التعليق على مذكرة أصول الفقه 7

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أقسام النهي وتأثيرها على صحة الصلاة

يناقش هذا الفصل أقسام النهي وتأثيرها على صحة الصلاة، حيث يشرح المؤلف اختلاف العلماء في تصنيف الأفعال المنهي عنها. يُوضح أمثلة على ذلك مثل الصلاة في مكان مغصوب أو لبس الحرير أثناء الصلاة.

أثر النهي على المنهي عنه وحكم الصلاة في الأماكن المنهي عنها

يتناول هذا الفصل أثر النهي على المنهي عنه، ويفرق بين النهي لذات الشيء أو لوصفه أو لخارج عنه. يبين حكم الصلاة في الأماكن المنهي عنها مثل المقبرة والحمام ومعطن الإبل، ويذكر اختلاف العلماء في ذلك.

مسألة الأمر بالشيء والنهي عن ضده وتعدد المذاهب الفقهية

يناقش هذا الفصل مسألة الأمر بالشيء وهل هو نهي عن ضده أم لا، ويعرض ثلاثة مذاهب في ذلك. يشرح آراء المذاهب المختلفة حول ما إذا كان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أم لا.

خاتمة الكتاب والصلاة على النبي

يذكر المؤلف في هذا الفصل أنه سيتناول مباحث متعلقة بالكلام، ويختم الكتاب بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا الفصل ختاماً للكتاب ويتضمن تذكيراً بأهمية الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: مصحح الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام إلى آخره. قال: اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك بالله والزنى، فإن النهي عنهما لم يقالطه أمر من جهة أخرى، يعني لم يأتي أمر بالزنى ولا أمر بالشرك بالله. قال: وهذا النوع واضح، لا إشكال في أنه باطل على كل حال. وإما يكون له جهتان: جهة مأمور بها، مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق يختلفون، يعني يتفقون في انفكاك الجهة: إن انفكت الجهة فالفعل صحيح، وإن لم تنفك فالفعل باطل. لكن عند التطبيق هذا الحكم في الأمثلة يحصل الخلاف. فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أن الجهة هنا غير منفكة؛ لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديا، وذلك عين الغصب. فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبا. يعني يرون أن الصلاة في الأرض المغصوبة هنا لا تنفك عن الأمر بالصلاة؛ لأن فعل الصلاة في الأرض المغصوبة يشغل المكان كله. فيقولون هنا لا ينفك الأمر عن النهي، وعلى ذلك فصلاته في الأرض المغصوبة باطلة. قال: والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب، لا يمكن فيه نية التقرب؛ إذ لا يمكن أن يكون متقربا بما هو عاص به. طيب هذا قول الحنبلي. قال: أما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإن الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبسه الحرير. قال: فيقول المالك والشافعي مثلا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب أيضا حرام في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه. ويقول المالك مثلا: طيب، على ما ذكر ما ذهب إليه المالكية والشافعية، والصحيح أنه عليه إثم الغصب وصلاته صحيحة. طيب، فلا دخل للغصب بالنسبة لصلاته من حيث يعني توفر الشروط والواجبات والأركان، فصلاته صحيحة، وهو آثم على غصبه. وهكذا أيضا في الصلاة بالثوب الحرير، فصلاته صحيحة مع الإثم، هو آثم ل لبس الحرير، لكن صلاته صحيحة. قال: ويقول المالك مثلا: مثال الجهة غير المنفكة صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيه ما معرض عن ضيافة الله؛ لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة الله؛ لأن الإعراض عنه ما هو الامتناع عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة. قال: فيقول الحنفي: الجهة منفكة أيضا؛ لأن الصوم من حيث أنه صوم قربة، ومن حيث كونه في يوم العيد منهي عنه، فالجهة منفكة. ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد، فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد، بناء على انفكاك الجهة عنده. فالآن يضرب هذه الأمثلة، يبين أنهم يختلفون في تطبيق ما اتفقوا عليه من انفكاك الجهة وعدم انفكاكها، ويحصل في التطبيق اختلاف. قال: وقول المؤلف رحمه الله في هذا المبحث: «قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام»، إضاح معناه أن المنهي عنه إما أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه. زاد بعض المحققين قسما رابعا، وهو أن المنهي عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكون منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة. قال: مثال المنهي عنه لذاته الشرك والزنا، فالنهي عن الشرك والزنا النهي عن ذاته، ذات الشرك وذات الزنا، وهذا يقتضي البطلان والفساد. فمن أشرك في عبادة الله فصلاة عبادته باطلة ومردودة وفاسدة. وكذلك أيضا من نكح عن طريق الزنا، فنكاحه باطل. قال: ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به الخمر بالنسبة إلى الإسكار، هذا نهي لوصف قائم به. قال: ومثل له المؤلف بالصلاة في حالة السكر؛ لأنها منهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي، يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، يعني حالة كونكم سكارة. فالنهي هنا لوجود هذا الوصف، وهو السكر. فمن صلى وهو سكران فصلاته باطلة. قال: ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم الصلاة بالحرير، هذا الآن النهي عن لبس الحرير، هذا نهي عام في الصلاة وغير الصلاة، لا يتعلق بذات الصلاة. فلهذا إذا صلى وهو لابس الحرير، صلاته صحيحة مع إثمه ل لبس الحرير؛ لأن النهي هنا ليس لذات المنهي عنه، ولا لشرطه، وإنما شيء خارج عنه. قال: ومثال المنهي عنه لخارج لازم عند المؤلف الصلاة في المكان المغصوب، والنهي يقضي البطلان في ثلاثة منها، وهي ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه لازم له لزوما غير منفك. قال: أما الرابع فلا يقتضي البطلان، وهو كان النهي عنه لخارج غير لازم. وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة. وقد بين صاحب مراقي السعود بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه، بقوله: مثل الصلاة بالحرير والذهب، أو في مكان الغصب، والوضوء في معطن، ومجزرة، وكنيسة، وذي حميم. قال: والمؤلف رحمه الله يرى أن الصلاة في الأماكن المنهي عنها باطلة، والخلاف مشهور. معطن يعني معطن الإبل، يعني مرابض الإبل. المقبرة معروفة، محل دفن الموتى. والكنيسة، وذي حميم يعني الماء الحار، حمامات الاغتسال. الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام والمجزرة، موضع الذبح، ومعطن الإبل، ومنهج. قال: المنهج لا أعلم. يشجع المنهج ينظر إن شاء الله. لأن خلاص هذا المبحث أن النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو شرطه أو الوصف اللازم له فيقضي البطلان. وأما إن عاد إلى شيء خارج عنه فلا يقضي البطلان. وبذلك يعني نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المصراة، وعن تلقي الركبان. بيع المصراة يعني بيع الشاة التي فيها حليب يحبس أيام يصر فيها اللبن حتى يصير كثيرا، ثم تخرج إلى السوق وتباع. فإذا رآها المشتري يظن أن هذا لبنها يوميا، فيغتر بذلك فيشتريها. طيب هذا منهي عنه، ومع ذلك البيع صحيح. قال: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمشتري الخيار في أخذها أو في ردها، ورد صاع من تمر مقابل هذا اللبن. وكذا بيع تلقي الركبان، جعل الخيار للبائع إذا ورد السوق، فلا الخيار. مع أن يعني تلقيه محرّم، ومنهوا عنه، ورتب على ذلك صحة البيع؛ لأن النهي يعود إلى شيء خارج عن ذات البيع أو شرطه. قال: فصل. قال المؤلف رحمه الله: الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا. فإن قوله: «قم» غير قوله: «لا تقعد». وإنما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود إلى آخره. قال: اعلم أن كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده في ثلاثة مذاهب. الأول: أن الأمر بالشيء هو عين نهي عن ضده، وهذا قول جمهور المتكلمين، أي الأشاعرة. عندهم الأمر بالشيء عين نهي عن ضده. فقولك: «قم» هو عين قولك: «لا تقعد» أو «اقعد». و قولك: «تكلم» هو عين نهيك عن السكوت. قال: وسبب قولهم هذا كما قال الشوكاني رحمه الله هو اعتقادهم أن كلام الله نفساني، فلا فرق بين الأمر والنهي. قالوا: أسكن مثلا، السكون المأمور به فيه هو عين ترك الحركة، فهو إذن عين النهي عن الحركة أيضا. فالأمر بالسكون هو النهي عن الحركة. قالوا: وشغل الجسم فراغا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد. قالوا: ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهي. يعني أسكن طلب للسكون، وهو عين أن نهي عن الحركة. قال: والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينا، وكون وقته مضيقا. ولم يذكر ذلك المؤلف، يعني ما ذكر هذا الشرط. أما إذا كان غير