اتحاف الإخوان بفضل القناعة والأخذ بأسباب الرازق المنان

الدرس في اتحاف الإخوان بفضل القناعة والأخذ بأسباب الرازق المنان، والتي كانت بدار الحديث بالضالع 6 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم القناعة وأهميتها في حياة المسلم

القناعة تجعل الإنسان يعيش حياة هنيئة وسعيدة، والغنى هو غنى النفس وليس كثرة المال. القناعة تحقق الفلاح في الدنيا والآخرة.

أثر القناعة في نظر المسلم لمتاع الدنيا

ينبغي للمسلم أن ينظر إلى من هو أقل منه في متاع الدنيا ويحمد الله، وينظر إلى من هو أكثر منه في أمور الدين ليتفوق في العبادات. القناعة تجعل الإنسان يشعر بالرضا.

الرزق وأحكامه وعلاقته بالقناعة

الله هو الرزاق وحده، ورزقه يشمل كل المخلوقات، ويجب على المسلم التسليم بقضاء الله وقدره في الرزق. الرزق يشمل الحسي والمعنوي.

أسباب تحصيل الرزق وتحصينه بالقناعة

الرزق مكتوب ومقدر من الله، ويجب على العبد أخذ الأسباب. تقوى الله وطلب العلم من أعظم أسباب الرزق.

دور الثقة بالله في تحقيق الرضا والقناعة

ينبغي للمسلم أن يثق بربه ويحسن الظن به. الثقة بالله كانت سببا في تفريج كرب هاجر أم إسماعيل ورعايتها.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أجارني الله وإياكم من البدع والضلال والنار. أولا نحمد الله عز وجل الذي من علينا ويسر لنا بزيارتكم في هذا المركز المبارك، بزيارة مشايخنا الفضلاء القائمين على هذه الدار، زيارة لشيخنا ياسين حفظه الله، وهكذا الشيخ محمد بن علي وغيرهم وغيرهم من المشايخ والإخوة الفضلاء والأساتذة الفضلاء القائمين على هذه الدار التي نسمع عنها خيرا كثيرا، فنحمد الله عز وجل الذي يسر بذلك. كما أننا نشكر الله عز وجل ثم نشكركم على حسن ظنكم واستقبالكم وإكرامكم لنا غاية الإكرام، فقد وجدنا الخير الكثير وما قدمتموه لنا مما يدلنا على حسن ضيافتكم وإكرامكم، وهذا هو المعروف عن أهل هذه البلدة وعن أهل هذه المحافظة محافظة الضالع، كما نعرف ذلك من قبل من إخواننا الفضلاء ومن مشايخنا الأعزاء. وقد وجدنا ذلك ومسسنا ذلك، وينقصنا التعبير كيف نبين لكم فرحنا بزيارتكم، فإن الإخوة قد فرحوا واستبشروا ووجدوا الخير الكثير، ووجدوا وإن كان الإنسان يجد التعب في الرحلة والسفر، لكن ما أرأيناكم ووجدنا ما عندكم من الخير، ويكفي الابتسامة في وجوهكم، وتعرف وتشعر بأن الأخ فرح بك، ذهب عناء السفر ونسينا أننا قد جئنا من بعيد. فهذا نقوله ليس افتراء أو مدحا كما يقال، ولكنها حقيقة، فنسأل الله عز وجل أن يجزئكم عنا خير الجزاء، وأن يكافئكم عنا بخير ما تكافأ تستحقون المكافأة به، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الدار عامرة بالخير والسنة منتشرة بفضل الله عز وجل، مما يبث فيها في أنحاء العالم، إنه على كل شيء قدير. ثم هذه كلمة يسيرة ومشاركة يسيرة بين يدي محاضرة شيخنا حفظه الله، فإن نعم الله عز وجل علينا كثيرة، ومننه علينا كثيرة، وإن من أعظم ذلك ما أنعم الله عز وجل به على كل واحد منا من الرزق، فالله سبحانه وتعالى قد رزقنا جميعا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾. فرزق الله عز وجل لكل إنسان يعيش في هذه الدنيا قد كتب رزقه وهو في بطن أمه، كما هو معلوم مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وأحب أن أتكلم في هذه النعمة كيف الإنسان يكون عنده الخلق خلق القناعة بما آتاه الله عز وجل، القناعة بما رزقك الله سبحانه وتعالى. فإن الإنسان إن لم يكن متخلق بهذا الخلق، فإنه يرى لا يشعر بهذه النعمة ولا يشكر الله عز وجل على نعمة الرزق، لكن لما يكون الإنسان قنعا قنوعا بما رزقه الله سبحانه وتعالى، يعيش حياة هنيئة، يعيش حياة هنيئة وسعيدة، وهكذا لا تدخل عليه فتن الدنيا، لا سيما طالب العلم، لا سيما طالب العلم. فقد يقبل كثير من الناس على طلب العلم، لكن يأتيه الشيطان بصوارف، لا سيما إذا كان قريبا من العوام، ماذا تأكل؟ ماذا تستلم؟ كيف تنفق على نفسك؟ كيف تنفق على أسرتك؟ ويدخلون عليه من مثل هذه الشبه، فكن قنعا يا عبد الله بما آتاك الله عز وجل، واعلم أن القناعة شيء عظيم، شيء عظيم، ليس كما يتخيله الناس. في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس الغنى عن كثرة العرب، ولكن الغنى غنى النفس»، فليس الغنى عن كثرة العرب أي كثرة متاع الدنيا وكثرة الأرزاق والمتاع من متاع الدنيا، إنما الغنى يا عباد الله هو غنى النفس، هو غنى النفس. فإذا كانت النفس قنعت وقنعت بما آتاها الله عز وجل، فإنها تكون حتعيش حياة سعيدة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «يا أبا ذر أترى أن كثرة المال هو الغنى؟ قال: نعم، فترى قلة المال هو الفقر؟ قال: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الغنى غنى القلب، وإنما الفقر فقر القلب»، رواه بن حبان وصححه العلامة الألباني في الترغيب. فالغنى يا عباد الله غنى النفس، والغنى غنى القلب، فقد يؤتى الإنسان من متاع الدنيا الخير والأرزاق الكثيرة، لكن لا يجد لها طعما ولا يجد راحة ولا حياة بسبب أنه يرى أنه لم يؤت شيء، لم يتحصل شيء، ما عنده قناعة، ما عنده قناعة بما آتاه الله عز وجل. فاقنع يا عبد الله، ويا طالب العلم اقنع بما رزقك الله عز وجل في هذه الدنيا، وليكن همك رضا الله سبحانه وتعالى، وأعلم أنك لن تموت كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تستكمل رزقها»، نفسه لن تموت حتى تستكمل رزقها، فلابد لطالب العلم أن يجعل ذلك همه. فإن كان يفكر في العلم ويفكر في الرزق ويفكر في متاع الدنيا، يريد أن يكون تاجرا، ويريد أن يكون منافسا، ويريد متاع الدنيا، ويريد عرض الدنيا، ويريد ويريد، ثم أيضا يريد في العلم كيف يجمع بين ذلك؟ فكن يا عبد الله وتخلق بهذا الخلق، فإن فيه الفلاح. في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قد أفلح من أسلم، قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه»، فإذا قنعك الله عز وجل بما آتاك، فقد كنت من الفالحين والمفلحين في الدنيا والآخرة. قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، فهل عندك هذه القناعة؟ وهل عندك هذا الخلق يا عبد الله؟ أنك تقنع بما آتاك الله عز وجل من متاع هذه الدنيا، وبما آتاك الله عز وجل، سبحانه وتعالى، كثير من الناس لا يقنعون بما آتاهم الله عز وجل، ولربما ينافس وعنده الخير الكثير، لكن لا يشعر بذلك. أتدري ما هو السبب؟ قد بين النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم»، النظر يا عباد الله كيف نظرتنا في هذه الدنيا؟ كيف نظرت فيما أتيته؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا تنظر في من أعطي من هذه الدنيا أكثر منك، لكن انظر إلى من أعطي من هذه الدنيا أقل منك، أعطي في متاع الدنيا أقل منك، ذلك يعينك على ألا تزدري نعمة الله، لكن أصبح حال كثير من الناس ينظر إلى من يعطى من الدنيا أكثر منك، كيف أأكل وجبتين وفلان يأكل ثلاث وجبات؟ كيف أستلم كذا وكذا من المال وفلان يستلم أكثر مني؟ ينظر إلى من يعطى أكثر منه. فهذا ما يحمد الله ولا يقنع بما آتاه الله عز وجل، لكن إذا نظرنا بالمنظار الشرعي أننا ننظر إلى من أتي في متاع الدنيا أقل منا، أكلت وجبتان أو وجبتين، قل الحمد لله، غير الله لم يجد شيء، لربما عنده وجبة أو لم يعطى شيء من الأكل، فذلك تقول الحمد لله، وأيضا تقنع بما آتاك الله عز وجل. ولهذا قال الإمام بن جرير رحمه الله عند هذا الحديث أن هذا حديث عظيم في بيان حال الناس مع متاع الدنيا، وكيف النظرة الشرعية التي ينبغي أن تكون، لكن النظرة الشرعية في أمور الآخرة وفي الدين يكون بالعكس، فلان حفظ أكثر مني، ينبغي أن تنظر إلى من يحفظ وإلى من يفعل العبادات أكثر منك، حتى تتنافس في أمور الآخرة. تنظر إلى من يفعل أكثر منك، فإن ذلك يعينك، فلان صلى جماعة وتقول أنا صليت جماعة، لكن فلان صلى جماعة خاشعا، هل صليت خاشعا؟ فذلك يعينك على أن تكون في الصلاة القادمة أكثر منه وتتخشع وتفعل العبادات، فلان استفاد من الدرس أكثر مني وأنا لم أستفد، لا بد في الدرس القادم أكون أكثر منه، تنافس في أمر الآخرة وفي أمر الدين. لكن في الدنيا لا، لكن أصبح الحال انقلبت الموازين، تقول يا فلان لماذا تتأخر عن الصلاة؟ يقول الحمد لله أنا أصلي، غير ما يصلي، ينظر إلى من هو دونه في أمر الدين، فلان ما يصلي، أنا صليت، أنا ضيأت ركعة، فلان ضيأ ركعة، لا لا تنظر بهذه النظرة، نافس إلى الأكثر في أمر الدين، في أمر الدنيا انظر إلى من يعطى أقل منك. فذلك يعينك يا طالب العلم ويا داعية، خصوصا ممن يخرجون دعوة وممن يمسكون المساجد وغيرهم، يكون همك الدين، همك تبليغ الدين، ما يكون همك التنافس على الأموال والتنافس على متاع الدنيا لا، واحذر كل الحذر من من يدخل عليك مثل هذه الشبه، ربما يكون قريبا منك، زوجة تبتلى بها، نظرتها نظرة العوام، نظرتها نظرة غير طلاب العلم. قد يأتي ويتكلم من هو طالب علم بجانبك، يأتي لك بمثل هذه الأمور، فلا تنصت إلى ذلك، بل اقنع بما آتاك الله عز وجل، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الحياة الطيبة هي القناعة، من كان عنده قناعة فسيعيش حياة طيبة، فسيعيش حياة طيبة، من هو الذي عنده القناعة؟ وقال بعضهم: القناعة كنز لا يفنى، كنز لا يفنى، لا ينتهي، ما هو القناعة كنز لا يفنى؟ وقال بعض الحكماء: الغنى الغنى، قال الغنى: رضاك بما يكفيك، وعدم تمنيك أن ترضى بما أوتيته، ولا تتمنى الزيادة في مثل هذه الأمور، أي في متاع الدنيا، أو معنى كلامه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كن ورعا تكون أعبد الناس، وكن قنعا تكون أشكر الناس»، الحديث صحيح، العلامة الألباني في الصحيح، وهكذا قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اليأس الغنى، هو اليأس عما في أيدي الناس، اليأس عما في أيدي الناس، أو قال الطمع. فالذي يطمع ليس عنده قناعة، والذي ييأس عما في أيدي الناس هذه هي القناعة، أو كما قال رضي الله تعالى عنه، فخلاصة الأمر عباد الله أن الواحد منا يقنع بما آتاه الله عز وجل، ويرضى بما آتاه الله عز وجل مما أوتيه في متاع الدنيا، فهذه دنيا فانية ستنتهي. لكن انظر إلى نفسك هل تعمل أعمال تقربك عند الله عز وجل؟ هل تعمل أفعال تكون راضي وتكون ممن رضي الله عز وجل عنهم وتؤهله إلى الدخول في الجنة؟ أما الرزق يا عباد الله فمن الله، فالرزق من الله سبحانه وتعالى، وإن كانت له أسباب وله أمور وأشياء أخرى. لكن ينبغي لنا عباد الله أن نتخلق بهذا الخلق، فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يتخلقون بالأخلاق الحسنة، ممن تخلقوا بالقناعة وغيرها من الأخلاق الفاضلة، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارتكم واللقاء بكم في هذه المحافظة محافظة الظالع، وفي هذا المركز المبارك، وهذه الدار من دور العلم السلفية في اليمن التي يقوم عليها ثلة من المشايخ الفضلاء والأساتذة الكرماء والطلاب النجباء، يعلمون الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم على فهم سلف الأمة. لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا ولا ثناءً ولا مدحى، وإنما يعلمونهم لوجه الله جل وعلا، يريدون ما عند الله والثواب من الله والجزاء من الله جل وعلا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا، نحسبهم كذلك والله حسيبهم. نحمد الله جل وعلا الذي وفقنا لزيارتهم وزيارتكم، وكان فرحنا بذلك فرحًا شديدًا وفرحًا كبيرًا، قرت أعيننا وانشرحت صدورنا مما رأينا من الخير في هذه الدار المباركة، من طلبة يتعلمون ومن أساتذة يعلمون ومن حلقات تقام ومن دعوة تنشر ومن خير يبث. نسأل الله جل وعلا أن يديمه وأن يحفظه ويحفظ القائمين على هذا الخير من كل سوء ومكروه، سمعنا وقبل ذلك نشكر القائمين على هذه الدار، ونكرر الشكر على حسن ضيافتهم وحسن إكرامهم، ونسأل الله جل وعلا أن يقلف لهم خيرًا، وجزى الله الشيخ الفاضل ياسين حفظه الله على حسن ترحيبه بإخوانه وحسن ظنه بهم. ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياه وإياكم جميعًا لما فيه الخير لنا في الدنيا والآخرة، سمعنا في كلمة يا أخينا الفاضل عايض النمور حفظه الله شيئًا مما يتعلق برزق الله سبحانه وتعالى للخلق، وأن الله جل وعلا هو الرزاق، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾. فالله جل وعلا سمى نفسه الرزاق على وزن فعال، وهي من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة، فرزق الله جل وعلا واسع، ورزقه سبحانه وتعالى كثير، هو الرازق جل وعلا لمن في السماء وهو الرازق جل وعلا لمن في الأرض، هو الرازق جل وعلا لمن في البر ولمن في البحر. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ما من دابة من حيوان أو حشرات أو حيتان أو إنسان أو جن أو طير أو غيرها من المخلوقات التي تدب على هذه الأرض، فرزقها من الله جل وعلا، وكذا من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم، الله جل وعلا الذي تكفل برزق الخلائق جميعا، لا رازق غيره ولا خالق سواه. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ نعم عباد الله، فالمتفرد بذلك هو الله سبحانه وتعالى وحده، الذي تفرد بالربوبية بخلق الخلائق واقتصر فيهم وملكهم وتدبير أمورهم، فهو الذي تفرد برزقهم، فإذا كان الأمر كذلك، علم العبد أن أمر الرزق بيد الله. وأن الله جل وعلا يرزق من يشاء، فيوسع على من شاء من عباده، ويضيق على من شاء من خلقه، كما قال جل وعلا مخبرا عن ذلك: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾، يبسط يوسع على من شاء من العباد، ويقدر ويقدر يضيق على من شاء عن الآخرين، وذلك لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى. فقد يوسع الله جل وعلا على عبد امتحانا وابتلاء واختبارا، هل يشكر نعمة الله جل وعلا وهل يستعين بما رزقه وأنعم عليه بما يقربه إلى الله وبما يرضي الله جل وعلا، أم يفتن بذلك ويستغل هذه الأرزاق في معصية الله جل وعلا ومخالفة أمره. كما أنه قد يضيق على عبده ابتلاءا له وامتحانا مع محبته له ورضاه عنه، لعلمه جل وعلا أن ذلك خير له، قال ربنا جل وعلا: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهان﴾، كلا