالحسنات والسيئات. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من نفس أو مال، فليردها له قبل أن لا يكون درهم ولا متاع، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار». وفي حديث أبي هريرة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: «المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع»، يعني في العرف، قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». فلا شك أنها خسارة عظيمة وعقوبة كبيرة للظالم يوم القيامة، حتى لو كان معه حسنات ستذهب عليه، يأخذها المظلومون، يأخذها من ظلمهم، ثم يتحمل سيئاتهم، ويكون مصيره إلى النار. يا ذنب الله لهذا، قال المصنف رحمه الله: «فيا بؤس عبد للخلائق يظلمه، يا بؤس له»، الحزن والأسى والخسارة والذل والمهانة يوم القيامة يكون هذا حاله، حال هذا الظالم، نسأل الله عز وجل السلامة والعافية.