حفظ الله لمن ابتلاه فحفظه الله

الدرس في حفظ الله لمن ابتلاه فحفظه الله، والتي كانت بمسجد السنة بالخوخة 4 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم الابتلاء والحكمة منه

الابتلاء اختبار من الله لعباده لتقوية الإيمان والصبر. يأتي في صور متعددة مثل المصائب في النفس أو المال أو الولد.

أهمية الصبر على الابتلاء وأجره

يجب الصبر على الابتلاء حيث أن أهل العافية يتمنون الابتلاء يوم القيامة لرؤية أجر الصابرين. الله إذا أحب قومًا ابتلاهم.

حفظ الله لمن يحفظ أوامره ونواهيه

حفظ أوامر الله ونواهيه يحقق حفظ الله للعبد، مثلما حدث مع الأنبياء والعباد الصالحين. الالتزام بأوامر الله يحقق حفظ الله للعبد.

الدعاء بالإصلاح والتوفيق في الحياة والممات

الدعاء يشمل طلب إصلاح الدين والدنيا والآخرة وزيادة الخير والراحة من الشر عند الموت. يتضمن عناصر الإصلاح والتوفيق في الحياة والممات.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمد والسلام ونعوذ بالله من غرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. فإن أصدق الحديث كلام الله سبحانه وتعالى، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، كما تعلمون عباد الله أن هذا المقام ليس لي، ولكن لشيخنا المتضلع أبي يوسف حفظه الله تعالى، ولكنه أمرني أن أتكلم، فأقول: يعلم عباد الله أن هذه الحياة هي حياة ابتلاء وامتحان واختبار، وهي الساحة أو القاعة التي نختبر فيها ونمتحن فيها، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة، فقال: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾. أما أنواع الابتلاء فكثيرة، ولكني أذكر في هذا المقام نوعًا واحدًا من أنواع الابتلاء، ألا وهو ما يصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو ولده. وقد يسأل البعض: ما هي الحكمة من هذه الابتلاءات؟ عباد الله، إن الحكم كثيرة، ولكني أذكر بعض الحكم منها: أن الابتلاء تقوية للإيمان بالقضاء والقدر، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾. ومن هذه الحكم أيضًا أن الابتلاء هو وسيلة للتمكين في هذه الأرض، ولهذا قيل للإمام الشافعي: أيهما أفضل، الرجل أن يمكن أو يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى. فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، فلما صبروا على الابتلاء مكنهم في هذه الأرض. ومن هذه الحكم أيضًا أن الابتلاء رحمة للمذنبين وتخفيف الذنوب عنهم يوم القيامة، قال الله عز وجل: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة». ثم إن الله عز وجل ما يبتلينا إلا بقدر ما نحمله من إيمان وتوكل وتصبر وتحمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن قوي دينه اشتد بلاؤه، وإن ضعف دينه خفف عنه بلاؤه». ومن الأشياء التي تحثنا على الصبر على الابتلاء أن نعلم أن أهل العافية يتمنون يوم القيامة أشياء غريبة، كما جاء في الحديث: «يود أهل العافية يوم القيامة لو أن جلودهم قرضت في الدنيا بالمقاريض». ومن الأشياء التي تحثنا على الصبر على الابتلاء أيضًا أن الله عز وجل إذا أحب قومًا ابتلاهم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». ثم لننقل إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم لنرى عجب العجاب في تحمله لأقدار الله سبحانه وتعالى. ذكر أهل السير عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل ابتلاه بابتلاءات عظيمة، منها: وفاة والده وهو في بطن أمه، وتوفيت أمه وهو أحوج ما يكون إلى أمه، وتوفي جده وكانوا يحبه حبًا شديدًا، وتوفي عمه وزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها، وكانا يدافعان عنه من أذى قريش، وتوفي بناته كلهم، وتوفي أولاده كلهم إلا فاطمة رضي الله تعالى عنها. ومع ذلك يقول: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما نقول إلا ما يرضي ربنا». هكذا ابتلاءات النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه يصيبه الجوع والفقر حتى إنه يأصب الحجر على بطنه من شدة الجوع