ليس الأمر كذلك، ليس كل من أعطاه الله ووسع عليه وبسط له في الرزق أنه دليل على محبة الله له ورضاه عنه. ولا كل من ضيق الله عليه دليل على بغض الله له وعدم محبته له، بل ربما كان سعة الرزق وكثرته سبب لطغيان العبد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أرآه استغنى﴾، ولذلك قال جل وعلا: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾. فالله عز وجل حكيم في أفعاله، عليم خبير في شرعه ودينه، لا يأمر بأمر إلا لحكمة بالغة، ولا ينهى عن نهي إلا لحكمة بالغة جل وعلا يعلمها من يعلمها من العباد، ويجهلها من يجهلها، عباد الله ينبغي أن نعلم أن رزق الله جل وعلا ينقسم إلى قسمين: رزق حسي ورزق معنوي. أما الرزق الحسي فهو رزق المال والزوجة والولد وهكذا، ما ينعم الله جل وعلا به على العبد من مسكن أو مركب أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا، ورزق معنوي وهو أفضل النوعين وأعظمهما، رزق الإيمان والإسلام والهدى والتقى والعلم وغير ذلك مما يوفق الله جل وعلا به العبد. ومما يعينه في صلاح دينه وصلاح آخرته، فإذا علمت ذلك علمت أن الرزق كله من الله الحسي والمعنوي، فالرازق هو الله جل وعلا وحده، وأن الإيمان بهذا الأمر من الأمور التي ينبغي فيها التسليم وعدم الاعتراض، لأنه من باب الإيمان بالقضاء والقدر. فالله عز وجل يقدر الأرزاق، يعطي هذا ويمنع ذاك، يبسط لهذا ويقدر على ذاك، ويوسع على هذا ويضيق على ذاك، يفتح لهذا في باب العلم ما لا يفتحه للآخر، يفتح له في باب الحفظ ما لا يفتحه للآخر، يفتح له في باب الفهم ما لا يفتحه للآخر. يوسع على هذا في الرزق ويبسط له في المال ما لا يبسطه على الآخر، فذلك قضاء الله جل وعلا الذي قضى به بحكمته وعدله، يعطي جل وعلا من شاء بفضله، ويمنع جل وعلا من شاء بقضائه وعدله، فالواجب على المسلم أن يكون مؤمنا وأن يكون مسلما وأن يكون راضيا بما قضاه الله جل وعلا وقدره. لا يخوض في هذا الباب لماذا أعطى فلان ولم يعطني؟ لماذا وسع على فلان ولم يوسع علي؟ فتكون معترضا على قضاء الله وعلى قدر الله جل وعلا، فتقع في باب عظيم من أبواب الزيغ والانحراف والضلال، كم زاغ من أهل البدع ومن أهل الأهواء من المعتزلة والقدرية ومن سار على طريقتهم. حين أدخلوا عقولهم القاصرة في هذا الباب العظيم وفي هذا الباب الكبير، هذا من الراوندي الذي وقع في الزندقة بما يعارض به دين الله جل وعلا وشرع الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك في هذا الباب باب الرزق والعطاء، وهو القائل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوق. هذا الذي جعل الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا، ويقصد بذلك نفسه، قبح الله إلى خطورة هذا الباب والخوض فيه، فإنه باب يزل فيه العبد ويظل ويزيغ وينحرف، فإذا علمت هذا الأمر رضيت بما قسم الله لك وبما قضاه الله جل وعلا لك. فلعل ذلك هو الخير لك في الدنيا والآخرة، وإذا علمنا أن الرزق من الله وأن الله عز وجل هو المنعم بذلك والمعطي لمن شاء من خلقه، فقد قدر الله سبحانه وتعالى أقدار الخلائق وأرزاقهم وهم في بطون أمهاتهم، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مبينا هذا الأمر العظيم في تقدير الله جل وعلا لأرزاق العباد وأنه قد كتب أرزاقهم وهم في أرحام أمهاتهم، قال عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر أن الجنين يكون في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك. ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويأمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، انظر عباد الله، الله عز وجل قد قدر لك الرزق الذي كتبه لك وأنت في بطن أمك، لن تخطيه ولن تضله ولن تحيد عنه ولن تضيعه، إن لم تأته أتاك وإن لم تطلبه طلبك وإن لم تسعى إليه سعى إليك. في الصحيحة قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن ابن آدم هرب من الرزق كما يهرب من الموت لأتاه كما يطلبه الموت»، إذا فر الإنسان خوفا من الموت فصعد إلى أعلى الجبال أو نزل في أسفل الأودية فإن الموت سيأتيه وسيدركه أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. وهكذا الرزق وهكذا الرزق الذي كتبه الله جل وعلا لك فإنك ستدركه وستحصله إن لم تأتيه أتاك، وفي السنة لابي عاصم أن رجلا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أخذ تمرة وجدها في الطريق، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لم تأتيها أتتك»، أي أنها مكتوبة لك ومقدرة لك. وقد ذكر المناوي في فيض القدير أبياتا رائعة عند شرحه لحديث: «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة»، قال في تلكم الأبيات: خطوات مشيناها كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها وأرزاق لنا متفرقات فإن لم نأتيها سعيا أتتنا. ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها، هكذا عباد الله إذا علمنا ذلك فإن ذلك لا ينافي ولا يعارض أن يأخذ العبد الأسباب التي يتحصل بها على الرزق، فإن من حكمة الله جل وعلا أن جعل لكل شيء سببا، جعل ربنا جل وعلا لكل شيء سببا. فكما أن الرزق من الله وفضل إنعام من الله، فقد جعل الله جل وعلا لنيل الرزق أسبابا شرعية يتحصل بها العبد على الرزق، وهكذا حكمة الله جل وعلا في كل شيء، انظروا في قوله سبحانه لمريم لما حضرتها الولادة بعيسى عليه السلام، وهي في شدة الضعف وفي شدة الألم وفي غاية العجز. قال الله جل وعلا: ﴿وهزي إليك بجذع النخل تساقط عليك رطبا جنيا﴾، أليس الله عز وجل بقادر أن ينزل عليها الرطب من غير أن تهز الجذع؟ الجواب: نعم، ولكن حكمة الله جل وعلا أن تتخذ الأسباب التي بها تتحصل على هذا الرزق، ألم تر أن الله قال لمريم: ﴿وهزي إليك بجذع النخل﴾ يتساقط الرطب. ولو شاء أن يجنيه من غير هزة جنته، ولكن كل شيء له سبب، فالعبد المسلم الذي يريد الرزق الحلال والرزق الطيب والرزق الحسن، سواء كان الرزق المعنوي أو الحسي، فلابد أن يأخذ بأسبابه وأن يسعى في طلبه وتحصيله بما جعل الله جل وعلا من أسباب. إن من أعظم أسباب الرزق عباد الله لكل الرزقين: تقوى الله سبحانه وتعالى، أن تتقي الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هل تنزع طاعة الله سبحانه وتعالى بفعل الفرائض والواجبات وترك المنهيات والمحرمات؟ قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. يا أيها المسلم إذا أردت الرزق الطيب فأقبل على طاعة الله، أقبل على عبادة الله، حقق التقوى في قلبك وجوارحك، في سمعك وبصرك، في حياتك وسائر أمورك، فإن ذلك بابا عظيما من أبواب الرزق، قال الله جل وعلا: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾. نعم أيها المسلم، إقبالك على طاعة الله جل وعلا وتفرغك لذلك، وأن لا يشغلك شيء عما خلقت له من أمور الدنيا ومن شهواتها وملذاتها، لا تشغلك أعمال ولا تشغلك مجالس لهو ولعب وقيل وقال ومجالس تخزين ونظر إلى ما حرم الله جل وعلا تعصي بها الله جل وعلا. فذلك سبب لحرمان