معين، كالأمر بواحد من خصال الكفارة، والواحد من خصال الكفارة غير معين، بل هو مبهم في أشياء محصورة. قال: فلا يكون نهيا عن ضده، فلا يكون في آية الكفارة نهي عن ضد الاعتاق مثلا؛ لجواز ترك الاعتاق من أصله، والتلبس بضده، والتكفير بالإطعام مثلا. يعني في كفارة اليمين، فكفارته: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. فلا يلزم التكفير بعتق الرقبة، فقد يختار الإطعام مثلا. قال: وذلك بالنظر إلى ما صدقه، أي فرده المعين، كما مثلنا، لا بالنظر إلى مفهومه، وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء. فإن الأمر حينئذ نهي عن ضد الأحد الدائر، وضده ما عدا تلك الأشياء المخير بينها. قال: وكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيا عن التلبس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت، وتأخيرها إلى وسط وآخره، بحكم توسيع الوقت. قال: الذي يظهر، والله أعلم، أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي وكلامي. وأن الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة. وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد. قال: مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهي ترك. والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود. وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن الضد، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة. قال: ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهيا عن الضد أن يكون الأمر نفسيا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة. وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب الضياء اللامع وغيره. وقد أشار المؤلف لهذا بقوله: «من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا». ولم ينتبه لأن هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد، يعني أنها من مسائل العقيدة التي أدخلها الأشاعرة في كتب الأصول، وما يتعلق بكلام الله جل وعلا. قال: لأن الأصل في هذا الكلام مبني على زعم باطل، وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ. قال: أن هذا القول الباطل يقضي أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السماوات والأرض. قال: وبطلان ذلك واضح، وسيأتي له إن شاء الله زيادة إضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر. قال: المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه. وهذا هو أظهر الأقوال، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: ولكنه يستلزمه، هذا وأظهر الأقوال؛ لأن قولك: «أسكن» مثلا يستلزم، نهيك عن الحركة؛ لأن المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده، لاستحالة اجتماع الضدين. يعني: الضدان الشيء الذي لا يمكن اجتماعهما، كالحركة والسكون، والكلام والسكوت. فما يمكن أن يكون الإنسان في نفس الوقت متحرك وساكن، ومتكلم وساكت، وصامت. قال: وما لا يتم الواجب إلا به واجب، كما تقدم. يعني: فقولك: «قم» يستلزم عدم الجلوس، وليس القيام هو عين الجلوس، لكن يستلزمه. يعني من لازم القيام عدم الجلوس. وعندما تقول: «تكلم» يلزم منه عدم السكوت. قال: وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك. وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقول بالأول. وهذا هو الصحيح. قال: المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه، ليس عينه ولا يتضمنه. وهذا هو قول المعتزلة. والمعتزلة يخالفون الأشاعرة، فأتوا بهذا القول. قال: والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين، والغزالي من الشافعية. واستدلوا من قال بهذا: بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده. وإذا كان ذاهلا عنه فليس ناهيا عنه؛ إذ لا يتصور أنه ناه عن الشيء مع عدم خطورته مع عدم خطوره بالبال أصلا. قال: ويجاب عن هذا: بأن الكف عن الضد لازم لأمره، لزوما لا ينفك؛ إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده. فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده، لاستحالة اجتماع الضدين. قال: إذن القول الثاني هو القول الحق: أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده. وما زال الكلام له أيضا مباحث متعلقة بهذه المسألة، سيذكرها المؤلف رحمه الله. قال: صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.