والحاجة. فاسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم كما جمعتنا في هذا المقام فاجمعنا في دار كرامتك والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، حسن أولئك رفيقًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارتكم واللقاء بكم في هذه البلدة المباركة وفي هذا المسجد المبارك، مسجد السنة في الخوخة، القائم عليه الشيخ المبجل السليم القويح، حفظه الله. سمعنا في كلمة أخينا الفاضل محمد حفظ الله تعالى هذه الكلمات النافعة، وهذه الكلمات الطيبة عن الابتلاء، وكيف يرفع الله جل وعلا الأجر والمنزلة للعبد إذا ابتلاه الله جل وعلا وصبر على هذا الابتلاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، وإن كان في دينه رقة كفف عنه في بلائه». ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». احفظ الله جل وعلا في أوامره ونواهيه، كن مطيعًا لله، متقيًا لله، محافظًا على أوامر الله، ما أمرك الله به فالتزمه وواظب على فعله، وتحفظ الله جل وعلا بحفظ محارمه وترك نواهيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلاء، فإنك إذا فعلت ذلك استحييت من الله حق الحياء». احفظ الله جل وعلا في بطنك عما حرم الله جل وعلا من أكل الحرام، واحفظ الله جل وعلا في فرجك عما حرم الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾. احفظ الله يحفظك، احفظ الله جل وعلا بإقامة الصلوات التي فرضها الله جل وعلا عليك، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة. انظروا عباد الله إلى حفظ الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ولعباده الصالحين، لما حفظوا الله جل وعلا بحفظ أوامره ونواهيه. هذا إبراهيم عليه السلام الذي ابتلاه الله جل وعلا بأنواع من الابتلاءات، وانظروا كيف حفظه الله في مواضع عديدة. وهكذا نبي الله يونس عليه السلام لما خرج من عند قومه مغضبًا عليهم، فركب السفينة وهاجت عليهم الأمواج، فألقي في البحر، فالتقمه الحوت، فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون. نادى الله جل وعلا: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فاستجاب الله جل وعلا له. وهذا موسى عليه السلام الذي بعثه الله جل وعلا إلى بني إسرائيل، ونشأ في ذلك الوقت والزمن الذي كان فيه الطاغية فرعون، الذي ادعى الربوبية والوحدانية. فلما ولدت أم موسى به وخافت عليه، أوحى الله جل وعلا إليها أن تضعه في تابوت وتألقه في اليم، فوقع ذلك، وجئ به إلى قصر فرعون. قال الله عز وجل: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. وهكذا أصحاب الكهف، تلكم الفتية الذين أنكروا ما كان عليه قومهم من الكفر بالله وعبادة غير الله جل وعلا، فأنكروا ذلك وأبوا أن يطيعوهم في الشرك بالله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾، فاجتمعوا على ترك ذلك، ثم جلسوا في داخل الكهف، وحفظهم الله جل وعلا بخوا في هذا الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة. قال الله عز وجل: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كما سمعنا في كلمة أخينا محمد، كيف ابتلاه الله بابتلاءات عظيمة، ومع ذلك فقد حفظه الله جل وعلا حفظًا عظيمًا. فمن ذلك أن أهل مكة لما علموا برغبة النبي عليه الصلاة والسلام وإرادته للهجرة من مكة إلى المدينة تواعدوا واتفقوا على أن يقتلوه بيدٍ واحدة. فلما تجمعوا على ذلك طلب النبي عليه الصلاة والسلام من علي رضي الله عنه أن ينام على فراشه وخرج عليه الصلاة والسلام من بين أظهرهم. فحفظه الله جل وعلا منهم، فلم يروه ولم يستطيعوا أن يصيبوه بسوء. ولما انطلق مع أبي بكر ودخل الغار، وجاء المشركون يبحثون عنهم حتى وقفوا على باب الغار. قال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا. قال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وتوفيقه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لأن نكون من المحافظين على حدود الله وعلى أوامر الله وعلى نواهيه. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.