الرزق، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنا ويديك رزقا، ولا تباعد عني أملأ قلبك فقرا ويديك شغلا»، جاء هذا الحديث من حديث معقل بن يسار وبنحوه من حديث بن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فالله عز وجل يناديك أن تتفرغ لعبادته، ومعنى هذا التفرغ أن تحافظ على الفرائض والواجبات، لا تضيع طاعة الله جل وعلا، تضيع الصلاة في دكانك ومجرك وفي عملك وصناعتك، ثم تقول: أنا أطلب الرزق وأشقى على الأولاد وعلى الأهل، وأنت تخالف شرع الله وأنت تعصي الله جل وعلا، ما أمرك الله بذلك. إنما أمرك بطاعته وأمرك بلزوم عبادته، وقد تكفل لك بالرزق، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، ﴿لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾، إذا أقبلت على العبادة تكفل الله جل وعلا برزقك ويسره وأعانك ووفقك وسددك، وبذلك تكون قد تحصلت على الخيرين جميعا: خيري الدين والدنيا. إذا ان طاعة الله عز وجل والإقبال على الأعمال الصالحة سبب عظيم نيل الرزق، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، يزيدك الله جل وعلا من فضله وعطائه، وهكذا عباد الله من العبادات والطاعات التي يفعلها العبد أو إذا فعلها نال بذلك الرزق ووسع الله ووسع الله جل وعلا عليه. طلب العلم وتحصيله، الإقبال على العلم والتفقه في الدين، نعم عباد الله، فإن ذلك بابا عظيما من أبواب الرزق، لا تظن أنك إذا تعلمت وإذا تفقهت وأقبلت على دور العلم وعلى مراكز العلم أنك ضيعت مستقبلك وضيعت حياتك وصرت كما يقال لا مستقبل لك. كما قد يقول ذلك من يقول ويزهد في العلم من يزهد، وهو يجهل أن العلم باب عظيم من أبواب الرزق، جاء عند الإمام الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أتاه رجلان وهما أخوان، فقال أحدهما: يا رسول الله إني أحترف وإن أخي يحضر عندك أي لا يعمل معي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك ترزق به»، أي لعل ما تجد من الرزق وما يفتح الله عليك هو بسبب إقبال أخيك على العلم وإقباله على حضور مجالس العلم، يفتح الله جل وعلا عليك في الرزق، فيا من أرسلت ولدك ليتعلم ويتفقه في دور العلم التي هي رزق عظيم من الله جل وعلا على الخلق وعلى أهل البلد. كهذا المركز وهذه الدار نعمة عظيمة، ومنة من الله أن يسأل الله جل وعلا إقامتها، وأن يسأل الله جل وعلا فعلها، ينبغي أن تبعثوا بأبنائكم وببناتكم ليتعلموا دين الله سبحانه وتعالى، ولا تخشى فقرا ولا اقتارا ولا ضياعا، فإن الله جل وعلا الذي حث ورغب في طلب العلم وتحصيله في آيات كثيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متكاثرة كيف إذا أقبل العبد مستجيبا لأمر الله مستجيبا لنداء الله جل وعلا وعاملا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي حث ورغب في طلب العلم أن يضيعه الله جل وعلا، إن هذا من سوء الظن الذي يقع فيه العبد، فينبغي أن يحذر منه. ينبغي أن يحذر منه وأن يكون ذا ثقة بربه سبحانه وتعالى أنه لا يضيعه، انظروا إلى هاجر أم إسماعيل كما في البخاري من حديث ابن عباس لما وضع إبراهيم عند البيت ولم يكن هناك ثم بيت وضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم ولا مدبرا، قالت: يا إبراهيم لمن تدعنا؟ وهو لا يلتفت إليها. قالت: يا إبراهيم لمن تتركنا؟ وهو لا يلتفت إليها، قالت: يا إبراهيم الله أمرك بهذا؟ فالتفت إليها فقال: نعم، قالت: إذا لا يضيعنا، هذه الثقة بالله هذا الاعتماد على الله هذا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، كيف يضيعك