التعليق على مذكرة أصول الفقه 9

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام التكليف والإكراه

يناقش هذا الفصل أحكام التكليف للمكره، حيث يفرق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ، ويبين تأثير الإكراه على التكليف في حقوق الله وحقوق الغير. يشمل ذلك تفصيل الأحكام حسب نوع الإكراه.

الإكراه وحقوق الله والغير

يتناول هذا الفصل حكم الإكراه في حقوق الله وحقوق الغير، حيث يُعتبر الإكراه عذرا يسقط التكليف في حقوق الله، بينما يُعذر الشخص في حقوق الغير فيما يتعلق بالأموال مع ضمانها. كما يشير إلى مخاطبة الكفار بفروع الإسلام.

شروط صحة التكليف بالفعل الشرعي

يبحث هذا الفصل في شروط صحة التكليف بالفعل الشرعي، مشيرا إلى ضرورة أن يكون الفعل معلوما للمكلف ومأمورا به من جهة الله تعالى. كما يفرق بين الأفعال التعبدية والمعقولة المعنى من حيث نية التقرب.

تعريف العدم والشرط الثاني

يناقش هذا الفصل الشرط الثاني لشيء ما، وهو أن يكون معدوما، ويبدو أنه جزء من نقاش فلسفي أو منطقي حول شروط معينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. لما بعد، قال المؤلف رحمه الله: تنبيه، قد أشار تعالى إلى ما يعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهما لما يتكلم به، غير طائش عنه، وذلك في قوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ الآية، يعني يكون زوال السكر بأن يفهم ما يقول، حينئذ يكون السكر غير موجود، ولا يكون فاقد العقل، وليكون فاهما لما يتكلم به. قالوا: أما المكره، فجزم المؤلف رحمه الله بأنه مكلف، ويطلق تكليفه من غير تفصيل، لا يخلو من نظر، يعني أن المؤلف -رحمه الله- من قدامى العلماء، ذكر أن المكره مكلف، وأطلق ذلك، وهذا الإطلاق -كما يقول رحمه الله- فيه نظر. قال: إذ الإكراه قسمان: قسم لا يكون فيه المكره مكلفا بالإجماع، وهذا ما يسميه العلماء بالإكراه الملجئ، الذي لا اختيار فيه. مثلا، من حلف لا يدخل دار زيد، فقهره زيد وأقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهرا حتى أدخله فيها، هل يكون بهذا قد حنث؟ الجواب: لا، لأنه مكره إكراها ملجئا، لا اختيار له فيه. قال: فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلف، كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه. وقسم هو محل الخلاف، الذي ذكره المؤلف، هو ما إذا قيل له: افعل كذا، وإلا قتلتك. هنا، هذا النوع يسميه العلماء بالإكراه غير الملجئ، لأنه له فيه اختيار، يقول: افعل كذا، أو نفعل كذا، إما أن تفعل كذا أو نفعل كذا، هنا فيه تخيير. قال: وجزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الإكراه مكلف، ومعنى مكلف: أنه مؤاخذ بما يفعل. وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذي أكره عليه، لكان آثما، والظاهر أن في ذلك تفصيلا، هو صحيح. قال: فالمكره على القتل، بأن قيل له: اقتله وإلا قتلتك، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدى ذلك إلى قتله. وهذا كما قال أهل العلم: بأن نفسه ليست بأحرص من نفس غيره، فكونه يقتل أخاه حتى تسلم نفسه، فهذا يعني أن نفسه ليست بأولى من نفس أخيه الذي سيقتله، فلا يجوز له في مثل هذه الصورة أن يقتله، ولو قتلوه. ومثل أيضا ما إذا كان فيه اعتداء على عرض، قيل له: ازني بهذه المرأة وإلا قتلناك، أيضا هنا ما له حق، ليست نفسها أو عرضها بأهون من نفسه، فلا يفعل، ولو قتلوه، بخلاف المال، يمكن أن يعوض ويرد. لكن بخلاف النفس أو العرض، هذا ما يعوض. فإذا كان الإكراه غير ملجئ في مال أو شيء من متاع الدنيا، هنا لا بأس أن يفعل ما أمر به من إتلاف أو أخذ مال أو نحو ذلك، لأن هذا يمكن تعويضه. أما ما كان فيه اعتداء على نفس أو عرض، فهذا ليس بعذر أن يفعل ما أمر بفعله. قال: وأما في غير حق الغير، فالظاهر أن الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. قوله في غير حق الغير، يعني في حق الله، إذا أكره في شيء من حقوق الله، فهو له فيه ماذا؟ له فيه اختيار، ولا بأس أن يفعل ما أكره عليه، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة. والله عز وجل أجاز للإنسان أن يكفر به وقلبه مطمئن بالإيمان إذا أكره على ذلك. أما في حقوق الغير، ففيها التفصيل الذي ذكرناه، إذا كان في حق الغير، فيعذر من حيث الإثم فيما يتعلق بالأموال، وعليه ضمانها. وأما ما يتعلق بالدماء والأعراض، فلا يجوز له أن يرتكب ما أكره على فعله. قال: قاله في الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه». والحديث أخرجه أحمد، ومن حديث أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. قال: وأما خطاب الكفار بفروع الإسلام، فاختلف فيه. فقيل: غير مخاطبين بها، وهذا مذهب أبي هاشم الجبائي المعتزلي، وهو أيضا مذهب جمهور الحنفية، أن فروع الإسلام الكفار غير مخاطبين بها. قال: لو احتج من قال بأنهم غير مخاطبين بها بأنهم لو فعلوها في حال كفرهم لم تقبل منهم. أبو هاشم -كنيته أبو هاشم الجبائي- قال: وستدرون. واحتج من قال بأنهم غير مخاطبين بها بأنهم لو فعلوها في حال كفرهم لم تقبل منهم، ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام. قالوا: هذا الاحتجاج مردود، لأنهم مخاطبون بها، وبما لا تصح به وهو الإسلام. هم مخاطبون بها، وبما لا تصح به وهو الإسلام، كونهم مخاطبين بها، سمعنا أنه يأتي بها في حال كفره، لا أولا يسلم ويأتي بها. قال: كالمحدث يخاطب بالصلاة، وبما لا تصح الصلاة إلا به، كالطهارة. كما قدمنا من أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. أبو حاتم من جباه، قال: المحدث لا يخاطب بالصلاة، حتى يزول حدثه. وهذا القول خلاف الإجماع، فالله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾. قال: والحق أنهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك، هذا هو الصواب. قال: فمن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾ الآية، ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، فرع من الفروع، يعني من فروع الإسلام. قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين﴾ الآية. قال: ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ الآية. قال: لأن الآية نص في مضاعفة العذاب في حق من جمعه بين المحظورات، يعني من الشرك بالله، وقتل النفس، وارتكاب الزنا. طيب، وقتل النفس وارتكاب الزنا من الأمور المحرمة في الشريعة، فإذا فعلها الكافر، دلت هذه الآية على أنه يعذب ويعاقب على فعلها، بدليل قوله: ﴿يضاعف له العذاب﴾. قال: وعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول أنهم مخاطبون بها، وهو الحق، وهذا مذهب الشافعية، وأصح الروايتين عن أحمد ومالك. الثاني أنهم غير مخاطبين بها مطلقا، وهو قول جمهور الحنفية. الثالث أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر، فرقوا بين النواهي والأوامر، فقالوا: مخاطبون بالنواهي، أما الأوامر فلا. قال: وحجة من قال بالإطلاق: أن الكف عن المنهي عنه وإن صدر منهم، فلا أجر لهم فيه، لأن الكفر سيئ، لا تنفع معه حسنة. قالوا: أما الجواب عن كونها لا تقضى بعد الإسلام، فهو أن الإسلام يجب ما قبله، كما في حديث عبد الله بن عمر في مسلم، حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أشترط أن يغفر لي». قال: «أما علمت يا عمر أن الإسلام يهدم ما كان قبله، والحج يهدم ما كان قبله». فالإسلام يجب ما كان قبله، ويهدم ما كان قبله مما حصل في زمن الكفر. قال: قال المؤلف رحمه الله: فأما الشروط المعتبرة لفعل المكلف به فثلاثة: أحدها أن يكون معلوما للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب. قال: ويضاح معنى هذا الشرط الأول: أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعا أن يكون المكلف يعلمه. فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة، لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق. قال: وعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به. تعبدي يعني لا يقاس عليه، ولا تعلم العلة أو الحكمة التي لأجلها فرضت. قال: وأما معقول المعنى، فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب، ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى الله. ومثال ذلك: رد الأمانة، والمغصوب، وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب، مثلا، لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله، بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلا، ففعله صحيح دون النية، وتسقط به المطالبة. قال: الثاني أن يكون معدوما. إلى هنا نكتفي، صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين.